
المكتباتي
تأليف شكري الميدي
عن الكتاب
لم تمر سنواته بسلاسة، هكذا أكد خلال جلستنا داخل مكتبته الخاصة شمالي بنغازي، كان الوقت يشير الى منتصف الليل، جالسين بين الأرفف الثقيلة، الكتب تبدو بأغلفتها تحت الأضواء الخافتة كحرس ديكتاتوري، فيما أخذ البحر يهدر من وراء عتمة الهدوء. كان يعيد ترتيب قطع حياته منذ ولادته الأولى. تحت الضوء الخافت. كان حديثنا. المجلدات صامتة، بأغلفتها الجلدية ذات الأحرف المذهبة التي تتراقص فيها الأضواء المنسابة من الطريق عبر نافذة المكتبة أو من المصباح المتدلي من السقف الرطب للممر الجانبي الذي يقود إلى صالة القراءة، رقصات الضوء ناعمة.
اقتباسات من الكتاب
نوفمبر 1911 – طرابلس الغرب من بين أقدام التجار، رواد السوق والمارة الطرابلسيين، انطلق طفلان يركضان بابتهاج، ضحكاتهما تسبق جسديهما الصغيرين، من ورائهما، صدى تلك الضحكات تصطدم بالأواني الفضية والنحاسية، لتنزلق كبتلات الأزهار الصباحية على الأقمشة الفارسية المزينة بالقصص العجيبة عن العشق والملونة بابتسامات الرضا على وجوه المسنين الجالسين أمام محالهم بكسل لذيذ، يقرؤون الأوردة ودلائل الخيرات بانتظار الرزق الحلال، بحيث تبدو كأنها تخط رزنامة أيامهم البطيئة في تلك التجاعيد المكتظة، لا تنفرج إلا بضحكاتهما اليومية وهما يركضان إلى مكتبة التقسيم الأول الصغيرة ضمن نهاية إحدى الأزقة، وهما يطرقان أقدامهما الصغيرة على الأرضية الطينية الصلبة التي تغدو أثناء فترات المطر أوحالاً لا تستطيع حتى العربات التي تجرها الخيول من تخطيها إلا بصعوبة، إنما كل صباح من تلك الأصباح الطرابلسية، كانا يستمتعان بالركض بين الأزقة غير مباليين، بالمطر أو بالأوحال، لا يفوتان يوماً من دون زيارة العجوز المالطية صاحبة المكتبة الجالسة للأبد في زاوية شبه معتمة، محدقة في فراغ حياتها، يسلمان عليها، يقبلان يدها اليمنى كأنها إحدى حاكمات مدينة طرابلس الواقفة بعنجهية واضحة أمام المتوسط، ثم يقدمان لها، قطع الخبز الساخنة التي تم أعدادها جيداً في أفران إحدى البيوت، تبتسم المالطية وهي تدعو لهما بالبركات الدائمة، عينيها تسيلان دموعاً شفافة سرعان ما تتحول للعتمة، دائماً ما تفعل ذلك أثناء لحظات هدوئها التام. يعرفان بأنها تحلم بالمسن المالطي الذي مات قبل سنة كاملة، أثناء عتمة الكسوف الشمسي. كان أكثر منها حباً لهما، يحتضنهما كأنهما حفيديه الفعليين، يقدم لهما الحلوى والمعجنات الشرقية التي كان يحتفظ بها دوماً في جراره الكثيرة بالقرب من أرفف الكتب الممتدة. إنما المالطية المسنة، ظلتْ وحيدة، لا تفعل إلا التفكير العميق، ذات مرة سمعاها تغني طلباً للموت، أغاني حزينة. آنذاك قررا أن يأتيا إليها كل صباح بالطعام والشراب، يجلسان معها، طوال اليوم بعد دوام المدرسي أما في فترات العطل كان يقضيان معها طوال اليوم حتى غروب الشمس، حين يلتحق بهما بركة ابن حارس القنصلية، بحثاً عنهما. قبل الغروب بقليل، قالت إليزا: “والدي وجد كتاباً قديماً عن طرابلس، كتبته الانجليزية مثلي”. “حقاً؟ أهو ممتع”. سأل سلام وهو يركل الحجارة. “آه ممتع وفريد، تمنيتُ أن أصبح يوماً ما كاتبة، لكنني لا أحب تلك الكتب القديمة المهملة، إنها تجعلنا نبدو أكثر قدماً”. قالت إليزا بخيبة وهي تلتفت إلى سلام. “الكتب المهملة في المكتبات، تغدو ممتعة أكثر بمرور الزمن –قال سلام ثم أضاف– هذا ما أخبرني به المالطي ذات مرة، أمر لن نفهمه إلا حين نكبر”. “بضبط –قالت إليزا– لا أعرف ما تفكر فيه أنت، أنا لا أريد أن أكبر”. قالت هذا وهي تستند على احدى الجدران الطينية للمكتبة، شعرها الأحمر الايرلندي جعلها تتماهى مع الغروب الهادئ الزاحف من الأفق باتجاه المدنية المسالمة. كان سلام ينظر إليها باهتمام، بدتْ له لطيفة كطيف طفلة المالطي التي حلم بها ثم قال: “لا يمكننا أن نكبر إذن”. “أنا لا أريد –قالت إليزا ثم ضربته على كتفه وأكدتْ– لا أريد”. كانت تكشر عن أسنانها اللبنية الناصعة، لم تؤلمه الضربة، لذا ضحك قائلاً: “نبقى صغاراً إلى الأبد”. ضحكا معاً ثم أمسكته من يده إلى داخل أعماق المكتبة التي أخذتْ تعتم على نحو كثيف، جلسا عند احدى الأرفف ثم شرعا يستمعان للعجوز المالطية الهادئة التي بدأت تغني وتردد أغاني مالطية حزينة عن الوحدة، حين همستْ له إليزا: “إنها تغني له”. تلاقينا طفلين، رمال الشاطئ ناصعة ركضنا ضاحكين، ليتنا بقينا طفلين استمعا بإرهاف ثم قالت مبتسمة: “نسيتْ وجودنا”. “لم تنسى، إنها لم تعد ترى أحداً منذ مات الجد جورجيوس”. “أنت تعرف”. “نعم، أظنها محزنة، تعرفين أيضاً تلك القصائد”. “نعم، إنها جميلة”. “إنها جميلة، لكنها محزنة”. “محزنة”. كانا جاثمين بين الكتب الثقيلة التي لم تُحرك منذ زمن، رائحة عتيقة تتلاشى ثم تزداد قوة، كأن هناك أرواحاً تحف حول المكان، تعيد ترتيبه باستمرار. قبل سنوات قليلة كمن لوحده ليلاً، بحثاً عن مجلد قديم لأجل المسن المالطي، الذي وهنت عيناه، في تلك الليلة أحس بأن هناك شخصاً يراقبه، كان آنذاك يعرف بأن المالطي المسن خارج المكتبة مع زوجته، يتسامران بأحاديث الطفولة، حين التفت شاهد فتاة بملابس ناصعة – يتذكر هذه الحادثة جيداً – أحس بسببها بالدفء، أخذتْ تغني بهدوء كأنها لا تشعر بوجوده، لم يُدرك جيداً ما حدث أمامه، ثم عرف بأنها شبح لكنه لم يخف، حين خرج بصمتْ، بعدها حاول إخبار المسن بما شاهد، لكنه فضل الصمتْ، هل كان في الثامنة؟ بعدها بسنوات قليلة، حين توفي المسن شاهده هو الآخر ضمن أحلامه برفقة تلك الفتاة التي لم يرها مرة أخرى طوال سنوات حياته الأولى. كانا مبتهجين معاً، في الحلم أخبره المسن قائلاً: “أنظر يا سلام –قال وهو يشير للفتاة التي كانت بذات الملامح الشاحبة والملابس الناصعة إنها ابنتي، أليست صغيرتي جميلة؟”