تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب بوذا الضواحي
مجاني
📱 كتاب إلكتروني

بوذا الضواحي

3.9(٣ تقييم)٧ قارئ
عدد الصفحات
٤٠٠
سنة النشر
2007
ISBN
0
التصنيف
فنون
المطالعات
١٬٠١٠

عن الكتاب

"انفتح الباب الأمامي، كان والد هلن، رجل ضخم أسود اللحية، ضخم الذراعين... وعندما شحب وجهي، ولكن من الواضح ليس بما فيه الكفاية لأن "ذي الظهر المشعر" أطلق الكلب الذي كان يمسك به باتجاهي، وهو كلب ضخم من نوع "دان"، انطلق بمهمة نحوي، فاغراً من كمغارة، بدا لي كما لو أن ثلماً قد قطع من دماغه ليشكل منه أصغر الأسنان، المضمخ باللعاب. رفعت ذراعي أمامي بحيث لا يبتر الكلب إحدى يدي، ولا بد أنني بدوت كالسائر في نومه، لكن بما أنني كنت بحاجة الى يدي لأغراض أخرى لم أهتم بشأن هذه الوضعية الباروكية، مع أنني كقاعدة عامة كنت مهووساً بمظهري، وأتصرف كما لو أن العالم برمته ليس لديه ما يفعله سوى مراقبتي ورصد هفواتي في طقس بالغ التعقيد والخصوصية. "لا يمكن أن ترى ابنتي مجدداً"، قال "ذو الظهر المشعر"، "انها لا تخرج مع الفتيان ولا مع الدوغن"، "آه، حسناً"، "أفهمت!"، "أجل"، أجبت بحرد. "لا نريدكم أنتم السود أن تأتوا الى بيتنا". "هل هناك كثر؟". "كثر ماذا أيها الفحمة الصغيرة؟"، "كثر من السود"، "أين؟"، "يأتون الى المنزل"، "لا نحب هذا"، أجابني "أيّاً يكن عدد الزنوج لا نحب ذلك... نحن من أتباع اينوك. إذ ما لمست يدك السوداء ابنتي فسأحطمها بالمطرقة! بالمطرقة!". ثم صفق الباب. تراجعت خطوتين الى الوراء. "ذو الظهر المشعر" اللعين... نظرت الى سيارته الروفر الكبيرة، وقررت أن أفرغ عجلاتها من الهواء. يمكنني فعل ذلك في ثوان،.. وإذا ما خرج لي يمكنني أن أقفز من السياج أسرع مما تقفز قطة من نافذة. كنت بصدد التحرك نحو السيارة حين أدركت أن "ذا الظهر المشعر" تركني برفقة الكلب، الذي كان على بعد ياردات قليلة مني. بدأ يتحرك، جمدت في مكاني زاعماً أنني شجرة أة حجر حتى أدرت ظهري له برشاقة وتقدمت خطوتين، كما لو كنت أمشي على أطراف أصابعي على سطح منزلق. كنت آمل أن تفتح هلن النافذة وتناديني، وتنادي الكلب أيضاً. "آه هلن"، لا بد من أن صوتي الناعم أثار الكلب، إذ شعرت بنوع من الجلبة، تلاها ارتطام جسم غريب بكتفي، أجل كانا مخلبا الكلب." ضمن مشهد روائي يصور الكاتب واقع المجتمع الإنكليزي الزاخر بالتناقضات والذي ما زال يعيش في ترتيب مجتمعه الطبقي بعقلية القرون الوسطى والغابرة. يدفع الروائي بسلسلة أحداثه من خلال بطله المحوري كريم الإنكليزي المولد والنشأة، إلا أنه كما عبّر عن نفسه "نتاج نسل جديد، حصيلة تلاقح تاريخين قديمين" ولعل ذاك الخليط الغريب من القارات والأعراق والأمكنة، من الإنتماء وعدمه، هو ما جعله متقلقلاً وملولاً فكان انعكاس ذلك جلياً على أحداث ومجريات الرواية.

عن المؤلف

حنيف قريشي
حنيف قريشي

حنيف قريشي (ولد 1954 م) كاتب إنكليزي من أصل باكستاني. عرضت أولى مسرحياته في 1976 م بعنوان «تبليل الحرارة» ثم عام 1980 «الأم البلد» التي فاز بجائزة تليفزيون ثايمس المسرحية. في عام 1990 م أصدر قريشي أول

اقتباسات من الكتاب

لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.

