تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب القوقعة : يوميات متلصص
مجاني
📱 كتاب إلكتروني

القوقعة : يوميات متلصص

3.8(١٠ تقييم)٢٤ قارئ
عدد الصفحات
٣٨٣
سنة النشر
2007
ISBN
9789953890319
التصنيف
فنون
المطالعات
٢٬٠٨٦

عن الكتاب

إنّه زمن “القوقعة”، حيث يختلط كل شيء. لا حدود فاصلة بين الماضي والحاضر، السوريالي والواقعي. هي ليست مجرّد رواية يقصّها علينا أحدهم. هي نص يختزن الرعب، الخوف، الظلم..الاحتضار. تدور الأحداث في ثمانينيّات القرن الماضي، أثناء احتدام الصراع المسلّح بين النظام السوري والاخوان المسلمين.يعود “مصطفى خليفة” إلى بلاده من فرنسا، بعد حصوله على إجازة في الإخراج السينمائي. “بلادي (سوريا) بحاجة إليّ أكثر من أي دولة اخرى”. وهكذا كان. يترك مصطفى خلفه كل شيء: صديقته، مقاهي باريس، حقوق الإنسان، البيرة، وأشياء اخرى..يصل إلى المطار. يوقفه الأمن السوري. يأخذوه إلى التحقيق، بتهمة الإنتماء إلى تنظيم “الإخوان المسلمين”، علماً انه مسيحي حسب الهويّة، وملحد في المعتقد. وهناك، يختفي مصطفى لمدّة 13 سنة، ثلاثة أشهر وثلاثة عشرة يوماً، في سجون النظام.

اقتباسات من الكتاب

لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.

سجّل الدخول لإضافة اقتباس

يقرأ أيضاً

المراجعات (٤)

رانيا منير
رانيا منير
١٢‏/١٢‏/٢٠٢٤
أربع وخمسون عاماً في "القوقعة" عاشها السوريون جميعاً، ذات القوقعة التي أحاط بطل مصطفى خليفة نفسه بها في سجن تدمر، وإن اختلفت بعض التفاصيل. غاب التعذيب الجسدي المباشر عن كثيرين، لكنه استُبدل بإرهاب نفسي منهجي يستهدف كينونة الانسان وإحساسه بقيمة وجوده ومعناه، فهل خرجنا أخيراً من هذه القوقعة؟ أم أن الأمر يحتاج إلى أجيال أخرى تحمل ذاكرة جديدة، وضميراً نقياً، ورغبة صادقة في الحياة، لتتمكن من العيش خارج سطوتها؟ تلك القوقعة التي اختبأ فيها كل سوري ليحمي نفسه من القمع والاضطهاد، قوقعة من الخوف والشك والارتياب من الاخر، ورغبة بالانفصال عن المحيط والاحتماء بها من الكراهية والرفض والاقصاء، سنوات طويلة عشنا فيه حياة موازية مع الحزب محاولين تجنبه، كما عبر الراحل خالد خليفة. ما نراه اليوم يفوق قسوة كل ما قرأناه في أدب السجون والتعذيب، وحتى في أدب التحليل النفسي الذي تناول الشذوذات الأخلاقية والنفسية، من سادية وجنون عظمة ونرجسية. الأدب الذي لطالما لجأنا إليه كمهرب بدا رغم قسوته أجمل بكثير من هذا الواقع؛ ففي الأدب يمكن للقارئ أن يجد معنى جمالياً أو قيمة أخلاقية، أما الواقع، فيبدو كصحراء قاحلة يصعب فيها العثور على أي من هذه القيم بسهولة. مصطفى خليفة، روائي وكاتب سياسي سوري، وأحد أبرز شهود العصر على فصول مظلمة من التاريخ السوري الحديث. اشتهر بروايته الذاتية "القوقعة: يوميات متلصص"، التي حظيت بإشادة عالمية وترجمت إلى عدة لغات. صدرت أولاً بالفرنسية عام 2007 ثم صدرت بالعربية عام 2008 بعد أن خرج كاتبها من سوريا. تستند الرواية إلى تجربته الشخصية كأحد معتقلي الرأي، حيث يكشف