تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب سلاف بغداد
مجاني

سلاف بغداد

0.0(٠ تقييم)
سنة النشر
2016
ISBN
9789953688190
المطالعات
٤٩٣

عن الكتاب

"ماذا لو بقي محمد توفيق حياً؟ ما الذي سيقوله الآن وكتاب "تفسير الأحلام" لابن سيرين هو الأكثر رواجاً في أنحاء المعمورة من بلاد العرب؟ هو الكتاب الوحيد الذي رافق العائلة العراقية عند الحصار واستمر أثناء الاحتلال وازداد قيمةً. تقول أمي عن جارتها أم جعفر: - شأن العراقيات، تستيقظ كل صباح لتقرأ في كتاب "تفسير الأحلام" ما مرّ بها ليلاً. ضحكتُ في سري: من ثمرات الاحتلال بعد الحصار أن يصبح "تفسير الأحلام" الكتاب المرجع. هو وحده الذي لا يُباع. لم يذكر والدي من قبل أنّ "تفسير الأحلام" كان بهذا الشيوع. تُباع الأغراض وتُصادر الموجودات، وتُفرّغ البيوت وكتاب ابن سيرين صامد". * * * رواية "سُلاف بغداد" هي الرواية الخامسة لمحسن الموسوي. ثمة بطل في الرواية هو حانة "سُلاف" بتاريخها وحضورها الغريب في حياة بغداد وتطلعاتها ومأساتها: الأسماء والمسميات تحيل على "سُلاف" ومنه ينبعث الفعل وإليه كأنه قلب غامض لمخلوق غريب. هنا يجري الاشتباك بين الفعلي والمتخيَّل، الواقعي والغريب والمريب،إذ يهتزّ التاريخ كتضاريس المكان في احتضار يُثير عن بُعد احتمالات أمل قادم تنيره من الذاكرة لحظات حبٍّ طافحة بالشوق والحنين.

عن المؤلف

محسن جاسم الموسوي
محسن جاسم الموسوي

محسن جاسم الموسوي، كاتب وروائي وناقد عراقي. ولد عام 1944، وهو أستاذ الأدب العربي في جامعة كولومبيا. وهو باحث وناقد على المستوى الدولي وله خبرة أكثر من 20 عام في التدريس في عدد من المؤسسات التعليمية في

اقتباسات من الكتاب

لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.