. كانتْ جميلة، جمالها بلا حدود، مهيبة. حين كان كامناً مع إليزا مع دفقات الأغاني، تطلع إلى إليزا بهدوء فأحس بالدفء المفاجئ، لم يعرف لما لكنه مد يده إلى خصلات الحمراء المنسابة أمام وجهها ثم أزاحها بهدوء، كانت إليزا تتطلع بعينين ليستا كعينيها، مليئتين باللطف والدموع. ركضنا ضاحكين ليتنا بقينا طفلين استمعا للأغنية، كانت إليزا تزداد لطفاً، المكتبة تزداد عتمة، دموع عينيها تزداد لمعاناً، حين انسابت خيوطاً نقية، لم تمسح دموعها ولا حتى ابتسامتها اللطيفة. حين قالت إليزا اللطيفة لسلام: “حلمتُ بأنني كبرتْ –تطلعتْ إليه مضيفة– كبرتُ وصرتُ مثل العجوز المالطية”. عندها تطلع إليها سلام، أراد أن يخبرها بأنه أيضاً حلم بفتاة غير موجودة، ابنة المالطي، وإنها مجرد أحلام تخيفنا لأنها كذلك، لكنه فضل الصمتْ والتطلع إليها مزيحاً خصلات شعرها الأصهب بين المجلدات المعتمة داخل المكتبة التي بدتْ عالما غامقاً ثقيلاً يجثم هناك في طيات العتمة كالطيف، مراقباً كل شيء في الكون، أقل دقائق الحياة في المدينة، كأنها نابعة من تلك المكتبة من بين صفحات تلك المجلدات المرتبة على نحو لا يكمن فهمه. حين يعيد التفكير حولها. بعد سنوات طويلة من الوحدة، وجد الأمر غريباً. كأنها كانت مرتبة على نحو عشوائي، إنما لا يزال يتذكر نظامها البسيط، الهادئ، لو دعتْ الضرورة لأن يعيد ترتيبها، لأعادها بضبط كما كانتْ، الكتب المنتصبة، الكتب المضطجعة، تلك المهملة، تلك التي عليها طبقات الغبار بذات الألوان المعتمة، البنية، الوردية. “أتعرف؟ –تساءلتْ إليزا ببهجة مفاجئة ثم أعلنت مقترحة– لم لا نكون طفلين كما كانا”. ثم أشارتْ إلى المالطية الجالسة بهدوء على كرسي مغطى بالأقمشة، كان اقتراحاً وافق عليه سلام بهزة بدتْ بلهاء من رأسه، ابتسمت ثم قامتْ باتجاه المالطية التي كفتْ عن الغناء، بدت مستسلمة للنوم، حين اقتربا منها انتبهتْ ثم نادتْ باسم زوجها–جورجيوس. “نحن جدتي”. قالتْ إليزا وهي تمسك بيدها. غمغمتْ المسنة بكلمات غير مفهومة، لكنها توحي بخيبة أملها قبل أن تتماسك. “جدتي –قال إليزا بنبرة هادئة– كيف كنتما أنت والجد، حين كنتما صغيرين”. تطلعتْ المسنة المالطية نحو الفراغ، ثم ابتسمتْ: “هل سمعتِ الأغنية –حين أجابتها إليزا بالإيجاب قالت–: إنه زمن بعيد يا ابنتي، بعيد”. “كنتِ تغنين عنه”. هزتْ رأسها بهدوء. “نود أن نعرف، جدتي”. جلستْ بالقرب منها، فيما ظل سلام واقفاً على مبعدة مستنداً على الرف. “كنا صغاراً –قالت المسنة– أنا وهو مع أطفال آخرين، مثلكما تماماً، بأعين مشرقة، أهالينا لا حديث لهما إلا عن الحروب، في حين كنا نخرج راكضين إلى السهوب، الأزقة، الشواطئ ذات الرمال الناعمة، نختبئ بين الأحراش، المزارع، لا أعرف لأي سبب، لكنني كنت أمسك بيد جورجيوس الصغير– جورجي من دون الآخرين، كان أصغر الجميع، حتى إنه أصغر مني جسدياً، كما كان أصغر مني بأربعة أشهر. كنت أدافع عنه ضد الآخرين، الصبية الذين يتحرشون بنا، كنت دوماً أدافع عنه حين أتذكر الآن، لا أرى إلا عينيه الصغيرتين الغاضبتين”. “في احدى المرات –ابتسمتْ المالطية ثم قالتْ مضيفة– أوقفنا صبي تركي، ابن أحد الضباط، كان جميع من في المدينة يتجنب الاحتكاك به، الكبار قبل