فيها عن وحشية السجون السورية وما تحمله من قمع واستلاب للإنسانية. بواقعية قاسية وأسلوب سردي مؤثر، تنقل القوقعة القارئ إلى قلب المعاناة، لتصبح شهادة أدبية وإنسانية على قسوة الأنظمة الاستبدادية وقوة الإرادة البشرية في مقاومة الظلم والبقاء. تبدأ الرواية بوصول شاب مسيحي إلى مطار دمشق، بعد أن أنهى دراسة الإخراج السينمائي في فرنسا، عاد يحمل أحلاماً كبرى بمشاريع ومخططات لمستقبل واعد. ولكن سرعان ما تنقلب حياته رأساً على عقب، حيث يُعتقل ويُقاد إلى فرع الأمن في رحلة سريالية كافكاوية من التحقيق والتعذيب والسجن. ثلاثة عشر عاماً يقضيها في جحيم سجن تدمر، دون أي محاكمة او تهمة منطقية، وإنما بسبب تقرير كتبه زميله المخبر، تقريرٌ حول مزحة أطلقها ذلك الشاب في حفلة كلفته سنوات طويلة من المعاناة والتعذيب. تحكي الرواية تفاصيل دقيقة عن معاناة المعتقلين في سجن تدمر الصحراوي القاسي، حيث يواجهون كل ألوان العذاب: التعذيب الجسدي والنفسي، الجوع، الإهانة، الشرب من مياه الصرف الصحي، وأكل الفئران. انتهاك ممنهج للروح وللكرامة الإنسانية، يحول فيه السجناء إلى كائنات أدنى من الحيوانات، ويتم تكييفهم ليكبتوا كل ردود الفعل الطبيعية. فالحيوان، وإن تعرض للأذى، يمتلك آليات دفاعية وغريزية للرد. أما هؤلاء السجناء، فقد جُرّدوا من إنسانيتهم بالكامل، واستُبدلت حيواتهم بحالة من الطاعة القسرية والخضوع المطلق. "منذ تلك اللحظات، علموني أن أقول: يا سيدي." لكن هذه الكلمة هنا ليست كما تُقال بين رجلين مهذبين، بل تُنطق وهي مثقلة بكل معاني الذل والعبودية، ترسخ الانكسار وتعيد إنتاج الطاعة القسرية. تعود الرواية إلى فترة الثمانينيات، في ذروة حملة الاعتقالات والتصفية التي استهدفت الإخوان المسلمين في سوريا. وفي مفارقة ساخرة ومأساوية، يجد البطل، وهو شاب مسيحي ملحد، نفسه متهماً بالانتماء إلى الجماعة، فيلقى به في أحد مهاجع سجن تدمر سيء السمعة، كمعاد للنظام، وفي نفس الوقت محاط بجماعة دينية متطرفة تبيح دمه، ليصبح عالقاً بين مطرقة حزب البعث وسندان التطرف الديني. فحزب البعث يراه خصماً معارضاً وكونه مسيحياً فذلك يستحق عقوبة أقسى، بينما يرى أعضاء الجماعة فيه "كافراً نجساً" لا يستحق حتى النظر إليه. هكذا عاش في عزلة وصمت مطبق، محاصراً بالكراهية من كل جانب. ومع مرور الوقت، بدأ يبني لنفسه قوقعة تحميه من نظرات العداء والرفض، يتلصص من خلالها على الآخرين الذين يرفضون الاعتراف بوجوده. "مع الأيام، بدأت تنمو حولي قوقعة بجدارين: جدار أول صاغته كراهيتهم لي؛ كنت أسبح في بحر من الكراهية والحقد والاشمئزاز، وأحاول جاهداً ألا أغرق فيه. والجدار الثاني صاغه خوفي منهم؛ كسلحفاة شعرت بالخطر فانسحبت داخل قوقعتها. كنت أجلس داخل قوقعتي، أتلصص، أراقب، أسجل، وأنتظر فرجاً لا يبدو أنه سيأتي." من خلال هذه القوقعة النفسية يُبرز لنا الكاتب كيف تحولت العزلة القسرية إلى حالة وجودية يعيشها البطل، ليست مجرد انعزال عن الواقع المادي، بل عزلة داخل النفس، عزلة تُمكّنه من