سجّل الدخول لإضافة اقتباس

يقرأ أيضاً

المراجعات (٢)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٣‏/٧‏/٢٠١٧
اختار الكاتب محسن الموسوي عنواناً متعدد الدلالات لروايته الجديدة «سلاف بغداد» (المركز الثقافي العربي 2017) جامعاً بين ما تحمل كلمة «سلاف» من مترادفات وأبعاد تاريخية مرتبطة بالحانة نفسها التي عرفت اوج ازدهارها في الخمسينات العراقية وكانت ملتقى الأدباء و»الغرائب» كما يعبر راويه الثاني، وبين الأحوال المتقلبة تاريخاً وواقعاً التي شهدتها بغداد مدينة المآسي المتعاقبة. وبينما تبدو حانة «سلاف» هي البطلة الرئيسة في المعنى الافتراضي تبرز قبالتها بغداد نفسها بطلة اخرى، ومنهما تنطلق الشخصيات التي تحفل بها الرواية. وعبر هذه الازداوجية يتضح عزوف الموسوي عن تسمية روايته «حانة سلاف» مثلاً، فالرواية هي روايات في آن واحد: رواية بغداد ورواية حانة «سلاف» بروادها ووقائعها، وهي ايضاً رواية الساردة الأولى التي تدعى سميرة محمد توفيق مدرّسة مادة الجغرافيا في احدى ثانويات البنات، ورواية الكاتب حمدي السماك صاحب المخطوط الذي يحمل عنوان «دفتر سلاف» والذي تقع عليه سميرة وفيه يروي السماك احوال الحانة وبغداد وقصصاً هي بين الواقع والمتخيل. ولئن استهل الموسوي روايته عبر صوت سميرة الراوية الأولى، فإنما ليمهد السبيل الى الراوي الثاني صاحب المخطوط الذي يدعى حمدي السماك، وهو شاعر وروائي معروف وأحد رواد «سلاف» ولا يظهر اسمه الا في الختام بعدما ظل مجهولاً في البداية ومحلّ شك وحيرة. لكنّ المخطوط يُرفق لاحقاً برسالة كتبها ايضاً حمدي وأرسلها صديقه بهنام الى نجم صاحب «محل الجقمقجي للتسجيلات» الذي يقع مقابل حانة «سلاف». هذه الرسالة تبدو ملحقاً للمخطوط الرهيب الذي شاء الموسوي ان يحافظ على طابعه بوصفه مخطوطاً مضطرباً نظراً الى ما يضم من قصص وأخبار شبه غرائبية طالعة من عمق التسعينات العراقية، الواقعة تحت الحصار والاحتلال. أما نجم الذي تلجأ اليه سميرة بغية تصليح جهازها( الكومبيوتر) المتعطل، فهو الذي يفتح لها خزانة ابيه التي كان يودع فيها المخطوطات التي يسلمه اياها الروائيون والشعراء لتنجو من الضياع او الحريق. ويجد نجم في سميرة ضالته ليقدم لها بعضاً من تلك المحفوظات وبينها «دفتر سلاف» الذي لا يحمل اسم مؤلفه. البوصلة وكما يتصور الراوي في المخطوط خارطة بغداد التي اضحت في حقبة التسعينات «تيهاً بتيه» يسعى الموسوي الى رسم هذه الخارطة دامجاً بين البعد الجغرافي والبعد الثقافي، الواقعي والتخييلي، المأسوي والغرائبي. انها بغداد حقاً ولكن انطلاقاً من بوصلة «سلاف» الحانة التي اضحت منطلق السرد ومآله. فـ «الحانة» هي الحيز الذي تتجلى فيه صور المدينة والأحلام المكسورة والخيبات... مدينة الشعراء والروائيين والمضطهدين والمهزومين او كما يقول حمدي في المخطوط، مدينة «جيل الإيديولوجيات والمفاهيم الكبرى» الذي اضحى في «مهب الريح»، الجيل الذي ما صارت «بقاياه سيف دون كيشوت المكسور» بعدما افرغته «الدكتاتورية وحكاية الحزب الواحد من الإرادة طوعاً او كرهاً». لا تخلو رواية الموسوي من الحنين الى بغداد على رغم الرثاء الذي تضمره او تجاهر به لها. الحنين الى بغداد «سلاف» وإلى اماكن بغداد نفسها التي محا الحصار والاحتلال «علاماتها». ومن يعرف بغداد جيداً يدرك سر استعادة الكاتب لشوارعها وساحاتها ومقاهيها ومكتباتها ولأناسها الحقيقيين