في مطلع الثمانينات من القرن العشرين صدر عن وزارة الثقافة (كتاب التساؤلات) الذي يقع في مائة وثماني صفحات من القطع الوسط, ويضم بين دفتيه ثلاث مجموعات شعرية للشاعر بابلو نيرودا أسماؤها على التوالي:
1ـ كتاب التساؤلات.
2ـ العام 2000
3ـ الوردة المفصولة.
وقد قام بترجمتها جميعاً من الإسبانية إلى العربية الصديق الأديب “رفعت عطفة” بعد أن قدّم لها بمقدمة صغيرة ألقى لنا من خلالها بعض الأضواء الكاشفة على هويتي الشاعر الشخصية.. والفنية.
والواقع فإن “نيرودا” الذي عاش 69 عاماً 1904 ـ 1973 يعتبر ـ كما قال المترجم في مقدمته ـ أبرز شاعر في أمريكا اللاتينية على الإطلاق, وتأتي أهميته من “عالمية شعره.. وإنسانية أبعاده” التي عالج من خلالها هموم دول العالم الثالث كافة من خلال هموم بلده الأم “التشيلي”, لقد عالج الظلم والاضطهاد والسحق, ودعا إلى التحدي والثورة والصمود بروح الشاعر المقاتل.. فكان أحد شعراء العصر المعدودين, ولهذا اعترف مفكرو العالم قاطبة بشاعريته وإنسانيته على حد سواء..!.
وكما ذكر المترجم فإن هذه المجموعات الثلاث التي ضمها كتاب التساؤلات.. ماهي إلا جزء من ثماني مجموعات للشاعر.. استطاعت زوجته أن تُهربِّها من سيطرة الإجرام التي اغتالت الديمقراطية والشاعر ومكتبته أيضاً, كما اغتالت في (أيلول تشيلي الأسود 1973) بسمة الناس الذين رأوا في حكومة (ألينده) في ذلك الوقت تجسيداً لقضاياهم العادلة وآمالهم التي كافحوا طويلاً من أجلها.
أما أسماء المجموعات الشعرية الخمس المتبقية فهي على التوالي:
(حديقة الشتاء ـ القلب الأصفر ـ رثاء ـ البحر والأجراس ـ عيون مختارة).
وقد وعد المترجم قرَّاء العربية بترجمتها ونشرها قريباً.. لأنها تتمم معلوماتهم عن الشاعر.
وبالتالي تُسهم أكثر في رسم الخط البياني له, كيف لا.. وهو الشاعر الثائر المناضل الإنسان, وصاحب قصيدتي “النشيد الشامل” و”اسبانيا في القلب” اللتين أكسبتاه شهرة واسعة ووضعتاه في مصاف الشعراء العالميين.
لقد عاش “نيرودا” كما ذكر المترجم في مقدمته أيضاً.. آلام وحروب القرن العشرين بكاملها.. تلك المآسي التي سبَّبها الاستعمار والإمبريالية والتّّسلط والصهيونية.. وكانت الشعوب المناضلة من أجل الحرية ضحيتها, وهذا ماجعله ينطلق بإيمان أكبر وأعمق نحو الإنسان الكامن في أعماق الإنسان.. المنتظر لحظة الخلاص بعد رجم الطغيان في إبَّان ضراوته.. ووأده في عنفوان جبروته.
لقد حاول الشاعر أن يرسم لنا في مجموعاته الثلاث الواقع المر.. والمستقبل المشرق من خلال الاتكاء على الرمز حيناً ـ بغية الوصول إلى الواقع المعيش والنفاذ إلى رؤية واضحة لمشكلات وهموم الإنسان.. ومن خلال طرح الموضوعات بواقعية مريرة وجريئة حيناً آخر مهما كانت النتائج, وهو بين هذا الأسلوب وذاك يقدم لنا تصوراً شاملاً لما يحمله المستقبل لبلده وللإنسانية جمعاء.. وتلك هي أهم ميزة للشاعر المعاصر, ولكن الملاحظ أنّ رموزه من النوع الأقرب للغموض منها للوضوح.. ومع ذلك فهذا لايحول دون فهمها وإدراكها وفكّ طلاسمها.. وبالتالي الوصول إلى خلفياتها.. وإلى المعاني التي طرحها الشاعر.. وقصد الوصول إليها.