المراقبة والتسجيل، لكنها أيضاً تُعمق شعوره بالغربة والاضطهاد. في عالم "القوقعة"، يُحرم السجناء من كل ما يشعرهم بوجودهم ككائنات بشرية: كالصلاة والحديث والقراءة أو أي فعل إنساني بسيط. حتى الاحساس بالزمن يُنتزع منهم. فقد صار الوقت بلا معنى؛ بمجرد دخولهم الزنزانة، أصبحوا خارج الزمن. يعيشون في عالم لا يمكنهم أن يفكروا فيه سوى بالماضي الذي يحاولون استحضار صوره كلما شعروا بالحنين، والمستقبل الذي يبدو مستحيلاً. أما الحاضر، لم يعودوا ينتمون إليه، وحادثة مخاطرتهم للحصول على جريدة عالقة في فتحة التهوية إثر عاصفة ترابية، يتبين أنها جريدة قديمة ولا تحتوى من الأخبار سوى الصفحة الرياضية وبعض الاعلانات، هي أكبر دليل على وجودهم في حيز زمني لا علاقة له بالزمن الحاضر. حتى في لحظات التعذيب، ينصحون بعضهم بعدم عدّ العصي أو التفكير في الألم، فكلما استطاعوا فصل وعيهم عن الواقع، كان ذلك أفضل في التخفيف من تصاعد الألم. تتفاقم المأساة عندما يُخرج السجناء لاستراحة التنفس في باحة السجن، وهي في الحقيقة ليست فترة ترفيهية للسجناء بل للسجانين الذين يجدون فيها فرصه جديدة لاستعراض مهاراتهم في للوحشية، والتعذيب. حيث يمنعون السجناء من فتح أعينهم، أو بسط قامتهم، أو رفع رؤوسهم نحو الشمس. هذا القمع المستمر هو اعتراف مبطن بإنسانيتهم التي يسعون جاهدين لمسخها وتشويهها. "الرؤوس منكسة، العيون مغمضة، رغم ذلك، الكل يرى، الكل يسمع.. وترتفع بيادر الحقد والذل." أمام هذا الكم الكبير من المشاهد المؤلمة، وتساقط السجناء يومياً إما عن طريق اعدامهم أو موتهم تحت التعذيب، يُجبر القارئ على التساؤل: لماذا لا ينهي الجلادون حياتهم دفعة واحدة؟ لماذا يستمرون في هذه الدوامة من القسوة التي تحطم الروح قبل الجسد؟ ما الهدف من ابقاءهم أحياء طالما أن موتهم بشكل عبثي ودون محاكمات حقيقية أمر شكلي ولا يثير مخاوف أحد؟ ليخبرنا مصطفى خليفة في إحدى لقاءاته عن الغاية الحقيقية من هذا العذاب: وهي "الوصول بالمعتقل إلى احتقار ذاته، إلى تمني الموت لهذه النفس التي لا تستحق الحياة في نظرهم. الهدف ليس إنهاء الإنسان جسدياً، بل تحطيمه داخلياً و كسر إرادته، إطفاء أي شعلة أمل، وجعله يتخلى عن أي فكرة أو إيمان أو قضية كان يتمسك بها.” هذا التحطيم الممنهج يتجاوز حدود العذاب الجسدي؛ إنه عملية متعمدة لسحق الإنسانية ذاتها. إنه محاولة لنزع أبسط الحقوق الوجودية من الإنسان، وتحويله إلى ظل فارغ، فاقد للإحساس بقيمته أو كرامته. هذا النهج لم يقتصر على السجون فقط، بل امتد ليشمل شعباً بأكمله في السنوات التي أعقبت بداية الثورة السورية. عومل السوريون بأسلوب التهميش والإذلال ذاته، حُرموا من أبسط الأشياء التي تجعل الإنسان يشعر بإنسانيته وباحترامه لذاته، وتكرس شعوره بالعجز، فلم يعد يختلف كثيراً عن سجين حرم الخبز والماء والكهرباء وأدنى مقومات الحياة. يتساءل مؤلف القوقعة، هل يستمتع السجّانون بعملهم؟ هل يرون في القسوة والوحشية عملاً بطولياً يخدم وطنهم؟ إذ يكشف لنا بطل القوقعة أن أولئك السجانون يخضعون لدورات تدريبية متخصصة في "فنون" تعذيب السجناء. تهدف هذه الدورات إلى إماتة إنسانيتهم، وتحنيط حسهم وضميرهم الإنساني، وتحويلهم خلال أسابيع قليلة إلى مجرمين يتفننون في ابتكار أساليب جديدة من الوحشية، تفوق حتى الأوامر الموجهة إليهم. من بين هؤلاء الجلادين، من كان يبصق بلغماً في فم سجين ويأمره بابتلاعه فقط لأنه تحرك في الطابور أو حاول حك رأسه. وآخرون أجبروا السجناء على ابتلاع فئران ميتة أو الشرب من مياه الصرف الصحي. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد إلى استخدام أقذع الألفاظ وانتهاك السجناء جنسياً، وصولاً إلى استهداف أعضائهم التناسلية، وكأن الرسالة كانت واضحة: "سنجردكم من ذكورتكم، من رجولتكم، من إنسانيتكم." إنها ممارسة متعمدة لتدمير الذات الداخلية، وتحويل الإنسان إلى كائن ممسوخ بلا هوية أو كرامة. هذا ليس مجرد تعذيب؛ إنه فن "صناعة التوحش". عملية ممنهجة تُنكر كل ما يجعل من الإنسان إنساناً، وتُعيد تشكيله في قالب الخضوع المطلق والذل الكامل. في السجن، يُنزَل العقاب بكل حواس السجين، ولكل حاسة نصيبها الخاص من الألم الذي يضاعف معاناتها. لكن أكثر الحواس إيلاماً كانت حاسة السمع. يمكن للسجين أن يغمض عينيه هرباً من مشهد قاسٍ، وأن يستبدل الواقع بخيالات وصور جميلة يرسمها في ذهنه. يمكن لحاسة الشم أن تعتاد روائح أقدام الآخرين وما تفرزه أجسادهم من روائح كريهة في غرفة مكتظة تختنق فيها الأنفاس، حيث تموت المستشعرات الحسية لديهم تدريجاً وتألف أنوفهم هذه الروائح. حتى حاسة التذوق، يمكن التحايل عليها لتتكيف مع الطعام الملوث، الطعام الذي قد يبول فيه الضابط قبل تقديمه، أو يرش فوقه تراباً ويدس فيه فأراً ميتاً. مع الجوع الشديد، يصبح كل ذلك ثانوياً أمام رغبة البقاء. لكن كيف يمكن للإنسان أن يصم أذنيه عن أصوات سياط الجلادين وصرخات الاستغاثة، والعواء البشري الذي يصدره المعذبون الآخرون وقد يستمر لساعات؟ أصوات نساء، وأطفال، وشيوخ، ورجال مُرغت كرامتهم في الوحل. أصوات تنفذ إلى أعماق الروح، وتترك أثراً لا يُمحى، وتذكر السجين دوماً بإنسانيته المسحوقة وتدفعه إلى حافة الجنون والانهيار. "يصبح الموت أمنية؟ أتمنى الموت صادقاً.. حتى الموت لا أستطيع الحصول عليه!!” قبل إطلاق سراح الراوي، الذي لم نعرف اسمه طوال الرواية، يواجه اختباراً أخيراً من قبل الأجهزة الأمنية: التوقيع على برقية شكر موجهة للرئيس. شرطٌ يبدو بسيطاً، لكنه في الحقيقة يمثل قمة الإذلال، حيث يهدف إلى التأكد من أن السجين قد تجرع الذل حتى نهايته، وأنه أصبح كائناً خانعاً، لا يمكن أن يقف يوماً بوجه من ظلمه، بل أصبح مستعداً لأن يشكر كبيرهم على العذاب الذي لاقاه طوال سنوات اعتقاله. "إن التوقيع على برقية الشكر هو الاختبار النهائي؛ هو إعلان استسلام كامل، وشهادة بأنني رضيت بكل ما حدث لي." رفض التوقيع، كان هذا التوقيع بمثابة خيانة لكل ما بقي له من كرامة. هذا التوقيع لم يكن مجرد شرط للإفراج، بل كان إعلاناً رمزياً عن سحقه