الذين اضحوا اطيافاً او غادروا: شارع الرشيد، ساحة الرصافي، مكتبة اوروزدي باك، سويس كافيه، شارع الخيام، شارع ابو نواس، شارع السعدون، مطعم كبة اربيل... وفي المقدم دوماً حانة «سلاف» التي كانت مربض خيل الشعراء والروائيين على اختلاف مراتبهم وأعمارهم وأمزجتهم : كاظم جواد، حسين مردان، رشدي العامل، بلند الحيدري، وسائر الصعاليك ومنهم عبدالرحمن طهمازي وصلاح فائق... اضافة الى حمدي السماك صاحب المخطوط او الكاتب «المرعوب من نفسه، من الأميركيين، من صدام، من الجميع...». يغلب طابع الرثاء في الرواية على رغم الحنين الذي تفيض به. بغداد بل عراق التسعينات لا يليق بهما سوى الرثاء وربما الندب والبكاء. انها الحقبة الأشد قسوة وبؤساً، تجمع بين انهيار نظام دكتاتوري ونهوض سلطة اخرى هي الاحتلال الأميركي الذي جعل البلاد في حال من الاضطراب التام. يقول الرواي: «اصبحت بغداد كشكولاً، خردة وأكواماً من كل شيء». خطف وقتل وفقر مدقع ، قنابل وقذائف، برد وجوع، رعب وكوابيس وجثث، شوارع تغص بالمجانين والمشردين واللصوص، جنود وجماعات مسلحة، بيوت تخلو من اثاثها والدينار الى المزيد من السقوط... وتقول سميرة: « ثقافة الاحتلال جاءتنا بربطة للرأس وعباءة تلف الجسد». اما الراوي فيشبّه انتهاك «الفئران والجراد» لبغداد بالانتهاك المروع الذي وصفه ألبير كامو في روايته «الطاعون». وليس مستهجناً ان يعود الى كتب التاريخ ومنها مثلاً «كتاب الحوادث» المنسوب لابن الفوطي ليقرأ على ضوء مآسي الماضي مأساة بغداد الراهنة. ومما جاء في متن الكتاب: «ووضع السيف في اهل بغداد وما زالوا في قتل ونهب وأسر وتعذيب الناس بأنواع العذاب... فقتلوا الرجال والنساء والصبيان والأطفال فلم يبق من اهل البلد الا القليل وأحرق معظم البلد وجامع الخليفة وما يجاوره واستولى الخراب على البلد...». أجواء «الليالي» معروف ان محسن الموسوي الناقد الأكاديمي هو واحد من اهم المشتغلين على كتاب «ألف ليلة وليلة» وله في في هذا الحقل اكثر من بحث بالعربية والإنكليزية وأحدثها دراسته الأكاديمية الضخمة «الذاكرة الشعبية لمجتمعات «ألف ليلة وليلة» (المركز الثقافي العربي). لكن الموسوي هو روائي ايضاً و «سلاف بغداد» هي روايته الخامسة، وقد عرف كيف يوفق بين التجربتين، تجربة الناقد الأكاديمي الرصين الغائص في مفاهيم السرد وتقنياته، وتجربة الروائي او المبدع. ولعله في «سلاف بغداد» يبدو شديد الاستفادة من اجواء «الف ليلة وليلة» او مناخاتها ولكن بعيداً عن الاقتباس او التأثر المباشر لا سيما من الناحية التقنية او الأسلوبية. فمدينة بغداد التي يرويها الموسوي لا تبدو غريبة عن الطابع العجائبي لبغداد «الف ليلة وليلة» على رغم تاريخية الوقائع في «سلاف بغداد» ومأسويتها. وكم بدا حضور شخصية حنون الذي يوصف بـ «المخبول والمجنون الذي يجوب بغداد ليلاً ونهاراً» جذاباً وكأنه من شخصيات «الليالي» لطرافته المشبعة هنا بالبعد الفجائعي، فهو عاش تفاصيل المذبحة التي قضى فيها اهله وأصيب بما يشبه العته.