الصغار، كان شقياً بدأ يضايقني –تزداد ابتسامتها المليئة بالإيمان، حين أضافتْ بلغتها التركية الهادئة– عندها تدخل جورجي، اشتبكا بقوة أمامي حتى تلك اللحظة لم أره يقاتل أحداً، في مشاجرته الأولى تورط مع أكثر صبي مزعج في الأحياء بسببي، لأجلي. كان محباً للكتب مثل والده، لا يفهم إلا في القصص العشق الفارسية، لا يتحدث إلا عن والده ووالدته عن الرحلات التي سيقوم بها حين يكبر. في ذلك اليوم كان شخصاً آخر، ألقى بالفتي التركي أرضاً أمام بهجة جميع صبية الحي، عرباً وأتراكاً، انجليزاً، مالطيين، يونانيين، جميعنا كنا مبتهجين من يومها أحسست بارتباط عميق به، لم نفترق من يومها قط، حين بلغنا العشرين معاً تزوجنا”. كانت ابتسامتها تبدو مشرقة، كأنها نفضتْ عنها الأحزان أو إن ما لم تتحدث عنه أكثر من كل تلك القصص التي يمكن تخيلها، قبلها بسنوات حكا له المالطي عن أحلام طفولته، السفر بعيداً إلى حيث الأمم المختلفة في أحراش أفريقيا، أخبره عن الرحالة الأوروبيين، العرب، اليونانيين القدماء، تلك القصص التي سمعها منه عن الطفل المالطي الذي عبر الصحراء، بحثاً عن الممالك السرية، الطفل الذي يتحدث لغة السلطانات المجهولة، يقتاد الجيوش، يجلس في خيام القادة الألمان، البلجيك والفرنسيس والإنكليز، يتحدث عن السير الذاتية لفرسان مالطا الذين حكموا طرابلس قبل قرون طويلة وأعينهم على أعماق المجهولة لليبيا، الممالك الضائعة التي كانت تنافس روما بهاء وروعة، كان الطفل المالطي لا يكف عن الأحلام. كان يردد بأنه حين كان طفلاً كان يود أن يغدو صياداً للأسود في أعماق المجاهل الأفريقية. “كان شجاعاً –قالت المالطية وهي تمسح دموعها المعتمة كذكرياتها– شجاعاً كأجدادنا القدماء، شعره الغامق كنبيل من فرسان مالطا القدماء، عينيه المعتمتين الغامضتين، بدا كروماني حقيقي تلك المرة”. بالرغم من إنها لم يتخيلا المسن المالطي بشعر أسود، فقد كان شعره الذي يعرفان، أبيضاً كمسحوق الملح المجلوب من الدواخل، بالرغم من عينيه المعتمتين كمغارتين، كان محباً للكتب والمكتبات السرية في طرابلس، دائم الحديث عن التاريخ، الآداب، الأديان والجغرافيا، لا يتحدث إلا قليلاً عن طفولته، إلا إن حكايات البطولية أعجبتهما، حتى إن سلام اقترب من المالطية كأنه ينهي استماعه لحكاية قديمة بدأت قبل قرون، طفل مالطي يغادر شواطئ طرابلس باتجاه الجنوب، يبحث عن الممالك الضائعة من الخرائط الكبرى، معتمداً على معلومات مكتبته التي جمعها أجداده، في احدى المرات كان المسن أخبره عن تلك المكتبة السرية! كان يستمع إليه بصمتْ في احدى ليالي الشتاء، حين تركه والده يقضي ليلته في المكتبة، ينظمها مع المسن، كان في العاشرة، قبل أن يتوفى المسن المكتباتي بأشهر أخبره عن المكتبة. “هناك في الجنوب –أوضح المالطي– قبل الفترة التي جاء خلالها هاينريش بارث الكاتب والرحالة الألماني، بوقت طويل تم نقل مكتبة قديمة، من روما إلى أعماق السلطانات الصحراوية، لحفظها بعيداً عن متناول