سجّل الدخول لإضافة اقتباس

يقرأ أيضاً

غلاف أحببتك أكثر مما ينبغي

أحببتك أكثر مما ينبغي

أثير عبد الله النشمي

غلاف عزازيل

عزازيل

يوسف زيدان

غلاف ذاكرة الجسد

ذاكرة الجسد

أحلام مستغانمي

غلاف تراب الماس

تراب الماس

أحمد مراد

غلاف السجينة

السجينة

مليكة أوفقير

غلاف في ديسمبر تنتهي كل الأحلام

في ديسمبر تنتهي كل الأحلام

أثير عبد الله النشمي

غلاف العطر .. قصة قاتل

العطر .. قصة قاتل

باتريك زوسكيند

المراجعات (٣)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
١٨‏/٦‏/٢٠١٥
تجتمع عائلة كريم أمير في رواية "بوذا الضواحي" للروائي البريطاني الهندي الأصل حنيف قريشي ترجمة الشاعر سامر ابو هواش، دار الجمل، 2007 شأنها شأن جل المهاجرين الهنود، وكل مهاجر من مجتمعات المستعمرات السابقة، على تخوم العواصم والمدن، وفي الغيتوات والضواحي. وتقف على حافة الثقافات الأجنبية الكولونيالية التي تقيم على ارضها، وتحاول اكتساب هويات جديدة لا تلبث ان تفاقم حياتها قلقاً وتهديداً وتوتراً. وإذا كان هارون والد كريم الذي يمثّل الجيل الأول، من المهاجرين الذين جاؤوا عقب الحرب العالمية الثانية، من الهند الى بريطانيا، بقي على رغم زواجه من امرأة انكليزية، يقاوم"الإنكليزي"الذي هو فيه. فإن كريماً نجله الإنكليزي النشأة والمولد، يتوجس هو الآخر، من كل من هو حوله، وتقلقل هذه النظرة المتوجّسة مسار اندماجه في مجتمعه البريطاني، المفترض انه طبيعي أو مألوف بالنسبة إليه. وكريم في بعض اختباراته الحياتية، صنو حنيف قريشي كاتب الرواية، الذي يكتب روايته بضمير المتكلم، ويحوّلها الى ما يشبه السيرة الذاتية، حساس بأقلويته العرقية التي تكشف عنها لُكنته، وسحنته السمراء الداكنة، ومتردد في إقامة العلاقات مع الآخرين. وهو يتحالف ضمنياً مع زميلته في التمثيل الزنجية ترايسي لإخفاء عقد النقص التي يعاني منها مهاجرو العالم الثالث، فيحاولان تقديم شخصيات غير بيضاء على المسرح، لا تكون مثار انتقاد المشاهدين البريطانيي%Ge 6، من خلال تحطيم صورهم النمطية التي اعتادت عليها العقلية البريطانية الاستعمارية، بوصف هؤلاء بأنهم لا عقلانيين وهستيريين ومتعصبين. وإبراز جوانب أخرى من حياة مواطنيهم أكثر ايجابية وجاذبية. بطل الرواية كلف بصورته عن نفسه وصورة الآخرين عنه، وهو يحاول ان يستخلص هوية واحدة متماسكة من بين هويات متعددة ومتصدعة، تفترضها ارضية الصراع على البلد المختلف والحضارة المتباينة. كان من المفترض ان يكون إنكليزياً بحكم تربيته، وصلته بأمه البريطانية. لكنه كان في نظر الإنكليز دائماً زنجياً، أو ملوناً، أو"باكي"أي باكستاني بالمعنى العنصري للعبارة المتداولة بين البريطانيين. التواصل مع محيطه منقطع او مشوش، على رغم انه يحاول ان يصطنع آصرة ما، مع بعض البريطانيين اليساريين ? والكاتب قريشي هو الآخر احد الناشطين السياسيين في بريطانيا ? فينخرط بطله كريم بدرجة محدودة في النشاط السياسي والطبقي، من غير ان يحقق فائدة مرجوة. بيد ان كريماً أو حنيفاً وهو الواقف على حدود العِرق والتاريخ واللغة، بإمكانه ان يستوعب ضروب الاختلاف والتباين بين حضارة القوي، حضارة المركز المتبوع، وحضارة الضعيف التابع. وهو الأقدر