(1)
في المجموعة الشعرية الأولى التي تحمل عنوان “كتاب التساؤلات” والمؤلفة من 74 مقطوعة, كان “الكم الشعري” متفاوتاً من حيث حجومها.. بينما كان “الكيف الشعري” ذا قاسم مشترك واحد.. سواء من حيث الجودة الفنية.. أم من حيث المضمون الإنساني ذي الأبعاد الشمولية, وإنْ تعددت المفردات والألوان التي استخدمها الشاعر في شرح وتبسيط أفكاره الإنسانية, ليصل بالقارئ إلى درجة الإقناع.. ولتستقر بالتالي القيم والمثل والأهداف في فكره بواسطة عملية استقراء ذانية تعتمد على تحريض الذات وإجراء “مونولوج” داخلي, تلك العملية التي تثيرها تساؤلات الشاعر من خلال عباراته التي احتشدت بالرموز.. والتي اخترت للقارئ العربي أقربها فهماً.. وأقلَّها غموضاً:
1ـ أين يمكن لأعمى يلاحقه النحل أن يعيش..؟.
2ـ لماذا تُخفي الأشجار بهاء جذورها..؟.
3ـ لماذا تنتحر الأوراق عندما تشعر باصفرارها..؟.
4ـ ماذا يقول الرماد العتيق عندما يواكب النار..؟.
5ـ هل تعرف حسناء “كاراكاس” كم ثوباً رائعاً تملك الوردة..؟.
6ـ لماذا تلدغني البراغيث.. وأشباه النقاد..؟.
7ـ كيف تقدم الشمس والقمر والنجوم أضواءها إلى الأرض.. في الوقت الذي لايزال فيه الإنسان يعيش طقوس الغابات..؟.
8ـ لماذا لا يقتنع الخميس أن يأتي بعد الجمعة..؟.
9ـ لماذا يقدٍّم الربيع إلى الكون ثيابه الخضر من جديد..؟.
10ـ ما اسم الزهرة التي تنقل من عصفور إلى عصفور..؟.
11ـ أين يقع مركز البحر..؟.
12ـ عندما يفكر السجين بالنور.. هل هو الذي يقدم لك الضوء..؟.
13ـ أين يترك النسر خنجره عندما يستلقي على غيمة..؟.
14ـ هل تجتمع ذكريات فقراء القرى جميعها.. وهل يُخبئ الأغنياء أحلامهم في صندوق معدني..؟.
15ـ هل يدخل الخريف بوابات الطبيعة والإنسان بشكل قانوني.. أم أنه فصل سريّ..؟.
16ـ لماذا لم يبزغ الفجر في العالم أجمع منذ الليلة التي انتهت فيها الحرب العالمية الثانية.
17ـ من أين يأتي الموت.. من الحروب والبلاء.. أم من الفقر والشتاء..؟.
18ـ ماهي الأعمال الشَّاقة التي يمارسها “أودلف هتلر” في الجحيم..؟.
19ـ هل تُزهر أشجار الحلم.. وتنضج ثمارها الخطيرة..؟.
20ـ هل في الحياة شيء أغبى من أن يُدعى المرء “بابلو نيرودا”..؟.
تلك هي نماذج وعيِّنات من تساؤلات الشاعر التي تعكس نقده وطموحاته.. وتعكس معها بالتالي طموحات الملايين من بني البشر الذين يحلمون بالحرية والمن والسلام.. ويعملون كل شيء من أجل الوصول إليها.
(2)
في مجموعته الثانية التي تحمل عنوان “العام 2000” المؤلفة من تسع قصائد, أسماؤها على التوالي:
(الأقنعة ـ الاختراعات ـ السنابل ـ الأرض ـ المدعوون ـ الرجال ـ المعدات ـ الرجال الآخرون ـ احتفال).
