
مجاني
مخيلة الخندريس.. ومن الذي يخاف عثمان بشري
تأليف عبد العزيز بركة ساكن
3.8(٣ تقييم)•٨ قارئ
عن الكتاب
رواية تحكي عن واقع المشردين
عن المؤلف
عبد العزيز بركة ساكن
عبدالعزيز بركة ساكن من مواليد مدينة كسلا بشرق السودان عام١٩٦٣م ، نشأ وترعرع في مدينة كسلا وذكر البعض في مدينة خشم القربة بالقرب من مدينة القضارف ، تفرد من بني أجياله في حسه الراقي جدا في كتابة الروايا
اقتباسات من الكتاب
‟„
المزبلة أعظم سوبر ماركت طبيعي وهبة الله للمتشردين
يقرأ أيضاً
المراجعات (١)

A-Ile Self-hallucination
٢٨/٤/٢٠١٨
في عام 2013، تمت ترجمة رواية الكاتب السوداني عبد العزيز بركة ساكن (مخيلة الخندريس) إلى الألمانية، وتم وضعها في معهد سالفدن النمساوي، لتدريسها لطلبة المعهد، لما تحمله تفاصل الرواية من نوعية أدبية خاصة.
وبعيداً عن انتقال الرواية لمنحى عالمي وحصولها على ذلك الجانب المهم، وتصنيفها كإحدى الروايات التي تُدرّس، تنبثق من عمق الأحداث بعض المفاهيم والأساليب والشخوص التي تغيب عنا كقرّاء عرب، تعوّدوا على نمط نقد إيديولوجي معين ومباشر (سياسي أو اجتماعي)، وبالطبع فإن مخيلة الخندريس لا تخرج من سلوكية وهدف ذلك النقد، لكن ما يميزها فعلياً هو تفردها السردي، ولا مباشريتها، وأسلوب الكاتب الذي بنى عالماً فكاهياً نسبياً. لكن إلى أي مدى يمكن أن نستشعر الفكاهة في مسألة قاسية ومؤلمة لحياة البشر !.
يرسم ساكن روايته بإطار سردي خاص، فهو ينطلق بوجود راويين اثنين، بركة ساكن وسلوى السردية. تحتل سلوى الجزء الأكبر من الحديث، فهي تتكلم حول السودان، وتاريخ تقطير العرق، والمشردين، والمؤسسات التي تسعى لحماية الأطفال، والبؤس، والنماذج الحياتية القبيحة. إضافة لمواضيع اجتماعية ترتبط بالحب والجنس. لقد خلق روايته بطريقة مزج فريد ومميز بين الشخوص والحوارات وثقافاتهم اليومية وأرائهم خالقاً عنصراً تفاعلياً ما بين ذاكرته ووطنه بطريقة عبثية نوعاً ما، لقد قدّم لنا السودان بجانبها الفكاهي (إذا أردنا أن نقدّم تعريفاً للفكاهة) بأنها الطريقة التي تصنع في الدماغ رؤية مخففة للألم المُعاش.
منذ الدخول يشعر القارئ بجانب سحري ومثير يربطه ساكن مع قارئه، دخول غريب وجذاب، لكن مع النصف الثاني، يصبح الأمر أقرب للفتور والثرثرة. يقول بركة ساكن في نهاية الرواية، بأنه كروائي يمتلك الحق بأن يثرثر، وهذا فعلياً ما يُشعر في النصف الثاني، مجموعة من الثرثرات التي تُشكّل عنصر السرد المميز. إذاً فتلك الثرثرة ليست عبثية بالمطلق، إنها جزء من تكوين خطوط سردية جديدة ليس على مستوى الرواية السودانية فحسب، بل العربية، برغم رفض ساكن اعتبار نفسه كاتباً عربياً، بل سودانياً خالصاً، فهو لا يريد أن يتحمل وزر الضعف والانتهاك والمآسي التي مُني بها العرب سياسياً واجتماعياً.
إذاً مع مخيلة الخندريس نقف أمام السودان والسودان فقط، برغم ما يمكن للقارئ تأويله وإسقاطه على العالم من عناصر بؤس وتشرد وفقر وتجار بشر يتجولون في تفاصيل تلك الرواية.