على اكتشاف المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية بعد الحرب الكونية، التي عاشتها بريطانيا، خصوصاً بعد الستينات، وما شهدته من ارتقاء أفكار التحرر، والتطور الفني والموسيقي، وظهور الحركات الهيبية. وتصدّر الإعلام والدعاية موقع النفوذ الاجتماعي والمادي. وما أفرزته من أمراض نفسية، مثل النفاق الاجتماعي، والفجور الجنسي البهيمي والإدمان، والعنصرية، والسعي المحموم وراء الشهرة والبذخ، والتباهي الاستعراضي بالمكانة الاجتماعية، وتفكك أواصر العائلة. وإفضاء كل ذلك الى بروز فردية متضخمة، وعزلة قاتلة، جعلت شانغيز الباكستاني يقول يوماً:"كل شخص يُترك ليتعفن وحده، ولا أحد يحمل احداً حين يقع. هذا النظام الصناعي هنا قاس جداً، ولهذا السبب أسقط". أغلال التاريخ الكولونيالي لم يكن التمثيل بالنسبة الى بطل"بوذا الضواحي"في شكل أو آخر، طريقاً لبلوغ الشهرة فحسب، أو وليد موهبة، أو مجالاً للتسلية أو الإثارة أو الترفيه. إنما كان الى ذلك، ضرباً من ضروب"البسيكودراما". ضرباً من العلاج النفسي لشخصية تقيّدها أغلال التاريخ الكولونيالي، والأصول المطعون فيها، والهويات المهمّشة. لذلك كان كريم يختار دائماً دور الهندي، ساعياً الى بناء صورته التي تلائم بين واقعه البريطاني المعيوش، والمتخيّل الهندي الذي يحمل رواسبه من أبيه. صورة تسترد، أو ترمم نصفه المفقود. فهو نصف إنكليزي ونصف هندي. وهو في هذا الاختيار، ينزل عند نصيحة المخرج المسرحي بايك:"لكي تجعل ذاتك المصطنعة حقيقية، عليك ان تسرق ذلك من ذاتك الأصلية". وعلى رغم ان كريماً هو من مهاجري الجيل الثاني، ويغرق كما تصوره الرواية، في فضاء المجتمع اللندني، مشبعاً بثقافتها ورواياتها ولغته وإيقاعاتها وفنونها وروائحها ومذاق أطعمتها حتى النخاع، فإنه لا ينفك يتلجلج في إشكاليته الحضارية العميقة: فهو جزء من إنكلترا، ومع ذلك يقف خارجها. وعليه أن يقرر في كل لحظة، ان يكون هنا او هناك. وهذه إشكالية روائية سبق ان قاربها روائيون عرب، مثل الطيب صالح، وسهيل ادريس، وتوفيق الحكيم وسواهم، في وقت مبكر. إلا ان أبطالهم أقرب الى أن يكونوا ضيوفاً على الغرب، أو طلاب علم عابرين، أو في أحسن الأحوال، يشبهون مهاجري الجيل الأول، في رواية"بوذا الضواحي". مثل: هارون والد كريم وأنور، اللذين لم يعربا عن رغبتهما مرة واحدة بالعودة الى موطنهما الأصلي. إلا أنهما كانا يعودان"داخلياً"الى الهند. وظلّت الأمكنة وأسماء الشوارع غريبة عليهما، وكثيراً ما كان ينساها هارون، على رغم مكوثه المديد في بريطانيا. وهذا النسيان يُحسب من العوارض اللاواعية المعبّرة عن رفض صاحبها الإقامة في هذا البلاد. بل كان عمل هارون الأب بوذا الضواحي في أمسياته"اليوغية"أو محاضراته بين أصدقائه الإنكليز عن الفلسفة الشرقية، محاولة للتشبث باعتزاز بجانب من جوانب تراثه القومي اللاديني وماضيه الحضاري من طرف، ومن طرف آخر، طريقة من طرق التعويض النفسي، من خلال السيطرة المعنوية، والهيمنة الروحية على هؤلاء الإنكليز الذين كان"يأمرهم"بممارسة بعض وضعيات اليوغا، وحالات أخرى من التأمل والاسترخاء."