يتابع الشاعر طرح قضيته مستخدماً طريقة إظهار نصف الصورة أو جزء منها.. ليترك القارئ عملية استقراء الكشف الكامل والتعبير الكليِّ.. وبالتالي التعبير عما يريده الشاعر ويقصد إليه:
1ـ الرحمة لهذه القرون وللناجين من أحيائها.. أسعداء كانوا أم تعساء..!.
2ـ في هذا العام الزفافي لايوجد مهزومون.. فليضع كل منا أقنعة النصر..!.
3ـ سنجعل من هذا العصر عصراً جدَ نظيف بفضل الاستثمار الجيد للطبيعة والمخترعات, ولن يكون لأية حرب استعمارية هذا الاسم الشائن والمتكرر كثيراً, فالديمقراطية القادمة سوف تتولى القاموس الجيد.
4ـ جميل جداً العام /2000/ تماماً مثل الألف.. فالأصفار الثلاثة المتساوية سوف تحمينا من كل تمرد غير ضروري.
5ـ هو ذا اليوم قد وصل, وشجرة السعادة منهمكة في الاستعداد ابتداءاً من الجذر القاسي الذي مازال حيَّاً يبحث عن (الماء .. الحقيقة.. الحياة), وخاصة بالنسبة للشعوب الحديثة الآخذة في النمو منذ الأبد بأعلامها التي ولدتْ في كل قطر دماً أو عرقاً.. والتي تُدعى (بدول العالم الثالث).
(3)
أما في مجموعته الثالثة التي تحمل عنوان “الوردة المفصولة” والمؤلفة من 24 قصيدة, منها 14 بعنوان (البشر) و 10 بعنوان (الجزيرة), بالإضافة إلى مدخل للموضوع, فقد راح الشاعر يتابع العزف من خلالها على أوتار الإنسانية الطامحة إلى غد أفضل, متحدثاً بضمير المتكلم عن الآخرين, جاعلاً من نفسه بطل آلامهم وآمالهم وتطلعاتهم الحاضرة والمستقبلية:
1ـ أخرج إلى جزيرة “باسكوا” مُشيَّعاً بالأبواب والشوارع.. باحثاً عن شيء لم أفقده هناك, أخرج لأعود مرة أخرى وأرى تماثيل شيَّدها الليل.. ونثرها في دوائر مغلقة لايراها سوى البحر (من مدخل إلى الموضوع).
2ـ أنا زائر جزيرة “باسكوا” الفارس الغريب, جئت لأطرق أبواب الصمت.. (من قصيدة البشر1).
3ـ يا “رابانوي” القديمة.. يا وطناً بلا صوت, اغفري لنا نحن ثرثاري العالم جئنا من كل الجهات كي ندنِّسك, أحيي أولاً فوهة بركان “رانوراركو”, فأنا تلميذ البراكين, عرفتُ ـ وأنا بعدُ طفل ـ لغات “أوكونكاغوا” والحمم والمقذوفات المشتعلة لبركان “ترونادو” الذي راح يهدر بالصخور والنار في الليلة المرعبة.. (من قصيدة الجزيرة 3).
4ـ كل جزر البحر صنعتها الرياح, ولكنّ الريح النشطة هي المتوَّجة هنا, لقد أسَّست بيتها.. وأطبقت أجنحتها.. وعاشت.
وزَّعت أملاكها.. نفختْ.. غمرتْ.. منحت هباتها للشرق والغرب.. للفضاء المتحد, حتى صنعت مناطق نقية.. حتى بدأت الجذور.. (من قصيدة الجزيرة 5).
5ـ هنا في جزيرة “باسكوا” كلُّ شيء هيكل ومذبح.. كلُّ شيء مصنوع للمجهول.. ترضع المرأة وليدها الجديد فوق نفس الدرجات التي وطئتها أقدام مغتصبيها وذلك من أجل أن تعيش, لكنا نحن المارة الذين أخطأنا نجمنا, قد نغرق في الجزيرة.. كما لو كنا في بحيرة, بحيرة تُختتم فيها كل المسافات في أصعب مغامرة ثابتة للإنسان.. (من قصيدة البشر 9).
