
في الطريق إليهم
تأليف هدية حسين
عن الكتاب
"عند باب المقبرة... مقبرتي.. لمحت رجلاً نحيفاً، لم أتعرف عليه للوهلة الأولى، وحين نطق بصوت كأنه قادم من عصور سحيقة عرفت أنه أبي... أية ريح حملتك إليّ أيها المنسي الضائع منذ زمن بعيد... لا يبدو أن أبي علم بموت صفية، كان هو الآخر موجوعاً... أخبرني أن البلدية شقّت قبل سنوات شوارع في مقبرة النجف فاندثر قبره تحت أحد الشوارع، ومنذ ذلك الحين تاهت روحه ومضت إلى أماكن بعيدة، وأنه التقى أرواح أسلافه، ومرّ بأزمنة غريبة وعجيبة لا يدري كيف عاد منها... ثم استدرك: لا أدري يا بنيتي فربما كنت أحلم. لم أشأ إخباره بموت صفية... أحس أن القضاء يداً يميد بروحي وأن أبي انسحب إلى الوراء ودخل نفقاً طويلاً معتماً، بينما غصت أنا إلى الأسفل ومررت بدروب لولبية قبل أن أجدني. اجتزت البوابة باتجاه النخلتين اللتين لم يبق منهما سوى الجذعين اليابسين، خالية الوفاض من أية ذكريات، لم يتبق لي شيء على الطرف الآخر، ولم يعد لي سوى هذا القبر الذي تهدم وانخسف... صوت الريح يدوّم بين القبور، صوت يشبه نواح الأمهات، فجأة تخلخل شيء ما في روحي واضطرب إذ لمحت حارس المقبرة يخرج عظامي ويلقيها في الكيس الذي يبدو أنه جمع فيه عظاماً أخرى من قبور دارسة... تنشطر روحي وهي تتبعه إلى زاوية مهملة، رمى العظام التي جمعها على عظام أخرى داخل حفرة أعدها مسبقاً، أهال عليها التراب وسوّاها بالأرض. ومنذ تلك اللحظة... لم يعد لي سجل بين الأموات". لم تعد أمل راوية هذه الحكاية في سجل الأحياء، لم يسعفها الحظ بأن تدخل المدرسة وتتعلم لأن الموت اختطفها قبل تحقيق هذه الأمنية "لا شيء مثل الموت يجعل الناس في حال أفضل" هذه حكمة منقوشة على شاهدة قبر ليس ببعيد عن قبرها... وها هي تجيء بعد موتها بأكثر من أربعين سنة لتروي ما حدث، أو بعض ما حدث... أليس من حق الموتى أن يقولوا كلمتهم... إذا كان من حقهم هذا... وإذا كان بمقدروهم ماذا عسانا أن نقرأ في صفحاتهم... إنه خيال الإنسان المترع الذي لا ينثني عن القفز وراء الممكن والمعقول، وراء المرئي والمنظور، وراء عالم الأجساد إلى عالم الأرواح بعد أن جف ما عند هذه الأجساد من نسغ... متطلعاً إلى عالم الأرواح مسترسلاً في إيحاءات عقلية تجعل عالم الأموات رهن العين والعقل. هو ذا عالم "الطريق إليهم" ممتع باستشفافاته التي تبحر في ذاك العالم المجهول؛ عالم الموت.
عن المؤلف

ولدت الروائية هدية حسين في بغداد في عائلة فقيرة تسكن حيا شعبيا لا تزال تعتبره الخزين الأول لكتاباتها. في مدرسة نجيب باشا الابتدائية تعلمت الأحرف الأولى، وأصرت على أن تتفوق على أقرانها لتكسر حاجز الفرو
اقتباسات من الكتاب
لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.
سجّل الدخول لإضافة اقتباسيقرأ أيضاً
المراجعات
💬
لا توجد مراجعات بعد. كن أول من يراجع هذا الكتاب!