نهائياً، كسر إرادته، وتحويله إلى شخص يتعايش مع فكرة أنه لا يستحق الحياة وعليه شكر الجلاد على قسوته. "لن أشكر من سجنني كل هذه السنوات الطويلة، لن أشكر من سرق عمري وشبابي.. لن أشكر من ضيع أجمل سنوات حياتي." كثيرون بالطبع يوقعوا ليس بالحبر فحسب وإنما بدمائهم ليشكل ذلك تتويجاً أخيراً لانتصار الجهاز القمعي، ودليلًا على عمق المأساة الإنسانية، حيث تُجبر روح الإنسان على المساومة على كرامتها من أجل البقاء. بعد خروجه من السجن، يعود إلى منزل أسرته ليجد أمه قد فارقت الحياة. هذا الفقد، إلى جانب ما خلفته سنوات السجن، يدفعه إلى الانطواء داخل غرفته. يحبس نفسه بين الجدران، لا يغادرها إلا لتلبية حاجاته الأساسية، ثم يعود إلى فراشه، مستلقياً لساعات طويلة، غارقاً في ثقب أسود من الكآبة واليأس. "جبال من الحزن والكآبة تجثم على صدري. حاولت أن أشارك بكل كياني، لكن هناك شيئاً في داخلي يرفض الفرح. يرفض لأنه لا يستطيع، لا يستطيع أن يقفز فوق جدار عالٍ وصلد من الحزن المتراكم طوال هذه السنوات." أرتعب من فكرة الاضطرار إلى مخالطة الناس بحكم العمل أو أي شيء آخر، أريد الابتعاد عنهم أكثر ما يمكن!! الانزواء! أريد أن أكون منسياً ومهملاً منهم. في حضور الناس أحس بالوحشة والغربة، أشعر أن هناك عبئاً ثقيلاً ملقى على كاهلي! أما صديقه نسيم، الذي كسر معه قوقعة الصمت والعزلة الجبرية في المهجع، فكان له مصير مأساوي آخر. بعد سنوات من الصداقة والبوح ومشاركة الأحلام خلف قضبان السجن، يخرج نسيم إلى الحرية لكنه لم يستطع التأقلم مع العالم الخارجي. لم يستطع أن يتجاوز ما مر به، فانتهى به الأمر بإلقاء نفسه من الطابق السادس، هاربًا من حياة فقدت معناها. الكثير من السجناء الذين عاشوا نفس التجربة لم يتمكنوا من الاستمرار؛ البعض فقد عقله، والبعض الآخر لجأ إلى الانتحار. فكيف يمكن لإنسان مرهف الحس أن يتحمل هذا الكم من التنكيل والعذاب؟ "هذا الدمار الكامل والشامل للإنسان، هذا الموت اليومي المعمم، ألا يدفع إلى الجنون، أو إلى أكثر التصرفات والسلوكيات جنوناً وغرابة؟! تتجمع في حلقي بصقة كبيرة... إلى أين أقذفها؟ في وجه من؟" كلمات تلخص ما يعتمل في نفسه من غضب مكتوم، وحزن لا يبارحه، وفقدان لمعنى الحياة. إنها ليست مجرد قصة عن السجن، بل شهادة على الأثر النفسي المدمّر الذي يتركه القهر والظلم على الإنسان حتى بعد أن يُرفع عنه القيد. رغم السواد المطلق الذي يغلف عالم سجن تدمر، إلا أن الرواية تضيء على بعض الجوانب الإنسانية التي ظهرت بين السجناء، حيث تضامنوا وشدّوا أزر بعضهم لتخفيف وطأة هذا العالم الموحش. نشأت بينهم روابط أخوّة فرضتها الظروف القاسية، وكان هناك شباب متطوعون يقدمون أنفسهم لأداء المهام الصعبة، مثل إدخال وجبات الطعام، معرضين أنفسهم لسياط الحراس، أو حتى تلقي العقوبات بدلاً من مريض، أو مسن، أو ضعيف لا يستطيع تحملها. يتقاسم السجناء ما يحصل عليه أيٌّ منهم من طعام أو ملابس، ويساعدون المرضى والعاجزين عن الحركة في الاغتسال وقضاء حاجاتهم، داعمين