6ـ أنا الجديد الغامض, أنا المشعُّ من جديد, ربما جئت كل ألمع, أريد الفضاء الناري بلا ماضٍ, أريد البريق والأقيانوس والحجر والريح والرعد والمطر كي ألمس وأحسَّ وأرى.. كي أبني من جديد.. (قصيدة الجزيرة 12).
7ـ إنني أعترف بالتصاقي بالأرض التي يراودها فجر المحيط.. (من قصيدة البشر 18).
8ـ وداعاً أيتها الجزيرة السرية.. وداعاً يا وردة التنقية وسُرَّة من ذهب, نعود جميعاً إلى واجبات مهننا ووظائفنا الملفَّعة بالسواد والحدادْ..
وداعاً.. وليحفظك الأوقيانوس بعيدة عن فظاظتنا العقيمة وخلافاتنا ومشكلاتنا.. فلقد حانت ساعة كره الوحشة.. فخبِّئي مفاتيحك العتيقة تحت الهياكل التي ستعتب علينا غزونا غير المجدي حتى نتحول إلى رميم في كهوفها الحجرية.
وداعاً.. ووداعاً آخر دون أي وقار آخر سوى اللامبالاة الجامدة وسط البحر.. ومائة نظرة يطلعها حجر ينظر نحو الداخل.. نحو اليابسة.. ونحو خلود الأفق.. (من قصيدة الجزيرة 24).
بهذا الوداع الحار المؤثِّر والمشبع بروح العميق للإنسانية.. من خلال زوايا وكوى سلبياتها المتعددة, ومن خلال الطموح بمستقبلها المشرق الآتي, وعبر دروب من الثورة والتمرد على الظلم الاجتماعي.. والتَّرشيد والنقد الذاتي والكوني المريرين.. والتي تؤدِّي جميعها إلى ألوان الفجر في أمريكا اللاتينية ودول العالم الثالث.. أنهى الشاعر التشيلي الكبير “بابلو نيرودا” مجموعته الشعرية الثالثة (الوردة المفصولة) وبالتالي أنهى معها المترجم الأستاذ “رفعت عطفة” ترجمته الأمينة لكتاب التساؤلات, هذا الكتاب الذي يمكنني القول بموضوعية وقناعة تامتين:
إن ترجمته هذه تُعتبر من أصدق وأدق وأقرب ماترجم من أعمال نيرودا الشعرية إلى واقعه وذاته.. والتي سبق لبعض المترجمين العرب أن نفَّذوها, فالواقع يشير إلى أن المترجم حاول أن يغوص وراء مدلولات الصور والتراكيب والمعاني التي قصد إليها ذلك الشاعر العملاق قبل أن يغوص في بحر مفردات الشاعر الكلامية الوصفية التي وقف بعض المترجمين العرب الذين تصدوا لترجمة بعض أعمال “نيرودا” عندها وعند حدودها.. وبالتالي أضاعوا الكثير الكثير من آراء وأفكار الشاعر الرائد.. وأضاعوا معها الكثير الكثير أيضاً من مضامينه ومعانيه وقيمه وفنِّيته, وذلك نتيجة التمكن الواضح للصديق المترجم من اللغة الاسبانية التي ترجم عنها, وهذا ماجعله ينفذ بأمانة ـ وفي كثير من الأحيان ـ إلى الآفاق والأبعاد التي رسمها الشاعر.. وبالتالي يُقدِّم لقرَّاء العربية الصورة الصحيحة والواضحة لبابلو نيرودا الشاعر .. والثائر.. والإنسان.
وإذا كان لي من كلمة أخيرة حول هذا الكتاب.. فهي أن الشاعر أعطى من خلاله أدباً مميَّزاً سواء من حيث الجودة الفنية أو من حيث المضمون الشمولي والأفكار, وهذا ماجعله يعبر من شاطئ الذاتية والمحلية إلى شاطئ الكونية والعالمية بجواز مرور.. غلافه الشعر.. وأرقامه آلام وآمال الإنسان ليس من دول أمريكا اللاتينية فحسب, وإنما من دول العالم الثالث قاطبة.. بل في كل مكان وعبر كل زمان..!.