يأمرهم"بأن يستلقوا على ظهورهم، أو يباعدوا أرجلهم، أو يرفعوا أذرعهم، أو يرخوا أعضاءهم على نحو خاص. وإن كان هذا الانجذاب الى الصوفية الهندية يعبّر عند هؤلاء الإنكليز عن خواء روحي، وعن فراغهم الداخلي، كما يدعي هارون، إلا انها فرصة سانحة لهذا"البوذي"ثقافة، والمسلم ديناً، ليتزعم هؤلاء الحاضرين بوصفه حكيماً من الحكماء، وقائداً روحياً ملهماً. وهذا البوذي المسلم لم تُجدِهِ حكمته نفعاً، حين تأرجحت حياته، بين مارغريت وإيفا. بين الزوجة والعشيقة. بين الواجب والمتعة. وقد وصل أخيراً الى قناعة، بأن ظهور المعنى قد يحتاج الى سنوات، وفي هذه الأثناء عليه ان يعيش حاضره، ويستمتع بالسماء والأشجار والأزهار ومذاق الطعام الطيب. وهارون هذا الذي يدّعي ما يدّعيه، لجمه بعض إسلامه الملتبس والمترسب والغامض، من ان يتناول لفترة طويلة من حياته لحم الخنزير، لكنه حين اختبر طعمه، ذات مرة، هرع الى الحمام وغسل فمه، صارخاً بأنه سيحترق في نار جهنم! تطرّز المفارقات الطريفة، والمواقف الفكاهية والمشاهد الكوميدية، والأوصاف الهزلية رواية حنيف قريشي، وبحسه الروائي التهكمي الساخر يعرّي الكاتب المجتمع البريطاني، من كل ما يستر قباحاته وبذخه وخوائه. كذلك يصف بأسلوبه الطريف عبثية الحياة، في لحظات عدة، من حياة هؤلاء المهاجرين المقتلعين الذين تحيط بهم القسوة والازدراء والمرارة، من كل جانب. والذين لا يحسنون التصرف أو السلوك. أبطال"بوذا الضواحي"أقرب الى ان يكونوا متسكعين، يعيشون حالة من الاضطراب والقلق الوجودي، والبحث عن التجارب الحياتية والجسدية المثيرة، والرفاق الحقيقيين والوهميين. حالة من الهجرة الباطنية الدائمة. حيث المهاجر الحقيقي، كما يقول شادويل في الرواية:"هو الإنسان العادي في القرن العشرين"أي الإنسان المتحوّل المتغيّر، البحث عن انتماء غير ثابت. أبطال يتواصلون ويتقاطعون مع بعضهم، ويقعون أحياناً ضحايا طموحاتهم وإخفاقاتهم وأوهامهم، أو ضحايا قناعاتهم الراسخة كما حصل مع أنور الذي قضى بسبب تشبثه بالتقاليد الذكورية الشرقية، وخيبته بالحصول على حفيد له. والروائي حنيف قريشي يستعيد من خلال الوصف الدقيق لأحياء لندن وضواحيها الشعبية المهمشة، وخليطها الثقافي والحضاري الذي يمثّله الوافدون والمهاجرون، وغموضها وكوابيسها وابتذالها، ومن خلال ابطاله المثليين والعصابيين والفرديين، دور العائلة المهاجرة، وعلاقة المهاجر ببلده ومنفاه الاختياري، وماهية الزواج، وفكرة الأبوة والأمومة، والنظر الى الجنس، والنفس والجسد. ويصف قريشي، السلوكية العنصرية الاستعدائية للجالية الهندية المسلمة عند بعض البريطانيين، من خلال حركات وتصرفات تحقيرية إزاءها، مثل الشتم والبصاق والتبويل والتغوّط وإضرام النار، وسوى ذلك من حركات وإشارات مبتذلة وفاحشة. وتنقل الرواية رُهاب البعض ممن يخشى، حتى لمس أمتعة افراد هذه الجالية، حيث ترفض هيلين ان تفتح حقيبة شانغيز صهر أنور، كي لا يلسعها البعوض في الحقيبة وتصاب بالملاريا. وطريقة التعامل الاستعلائي هذه، تدل بوضوح على ازدراء لكل ما هو مختلف ومهمّش. وكل ما هو منبوذ في نظر أبناء الحضارة المهيمنة. بيد ان حنيف قريشي في روايته هذه، لا يكتب سردية هجائية ضد الغرب ما بعد الكولونيالي، أو رثاء الذات العالمثالثية، وإنما يحاول بناء نص سردي تنصهر فيه، وإن عبر مسار معقّد، تجارب جماعية مشتركة، بكل احتكاكاتها وتقاطعاتها الثقافية والاجتماعية، لا تنفصل فيها مشكلة الغرب عن الشرق.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