سلوى السردية تُحدثنا عن عملها وعمل أمها في البحث عن المشردين وإيوائهم، وعلاقاتهم مع عشاقهم الأدباء والمثقفين، ذلك جانب يحاول ساكن إظهاره بشدة مترافقاً مع إنسانية الفعل لدى سلوى وأمها، يشعر القارئ من خلال تلك العلاقة بنوع من الاضطراب والسعي لتحقيق أبسط حقوق الوجود الإنساني في السودان، فسلوى فعلياً لا تختلف كثيراً عن أي مشرد تسعى لتحسين حياته، فهي أيضاً تشعر بالتشرد العاطفي وانهيار وجودها، الذي هو حقها الطبيعي، إنها ضحية مجتمع وأخلاق وتردي مجتمعي مثل حبيبها الذي لا يريد الارتباط بأي شيء يمنع حريته، بالرغم أنه أيضاً ليس سوى ضحية مجتمعية من نوع آخر. في الرواية الجميع ضحايا يظنون انفسهم عباقرة وإنسانيين، لكنهم مهزومون حقاً.
بذلك المنحى الاجتماعي يتناول ساكن جانباً سردياً طويلاً نوعاً ما، إنها العاطفة والحب والرغبة بتحقق الهدف من فكرة الوجود نفسه، ممزوجة بسردية أخرى لا معقولية حول تاريخ صناعة الخمور الرخيصة، إنها ثقافة السودان التاريخي. البحث عن الأثينول ومصادر إنتاجه، ومحاولة الحد من انتشاره بين أيدي المشردين الذين يموتون به، ذلك الأثينول الذي يُضاف للخمر كي يعطي إنتاجاً أكبر ويناسب الفقراء. ذلك الربط بين عمل سلوى في البحث عن المشردين وسردية الأثينول وعاطفتها، تلك الثلاثية المهمة والتي ترتبط بخيوط ضبابية يستشعرها القارئ دون بُرهان عقلي على ضرورة ربطها، هي ما جعلت من مخيلة الخندريس فعلياً عملاً يفضح واقع السودان القاسي، ورسم نوعاً سردياً جديداً في الرواية العربية عامة والسودانية خاصة.
لقد تعامل بركة ساكن بذكاء عالي في ذلك الربط الثلاثي، وهو ما يجعل القارئ يشعر بالسعادة والامتعاض ممزوجين أثناء القراءة. إنها رسم ملامح الذكاء الفكاهي للشخوص والأحداث.
إن الرواية محور للثرثرة التي لا تنتهي، لكن ثرثرة ساكن هي التصدي الساخر للواقع القاسي، تشرد الناس، استغلال الإنسان، الضحايا المجتمعية، انتهاك الطفولة، الانحطاط.
لقد قدّم شخوصه على طبق من مأساة مضحكة، وأهمها كانت عائلة الفكّي، تلك العائلة المؤلفة من غرابة وسفالة غير متناهية. امرأة قاصر قذرة، رجل متشرد منحط، وأطفال لا يناسبون أي نوع من الحياة، لكن رغم ذلك تسعى سلوى وأمها لإيوائهم ويشعرون بضرورة دفع ضريبة إنسانتهم مع أشخاص قذرين.
في عالم ساكن يتشكل سؤال دائم .. كيف الخلاص من ذلك الألم اليومي الذي تعيشه الشخوص ؟، وكيف الخلاص من إنسانية مغرقة برغبة الإحساس بالحياة ؟. إن المشكلة الأساسية هي عندما نمارس فعلاً إنسانياً لا لهدف الإنسانية بقدر ما نمارسها لرغبة ضمنية بإيجاد هدف لوجودنا وأهميتنا حتى وإن كان قذراً ومُغلّفاً باسم العاطفة. شخوص ساكن هي كذلك. إنسانية للبحث عن الخلاص، لا لأنها حقاً تمتلك مشاعرها الصادقة، بل لأنها تريد أن لا تكون أحاسيس مشردة في واقع طحن الجميع بآلته القاسية. الإنسان لم يعد يملك أي قيمة، لأنه ببساطة لا معيار لقيمته الذاتية ووجوده.