حنون هذا هو الذي سيفتح امام الراوي ابواباً شبه سرية تشبه ابواب «الليالي» وتقود الى سراديب تؤدي الى عالم غير متوقع وإن بدا واقعياً ظاهراً. حنون هو الذي يقود الراوي الى ملجأ العالم يوحنا السرياني الذي كان ايضاً من رواد «سلاف»: يدخله من باب خفي في بناية خلفية متآكلة ثم يفتح باباً آخر يفضي الى قاعة ثم دهليز وسرداب وهناك يجد يوحنا الذي ارسل يطلبه لينبئه بأن «سلاف» سيتعرض لانفجار كبير اولاً، ثم ليعرّفه الى ابنته كوليت التي تدمن قراءة كتبه وتميل اليه، وليتيح امامهما فرصة اللقاء الذي تحتاج اليه ابنته لتخرج من ازمتها النفسية التي تواجهها بعد مشاهدتها جثة تفترسها الكلاب في الشارع وقد تحولت في دخليتها الى كابوس. في هذا الملجأ الذي أوى اليه يوحنا خوفاً من الاغتيالات التي يتعرض لها العلماء في العراق حينذاك، تقوم حياة بكاملها ويحتل احدى القاعات منظار يرصد يوحنا وكوليت عبره حركة الكواكب والفلك. يقع الراوي في حب كوليت ويتبادلان القبلات ويتعانقان ثم تنتهي بهما العلاقة الغريبة الى الزواج. والزواج يتم على يد الشيخ عيسى الذي يوافق على بقاء كوليت على دينها. ومثلما أدخل حنون الراوي في باب المخبأ السري يدخله ايضاً الى مخبأ آخر عبر باب مطعم «كبة أربيل» في جولة يقومان بها في ليل بغداد. وهنا يدخلان رواقاً طويلاً فارغاً ويجدان نفسيهما امام باب سري ينفتح امامهما ويفضي إلى باب آخر يفضي الى قاعة تحتلها مائدة غريبة ومن سقفها تتدلى اجساد... انها فعلاً اجواء غرائبية ولكن غير ممعنة في التغريب لأنها تظل على محاذاة الواقع. ولا يمكن هنا اغفال الرحلة الغريبة التي يقوم بها حنون والراوي الى مدينة بعشيقة التي يقطنها بهنام شقيق يوحنا، ممتطيين حمارين نتيجة إصرار حنون واعتقاده ان الحمير لا تُفخخ ولا تُفجر. لكن الحمير تُستبدل ببغال في المرتفعات الصخرية. وهناك ايضاً يوجد سرداب وكهف مرصود... ثم تنتهي الرحلة الى دير مار إليّا حيث يكتشف الراوي قصائد لأبي نواس خطها على الجدار كاهن كان يحب شعر النواسي. والشعر اصلاً لم يغب البتة عن الرواية ككل وغدا امتداداً لجوها وشخصياتها وليس فقط مجرد تزيين لوقائعها كما يحصل عادة في كتب الرواة. ومن الشعراء الذين تحضر قصائد لهم او مقطعات: يعقوب بن صابر، العباس بن الأحنف، أبو بكر الجراحي، ابو نواس، بدر شاكر السياب الذي يردد الراوي عنوان قصيدته الريادية «هل كان حباً؟»... ناهيك بقصيدة لويس اراغون «عينا إلسا»... رواية «سلاف بغداد» هي رواية بغداد التسعينات وبغداد الماضي وربما المستقبل الذي اضحى مجهولاً. والعبرة هي في كيفية كتابة هذا المستقبل الذي تنسحب عليه ملامح التسعينات المأسوية. ولعل السؤال الذي يطرحه الراوي او حمدي السماك حول العي الذي يعانيه في الكتابة هو سؤال جوهري سيظل يطرح وهو:»ألسنا جميعاً نعاني العي؟». ويضيف: ثمة عطب ما يطاول النفوس...».
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٣‏/٧‏/٢٠١٧
صدرت أخيرًا عن دار المركز الثقافي العربي في بيروت رواية «سُلاف بغداد» ديسمبر (كانون الأول) 2016 للناقد والأكاديمي د. محسن الموسوي، أستاذ الأدب المقارن في جامعة كولومبيا في نيويورك، وتشكل في رصيده الروائي الخامسة، بعد «أوتار القصب» و«دون سائر الناس: انفعالات الرقم 46»، و«درب الزعفران»، و«العقدة». وسُلاف هو أسم المشرب الذي يقع في الطرف الشرقي لشارع الرشيد، قبالة محلات «الجقمقجي للتسجيلات والأسطوانات». هذا المشرب الذي ذاع صيته بين الأدباء والشعراء في الخمسينات البغدادية، فقد ارتاده كاظم جواد، ورشدي العامل، ومحيي الدين إسماعيل والسياب، إذا ما توفرت النقود، واستمرت سمعته في المراحل التالية قبل أن تدفع به محلات شارع أبي نؤاس إلى المرتبة الثانية أو الثالثة. كانت مطالع التحذيرات تنبّه القارئ إلى أنه