١٨‏/٦‏/٢٠١٥
يطالعنا في الصفحة الأولى من رواية " بوذا الضواحي " لحنيف قريشي قول كريم بطل الرواية واصفا حياته مع عائلته في الضواحي : " لأن حياتنا عائلية كانت – لسبب أجهله – بالغة البطء والكآبة والثقل ، كان ذلك يحبطني ، وكنت مستعدا لفعل أي شيء .. ثم ذات يوم ، تغير كل شيء ، كانت الأمور مستقرة في الصباح على حال ، وانعطفت ليلا في اتجاه آخر " ..     رغم تشظيات الهوية المفقودة التي لم تلتئم جراحاتها في قلب شخصيات حنيف قريشي ، ورغم صراعات اللون واللغة والبقعة المكانية ؛ إلا أن كل ذلك لم يمنع في أن تتشبث شخصياته بالحياة ، نجد في معظم رواياته رغبة متدفقة بالعيش ، ولعل رواية " بوذا الضواحي " من أكثر روايات قريشي التي تسترسل في إرساء هذه الفكرة في كل الشخصيات المعروضة ، الرواية غنية بشخصيات متعددة ومن هويات مختلفة ، استطاع قريشي أن يمد جسور التواصل بين كل منها بحذاقة لا يشعر من خلالها القارئ السلسلة الافتراضية ، التي مدت بين كل منها لتشكل بذلك اكتمالا للآخر .. وأكثر ما تتميز به شخوصه هي حالات الفوضى والتي ينشأ منها حيوات عدة ؛ نتيجة لرغبتها في تجريب الحياة على أكثر من وجه وحتى آخر رمق ، ذاك التوق الفضولي لاختبار كل شيء مهما كانت ضآلته ، كما جاء على لسان كريم وهو يصف تشارلي : " كان لديه توق شديد للعيش .. أحيانا كنت أنهض صباحا وأجده في المطبخ ، يأكل بنهم ، كما لو أنه غير واثق من أنه سيحصل على وجبته الثانية ، كما لو أن كل يوم هو مغامرة يمكن أن تنتهي في أي مكان ثم يرحل " .. وكل ذلك يحمل تقديسا عظيما للزمن ، فرغم حالات الضياع التي كانت تعتصر معظم الشخصيات إلا أن حس الزمني كان يقظا ، ليتوالد منها أزمنة متعددة ، قول كريم في مطلع الفصل العاشر من الرواية : " تسارعت الأحداث خلال ذلك الصيف في حياتي وحياة تشارلي : هو حقق قفزات كبرى ؛ وحققت قفزات أصغر ، إنها مهمة .." ، لنجد أن توليفة المكان هو أكبر دافع لها للتطلع إلى حيوات أخرى أكثر حياة ، أعمق امتلاء ً ، فمن حياة رتيبة في الضواحي إلى قلب المدينة حيث تدب الفوضى على أصولها وبجرعات كبيرة ..  ولا تبغي تلك الشخصيات الحياة وحدها بل تطمح إلى حياة مذهلة ، فإيفا المرأة التي تعثرت حياتها الماضية مع زوج لم يحسن معاملتها وغادرها إلى مشفى الأمراض العقلية وتاركا إياها مع ابنها تشارلي ، لكن ايفا تستعيد حياتها مع أمير والد كريم الذي جاء لندن للدراسة ومذ يومها لم ير الهند بأم عينيه أضحت له ماضيا لا علاقة له به ، ولم يكتف بذلك فبعد عشقه لإيفا يترك زوجته وابنيه من أجل هذا الحب الجديد .. وتعترف إيفا في خضم الحب الذي تعيشه مع عاشقها قائلة  : " أنا استحق هذه الحياة " ..  وحين يترك أمير الضواحي منتقلا مع إيفا إلى لندن نجد أن بوذيته ماتزال تتمظهر : " إيفا ، ألا تفهمين أمرا واحدا بسيطا ؟ عليهم التخلي عن عقلانيتهم ، عن التفكير الدائم بكل شيء ، إنهم مهووسون بالسيطرة ، لكن فقط حين ندع الحياة تمضي ونسمح لحكمتنا الداخلية بأن تزهر ، نبدأ بالعيش حقا .."  