بعضهم البعض ومتضامين وقت الشدائد ومتجاوزين حتى خلافاتهم الفكرية والعقائدية. "في الحقيقة، أن معاشرتي الطويلة للسجناء في السجن الصحراوي والسجن الجبلي علمتني الكثير من الأشياء، وأهم ما تعلمته منهم هو معنى وأهمية الكرامة والرجولة، وهما شيئان شخصيان لا علاقة لهما بتنظيم أو نظام." لكن حتى هذه اللحظات النبيلة كانت تخضع لاختبار صعب في مواجهة الجوع والقسوة المطلقة. ففي أوقات التجويع المتعمد الذي تفرضه إدارة السجن، يتحول بعض السجناء إلى أشباه وحوش، تدفعهم غريزة البقاء إلى الأنانية والصراع من أجل الطعام. إنها الظروف القاسية التي تدفع الإنسان إلى حدود لا يمكنه تحملها، فتُظهر أسوأ ما فيه. "ما الذي يفقد هؤلاء الناس الحس باللباقة والذوق؟ وبالتالي الكرامة والعزة البشرية؟ هل هو الصراع من أجل البقاء؟" هذا التناقض بين التضامن الإنساني والانحدار إلى أدنى درجات البقاء يجسد عبثية الظروف التي فرضتها إدارة السجن. إنها صورة صادمة تعكس قدرة الإنسان على التمسك بإنسانيته رغم القهر، لكنها تُظهر أيضاً هشاشته أمام قسوة تفوق قدرته على التحمل. يحمل السوريين ذاكرة جمعية ثقيلة، أقسى من ذاكرة الشعوب التي تعرضت للتنكيل أو الإبادة أو العنصرية. إنها ذاكرة الذل والعار والذات المهانة، التي لم تعد تقتصر على أولئك الذين عانوا بشكل مباشر من القهر، بل تسربت إلى الجميع. إنها ذاكرة تنتقل كما يتنقل الهواء، محملة بصرخات الألم والمهانة، صوت يتردد في الصدور، لكنه يظل بلا جواب، لأن رفع الرأس للتساؤل عن مصدره قد يكون بحد ذاته مخاطرة. "أؤمن أن الإنسان لا يموت دفعة واحدة. كلما مات له قريب أو صديق أو أحد معارفه، يموت جزء منه، الجزء الذي كان يحتله هذا القريب أو الصديق في نفسه. ومع الأيام، ومع توالي سلسلة الموت، تكبر المساحة التي يحتلها الموت داخلنا. وأنا أحمل مقبرة كبيرة داخلي. تفتح هذه القبور أبوابها ليلاً، ينظر إليّ نزلاؤها، يحادثونني ويعاتبونني." هذه الرواية ليست مجرد وصف لحالة فردية، بل هي شهادة على وطن تحول إلى مقبرة كبيرة. في كل فرد قبر، وفي كل روح أشباحٌ تجول ليلًا، تلوم وتذكر بما فقدناه جميعًا: كرامتنا، إنسانيتنا، وأحلامنا التي دُفنت قبل أن تولد. إنها حالة من العيش مع الموت، حيث لا تنتهي الحياة فجأة، بل تتآكل أجزاءها قطعة قطعة، حتى تصبح الروح سجينة لأطيافها.
باحث عام
باحث عام
٢٥‏/١‏/٢٠١٧
رواية عجيبه تبين لك إجرام نظام بشار النصيري حيث صنف سجن تدمر من أشد السجون في العالم إضطهادا وظلم وقهر ويتبين لك سياسة هذا النظام الخبيث وما يلاقونه المعتقلين في هذا السجن وستقرأ مايشيب له الرأس
أحمد جابر
أحمد جابر
١٧‏/١٠‏/٢٠١٥
تباً لشريعة الغاب المنتشرة بين البشر !! الظلم و الوحشية و موت الضمير الإنساني !! مقدار الألم في هذه الرواية لا يحتمله بشريّ !! كان الله في عون المظلومين و المساكين ! أبدعت يا مصطفى خليفة
esraa soso
esraa soso
١٨‏/٣‏/٢٠١٤
عتمة عتمة عتمة :( بالرغم من كم الألم إلا أنني ازدت حبأً لعزلتي و "قوقعتي" التي أعيش.