الأمم الأوروبية التي أخذت تفقد رغبتها في الواقع الحقيقي، بحثاً عن وقائع مختلفة، أشبه بالظلال مقارنة مع التاريخ الحقيقي، تلك المكتبة كانت الأصلية، أي مكتبة أخرى أشبه بالظلال المتفرعة منها. كنت أحلم بالبحث عن تلك المكتبة”. هكذا قال المسن المالطي، آنذاك. الفتى الطرابلسي سلام، كان شقياً، إنما ذكياً، مشمولاً بعناية القناصل، المدرسين حتى في القلعة يمتلك أنصاراً بالرغم من صغر سنه، إلا إن مهامه المستقبلية بدتْ واضحة جداً، كابن لتاجر وأحد الوجهاء المخلصين للأتراك، أيضاً كصاحب نفوذ كبير في الدولة العلية، أما الفتاة فهي ابنة الأولى لمدرس إنجليزي بمهمات ضبابية داخل القنصلية الإنكليزية، تدعى إليزابيث لكن الجميع يدعونها بإليزا الصغيرة. كانا يبدوان للجميع كقطين سياميين، يعبران بنشاط دروب الأسواق والأزقة كل صباح مخترقين محال تجارية مختلفة، عروض باعة الأقمشة المجلوبة من بلاد الفارس والهند، الصبيان ذوي الأعين البلهاء، الراكضين في مساحات الأسواق والآخرين المعروضين تحت الشمس ببشرتهم الأبنوسية المعتمة واللامعة بعرق ماسي، المجلوبين من أعماق غابات الأفريقية المجهولة، بنظراتهم الساهمة. بالرغم من حملات العقاب من قبل الانكليز ضد ذلك النوع من التجارات المشبوهة، إلا إنها كانت لا تزال تظهر في بعض أسواق طرابلس، إلى جانب الحيوانات الصغيرة الموثوقة، بدت الببغاوات زاهية الألوان، النمور المخططة الصغيرة المفعمة بالنشاط، بجوار النمور الكبيرة الوقورة المتمددة بكسل الوزراء الطرابلسيين، فيما يحاول بعض الصبية إثارتها وإغضابها بحركاتهم البهلوانية، لكنهم لا ينجحون إلا في إثارة غضب التجار تحت نظر الأتراك، الإنكليز، الدنمركيين، الفرنسيس، الألبان والهنود والمجموعات اليونانيين المقيمين أو الذين لا يأتون إلا ليعبروا البلاد باتجاه مصر، اسطنبول وإلى بلاد الفارس، كما يتحدثون دوماً لوالد سلام المتحكم بالموانئ والأسواق الشعبية، القوافل المغادرة إلى الجنوب الليبي إلى الممالك الأفريقية. قبل أن يبلغ الخامسة عشرة، أدرك معنى كل ذلك. القوة والأحلام! لكنه كان متصوفاً في رحاب ابتسامة ناصعة. انكليزية من أم ايرلندية. غروب رائق. مسن مالطي. ركض منعش بين الأزقة. جلسات شرب الشاي أوقات العصر في فناء القنصلية، لكنه لا يستطيع إلا التفكير في التحدث الضبابي عن ألمه الشخصي، كأن شخصاً مختلفاً في داخله، يتحدث حول تلك الأحزان الوجودية. قرين خفي. خلال أيامه الطفولية الرائعة، عثر على مجلد باللغة الإنكليزية قديم رائع حول العشق الفارسي، استخرجه من بين المجلدات القديمة في مكتبة المالطي التي تم ضمها لاحقاً لمكتبة إحدى القنصليات الأوروبية. حمله راكضاً عبر طرقات طرابلس كجواد سباق أصيل دون أن يتوقف، قلبه كان ينبض بقوة ألف حصان، مندفعاً إلى إليزا التي وجدها جالسة في الحديقة الانجليزية تحت الأشجار المزهرة والظليلة تحصي أوراق الشجر التي أخذتْ تتساقط، بلون شعرها السابح. جلسا معاً تحت الشجرة الوارفة، كانت