نزعات الفوضى كانت مبررا أمام تلك الشخوص ؛ كي تستأنس بقسط من الحياة على طريقتها ، فلا تجد عندها ما يسمى بتأنيب الضمير أو مرحلة إعادة نظر بل تمضي قدما وبحماسة مفرطة ، لتكشف أن حتى إخفاقها في الحب لا توجد قوة يلجمها فشانغيز ، الذي جاء من الهند ليتزوج من جميلة ابنة أنور ، حين ترفضه الأخرى كزوج رغم توق شانغيز لها ، نراه كي يجاري الحياة في لندن ، يستعين بشينكو المرأة اليابانية التي تكون دميته لتجريب أوضاع جنسية متعددة كما قرأ عنها ؛ ليحلم بتطبيقها مع زوجته التي تظل على رفضها له إلى ما لا نهاية .. ! كما تتميز شخوصه بأنها تنال على كل ما ترغب به أهواءها ، فكل فكرة في العقل هي بمثابة حقيقة يباشرونها بكل أريحية دون أي ضوابط أو قوانين ؛ لأن الهوى هو الذي يقودهم خلفه ، وأدعى مثال على ذلك مارلين زوجة بايك المخرج المسرحي المعروف يقدم زوجته هدية لكريم ؛ لأنها رغبت به .. ومن جانب آخر كريم نفسه كان ثنائي الرغبة يرغب في كلا الجنسين ، وكذلك تشارلي ، وجميلة التي حين فرغت من الرجال وجدت في النهاية حبها الحقيقي مع جوانا ليشكل شذوذا بحد ذاته معترفة بذلك أمام زوجها شانغيز : " لم أحب أحدا بهذا القدر منذ زمن بعيد ، أنا واثقة من أنك تعرف كيف هو الأمر ، تلتقي أحدهم وترغب بأن تكون معه ، وبأن تعرفه بعمق أكبر ، إنه الشغف ، على ما افترض ، وهذا رائع " ..  بعض الروايات حين تغلبها شخصيات مليئة بالحياة ، يكون الموت هو الحل لإسكات الشبق المتأصل فيها ، لكن رواية قريشي رغم شخوصها المكثفة بالحياة لم يضخ الموت ليضع حدا لها ، بل على العكس جعلها تتماهى في فوضاها ، لتنجب من فوضاها تلك مرادها من الحياة ، دون أن يغدو الماضي بترسباته ثقلا ذا شأن ، دون أن تتحكم المشاعر في إيقاف ما هو ماض في دربها ، فحين مات أنور الرجل الذي كان رفيقا لأمير ، تركا هند خلفهما ليدرسا ، وقد مرا ّ بمعظم التجارب مع بعضهما ، رغم ذلك حين تعرض أنور لأزمة في الرواية وفارق الحياة على إثرها ؛ لم يخلف هذا الحادث أدنى تأثير في نفس أمير على اعتبار أنه ماض مضى في سبيله ، فهنالك حياة أخرى بانتظاره ولا مجال للتفكير ، فالزمن هذا السيد الفعلي لكل المعجزات ما يزال يردد هلّم بنا .. حيوات مجنونة بجنون الشخصيات وضعها قريشي في سطور روايته المليئة بفوضى الحياة ولعلها المأرب الوحيد لتجنب حالات الضياع والهوية والرتابة والشذوذ وسعار الشبق.. وليكون العمق في الحياة هو ما تفتقده حقا ، وهذا ما يعلنه كريم في آخر الرواية : " ربما في المستقبل سأعيش بعمق أكبر " ..
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
١٨‏/٦‏/٢٠١٥
يُعدّ حنيف قريشي من الكتاب البارزين في بريطانيا، لكن اسمه ما زال غريباً على القارئ العربي. وقد باشرت “دار ورد” الدمشقية تعريب أعمال صاحب «الجسد»، الباحث الأبدي عن هويّة مفقودة أمل الأندري حين سئل غابرييل غارسيا ماركيز عن الفارق بين الكتابة والحياة، أجاب بأن الكتابة نقل شاعري للواقع. أما البريطاني حنيف قريشي الذي وصف بواقعية فجّة حياة المهاجرين، فيرى أن أجمل ما في الكتابة أنه “يمكنك تجريب هويات مختلفة”. ليس الامر غريباً بالنسبة الى كاتب مثّلت الهوية مبرّر وجوده الأدبي برمته، ابتداءً من المسرح فسيناريو الأفلام وانتهاء