بصدد تداخل الوهم بالواقع، والأسماء الحقيقية لأشخاص تاريخيين تستدعي الأوهام أحيانًا والحقائق في أحيان أخرى. وما هذا تريده الرواية بجمعها وحشدها للأسماء والمسميّات والأماكن. تبتدئ الرواية بصوت لسيرة بنت محمد، مدرّسة الجغرافية في ثانوية «العقيدة» للبنات. تقول: «توسدت الليلَ ونمتُ...».. لكنها نامت في ظلام بغداد المحتلة، يخاتلها «سرّ» ما، داعب مخيلتها وأبقاها أسيرته على مدى أشهر، بينما كانت تتساءل عما تسمعه عن «حمدي السماك» الشاعر والروائي الذي يراه الناس واجمًا منذ مشادة قديمة في «سُلاف»، ادعى فيها القدرةَ على إنهاء حياة الطرف الآخر في المشاجرة بجرة قلم في رواية مقبلة. مات الطرف الآخر فعلاً. وكان أن ذُهلَ السماك: ترى هل يكتب بعد ذلك؟ وماذا لو تحولت هذه إلى وقائع؟ هنا تبتدئ الرواية متخذة مجموعة مسارات وبناءات سردية متوازية. هناك في بغداد الموحشة كان له أن يقع على صحبة فريدة تمناها من قبل، لكنها بدت مستحيلة. كان ذلك اللقاء بالعالم العراقي يوحنا السرياني في سرداب عتيق عصي على أعين الميليشيات هو مفتتح جملة المغاليق على أصعدة الروي ما بين رحلات فعلية، كرحلة «الحمير»، وجولات ليلية مع المجانين والمشردين في عالم غامض مضطرب لا تنيره غير ذبالة ضوء خافت وشمعة هنا أو هناك تتيح قليلاً من الفضاء للكتابة والرسم والتفكير. كل هذه الأسرار والجولات واللقاءات تفتح نافذة هنا أو هناك، وتجعل الرواية مجموعة من الألغاز والحلول. لكن النافذة الغريبة هي تلك التي يفتحها اللقاء بالعالم السرياني وابنته، فالعالم يريد لابنته الشفاء من علة طالتها بعدما شهدت عام 1991 وفواجعه، السماك يبصر المشهد بعين المحب الذي تتفجر في داخله الرغبة في الإنشاد والكتابة. لكن هؤلاء الأشخاص يتفقون على أمور ويختلفون في أخرى: أي أن السرد يتقصّد مساراته وبناءاته لينقاد القارئ في دروبها وثناياها، مطلعًا في الوقت نفسه على وقائع تاريخية من أيام الغزو المغولي تسترجعها الذاكرة لتعمّق من تبئير الرؤية السردية. ستنفرج الرواية في حلول طبعًا، وسيعود السماك إلى الكتابة، لكن ذلك لا يتم بسهولة: فثمة مكابدة وشجن وهوس وخوف وقلق. ويلقي التاريخ بظلاله على مجريات السرد فيلتبس الحاضر والماضي وترتجف اللحظة بانتظار حزمة ضوء تعيد للزمن مسارًا معقولاً. وقد ينتهي القارئ إلى التساؤل: تُرى مَنْ يصنع مَنْ؟ هل الفن هو صانع واقعه؟ أم هل أن الواقع وبضمنه التاريخ يوجد الفن، لكن الرواية تحيد عن «تعالم» المفكرين والمثقفين، ولا تضع القارئ عمدًا في لحظة لبس والتباس. وهي لا تقدم وصفات جاهزة. «رجال الروي» هنا لا يمتلكون مفتاحًا سحريًا لكنهم يتعاملون مع مجريات الأمور بعين المتأمل والشريك والراغب والمرغوب، كما لا تعوّل الرواية على بنيات سردية متعددة: فغايتها السرد نفسه، كما ينبغي أن يكون، منقادًا بسلاسة وهدوء لا تكسرها غير مفاجآت محدودة بعضها من الحاضر والآخر من الماضي. لكن الذي يتبقى في الذاكرة هو «سُلاف» نفسه بما يعنيه من عصارة، و«سُلافة» وما يجمعه ويكثّفه من الزمن، والفضاء، والذاكرة والحدث. سيبقى «سُلاف» في الذاكرة دليلاً في خريطة يُراد لها أن تنقرض وتنمحي، لكنه يراهن على «التاريخ» بعد عدة قرون كان يتخذ فيها تسمياتٍ مختلفة لديارات شغلت مساحة كبيرة ما بين الشماسية وموقعه الحالي في طرف شارع الرشيد. إن «سُلاف بغداد» رواية لوعة وطرب وشجن، كما أنها رواية تدين