الأنسام الرقيقة تعبر بهمهمات أشبه بالعزف المكتوم من بعيد، عزف مكتوم في القلب، همهمات غامضة، مقدسة تتخلل أوراق الشجر ثم تسري كالأحلام بين خصلات شعرها التي تلامس للأبد وجهه، قرئا معاً تلك القصص الفارسية المبهجة، فاتسعت عروقهما فرحاً، تمددت إليزا على ظهرها، ثم طالعتْ السماء خلال كثافة الأوراق، مبتهجة بالاشتياق والاستسلام. “جميلة، ها”. “نعم”. قال وهو يتأملها، فيما حرفت هي بعينيها ناحيته، قالت: “أبي يقول بأننا سنسافر إلى بلاد الفارس”. تلك الذكريات الصغيرة تنساب كالموسيقى المعتمة في ذهنه، حاول طويلاً أن يتخطاها عبثاً فهي تصطاده كل مرة، يستمع للصوت الطفولي، للحظات التي تتركه في حالة غير محتملة من الإحساس بالفقدان والتيه. كما إنه حاول أن يرويها لأي صديق بوسعه الإصغاء جيداً، كل مرة تبدو له الكلمات فظة مليئة بالوحشة والغلظة، كانت دائماً تخرج على نحو مزعج، لتروي قصصاً مختلفة عن ظلمات الماضي، النور الذي لا مكان له، الجمال الذي يتلاشى بين تلك المنعطفات المعتمة لروح. المنعطفات التي تكونتْ أصلاً بسبب فقدان جزء كبير من تلك الروح، يوماً تلو الآخر. الذكريات السعيدة، الشعور بالوحدة. العشق المنتهي، يخلف فراغات معتمة لا تنجح الأيام في سدها، تتكلس ببطء، تعتم مرة أخرى. الفقدان! أشبه بمكتبة ذات فراغات في الأرفف النقص! هكذا فكر على الدوام، السنوات جعلتْ من كل تلك المشاعر مجرد تشبيهات خرافية! “لماذا؟”. سأل بيأس مكتوم. “أبي يتحدث عن الحرب –قالتْ محاولة أن تبدو متماسكة– الحرب في طرابلس”. “بلاد الفارس جميلة، صحيح؟”. “هكذا يقول والدي، ربما سيجعلونه قنصلاً هناك”. “لكن والدك مدرس”. “صحيح، إنما من الجيد أن يغدو قنصلاً، أليس كذلك؟”. “جيد –كان يبدو مكتئباً أكثر– أخبرني أبي ذات مرة بأنه يريدني قنصلاً في أوروبا، لكننا بحاجة لتجارات أكثر أهمية واستقلال أكبر ثم أخبرني بأنه يريدني رئيساً للوزراء”. “ستكون أفضل رئيس وزراء، أنا متأكدة”. ابتسما لوهلة، كانت الأوراق تواصل التساقط. “متى تعودون؟”. “نحن؟ –سألتْ وهي ساهمة– والدي يقول لن نعود أبداً”. “هذا سيئ، أود أن أراكِ دوماً، هذا سيء لغاية”. “تستطيع أن تقرأ القصائد الفارسية، سأقرؤها أنا، سأفعل من أجلك، هل ستفعل من أجلي. ستراني فيها، أنا سأراك”. “لكن متى ستسافرون؟”. قال بصبر نافذ. “غداً”. فقال بخفوت. “بهذه السرعة تغادرون!!”. حلق طير من الشجرة الوارفة، فبكتْ إليزا، بكاء هادئاً، استقر في رأسه طويلاً، لم تمحه حتى هدير البوارج الإيطالية وهي تدك أزقة طرابلس بمدافعها الهائلة، كأن كل هذا يحدث بسبب اختفاء ابتسامة إليزا. الجمال الناصع للضوء الصباحي الدافئ، شاهد خطوط طفولته، مع لامعان الذهبي للضوء الذي بدا ندياً كابتسامة مشرقة جعلته يعيد تذكر ماضيه، احدى أجمل أيام حياته مبتسماً، مقدراً تلك المنحة الربانية. الذكريات التي لن تموت! بدت جميلة!
يقرأ أيضاً
المراجعات
💬
لا توجد مراجعات بعد. كن أول من يراجع هذا الكتاب!