بالرواية. في سيرة قريشي، المولود في جنوب بريطانيا (1954) من أم انكليزية وأب باكستاني، ما يفسر حضور الهوية الدائم في أعماله. توجّه الشاب ذو السحنة الداكنة التي يستعيدها في معظم اعماله، الى دراسة الفلسفة، وكان يكتب القصص الإباحية باسم مستعار. فإذا به بعد رحلة صاخبة يستحيل إلى ظاهرة أدبية، مكتسباً موقع “الكاتب المقيم” في مسرح البلاط الملكي في لندن. كتب قريشي سلسلة مسرحيات، قبل أن يعرف أولى المحطات في طريقه الى الشهرة مع مسرحية “ضواحي” (1981) التي فازت بجائزة “وايتبريد” ولم تختلف عن سابقاتها في التمحور حول اشكالية البحث الدائم عن هوية مفقودة في ضواحي لندن. لكن قريشي وصل الى الجمهور الواسع عن طريق السينما. هكذا لقي فيلم “مغسلتي الجميلة” My Beautiful Laundrette (1985) نجاحاً كبيراً، بسبب أسلوبه الساخر في %AxNاول قصة مهاجر باكستاني يفتح دكاناً لغسل الملابس مع عشيقه المثلي الأبيض. استُقبل الفيلم بحفاوة من قبل النقاد، وأثار ضجّة عارمة بعد احتجاج جزء من الجالية الباكستانية على طريقة تصويرها بهذه الطريقة “المنحلة”. يرفض “الباكستاني التائه” اعتقاله في خانة إثنيّة. تجربته الأدبية قائمة على الغوص في قاع المدينة، والمضي الى الهامش لرصد ملامح حياة قاسية تنغلق عليها ضواحي لندن: حياة عنوانها البؤس والانحلال. ولعلّ قريشي أبرز الكتاب الذين تطرقوا الى هذا الواقع، فاضحاً “عنصرية” بريطانيا الثمانينيات، القائمة على نبذ الآخر. وكل ذلك سيجعل منه “نجماً أدبياً”، ومرجعاً يستند اليه مجتمع كامل في محاولة استعادة الأفق المتسامح الذي طالما اشتهر به. لم يقتصر نشاط حنيف قريشي الابداعي على كتابة السيناريو والمسرح... بل لعله اتخذ من “ازدواج الهوية” حافزاً لتنوّع خياراته الابداعية. خاض تجربة القصة والرواية، فجاءت "بوذا الضواحي” (1990) لتمثّل نوعاً من السيرة الذاتية وصارت من الكلاسيكيات التي تدرّس في الثانويات البريطانية. تصوير عنصرية بريطانيا وحياة المهاجرين القاسية... من العوامل التي جعلت قريشي يحتل مكانة في المشهد الثقافي البريطاني، كان قد سبقه إليها كاتب بريطاني آخر، من أصول هندية... ليس الا سلمان رشدي. لكن صاحب “الآيات شيطانية” ذهب في الفضيحة أبعد منه، فصار نجماً عالمياً منذ سنوات طويلة، فيما قريشي يدق اليوم أبواب العالم العربي للمرّة الأولى. فكيف سيتلقّف قرّاء الضاد أعماله؟ الكلمة والقنبلة عقب تفجيرات لندن عام 2005، أصدر قريشي كتاباً بعنوان “الكلمة والقنبلة”. وجاء في صحيفة الـ “غارديان”: “يتمتّع قريشي بقدرة على فهم التركيبة المعقدة للهوية الاسلامية المعاصرة في بريطانيا. عندما تبيّن أن المتّهمين في التفجيرات بريطانيون من أصل مهاجر، حوصرت الجالية التي ينحدرون منها بنظرة تخوين. الا أنّ قريشي جاء ليشرّح الاسباب، فهو يعرف حجم معاناة الجيل الأول من المهاجرين وضياع الجيل الثاني. وقصصه علاج مضاد، في الموقع النقيض لخطاب المحافظين الداعين الى الاعتراف بالجميل تجاه تسامحهم كل هذه السنين! قريشي يفهم كيف يمكن أن يؤدي الضياع بشاب مسلم في بريطانيا الى البحث عن خلاصه في الاصولية، لكنه يرفض هذا الخيار: “الخوف من تعقيدات الحياة ــ يقول ــ ليس عذراً لاعتناق ثقافة الموت”.