الدمار الذي يلحق ببغداد وأهلها وذاكرتها منذ قدوم الحمقى والجبابرة والفاسدين. وعندما سألت المؤلف عن الأسباب التي تكمن وراء اختيار «سُلاف» عنوانًا لروايته، قال إنه لم يحضر في هذا المشرب غير مرة واحدة، لكن صورته انطبعت في الذاكرة، وعندما كان يزور محلات «الجقمقجي» قبالة «سُلاف» كان يسمع وقعًا موسيقيًا ما بين الأسطوانات وما بين هذا المشرب. لربما كان الرواد ينشغلون بالأحاديث والمناقشات، وقد يكثر الصخب أو يقل، لكنه أي البار، كان في النتيجة منتدى آخر من منتديات بغداد يستعيد في ذاكرة رواده الديارات القديمة وما يجري فيها من حوارات ولقاءات وأناشيد. لكني تساءلت أيضًا عما إذا كان المؤلف يتباعد قصدًا عن روايته السابقة «دون سائر الناس: انفعالات الرقم 46»، يقول: لا أعتقد أن تلك الرواية الجاحظية أسلوبا والساخرة نسبيًا تضع اليد على معنى ما أنا بصدده: «هل يخلق الفنان عالمًا قد يتحقق؟ ترى هل أنه يقارب ويتباعد كما يقول القدامى عن الأدب؟». تنطلق تلك الرواية من الإشارة الاستعارية في القرآن عندما «تشهد جلودهم...» لكني سأنتزع الاستعارة وأتعامل مع الأمر حرفيًا في دكان أسكافي حيث تتحدث جلود الغزلان والجِمال والأرانب والمخلوقات الأخرى وتتحاور، وتنبّه إذا ما دخل قومندار أو صاحب سلطة و«بسطال» إلى المحل. كما إنها هي الأخرى تهرش جلد من تريد كما يفعل «بسطال» القومندار بصاحبه. والخلاصة أن هذا الهامش، الجلود في محل الأسكافي، تثأر لنفسها من «القومندار» الدموي... تُرى هل كنت أدرك ما سيكون؟ الكتابة لا تعرض الماضي أو المستقبل: لكنها تأتي بما يفتح المجال للتأمل والتساؤل وخلخلة الواقع. وهذا ما أقوله بصدد هذه الرواية أيضًا أي «سُلاف بغداد». ولكن ماذا عن «أوتار القصب» التي لم يُتَح لها الانتشار خارج العراق لأنها صدرت أيام هجوم 1991، هل لها علاقة بهذه الفكرة؟ يقول المؤلف: «تلك رواية تقع ما بين روايات ما بعد الاستعمار بامتياز. إن (الرومانس) الذي يجعل منها محببة لدى النقاد العراقيين كفاضل ثامر وحميد سعيد مثلاً هو الذي يوجد لهب المقاومة وشعلة الصّد والمواجهة، تمامًا كما هو الأمر في (سُلاف) عندما نعرف أن صاحبه (مطارد) من قبل سلطة الاحتلال وزبانيته. (الرومانس) هو الذي يوقد هذه الشعلة. وهذا ما يجهله بعض روائيي هذه الأيام، متناسين أن شعلة (الأدب) وشعريته رومانسية أولاً». قلت للمؤلف إن خريطة «سُلاف بغداد» واسعة، امتدت جغرافيًا ما بين بغداد وبعشيقة والناصرية والمناطق الغربية من العراق. هل تريد أن تقول شيئًا ضد دعاة التقسيم والشرذمة مثلاً؟ يقول: «ربما كان ذلك في الوعي الذي سكن السرد. لم أفكر بذلك. لكن هذه هي مساحة البلاد التي عُرفت بسفساءاتها على مدى القرون والتواريخ. لكنها لم تجعل من هذه حجة للتقاتل والاختلاف والسيطرة والانتقام. العراقيون يمتلكون ولاءً للعراق. هكذا أود أن أقول. أما الفرقة العنصرية والدينية والطائفية فهي من ترتيب ذوي المصلحة في الانشقاق والنهب والسرقة والفساد وهدم البلاد. (سُلاف بغداد) تعرض للعراق جسدًا له نتوءاته شأن غيره، لكنه جسد له قلب وانتماء وذاكرة. وهذا هو المهم. لم أقصد كتابة ذلك، ولكن إن برز ذلك في الرواية، فلأنه يحيل إلى وعي أشارك فيه غيري من العراقيين». وهكذا يبرهن لنا محسن الموسوي أنه قادر على أن يمسك بالسرد الروائي كما يمسك بنظرية السرد في ذات التألق والانبهار والعمق في «سُلاف بغداد».