
الرقص على حافة الهاوية
تأليف غريغوار دولاكور
عن الكتاب
بعد رواية لائحة رغباتي وفصول الصيف الأربعة، يعود الروائي الفرنسي غريغوار دولاكور برواية جديدة هي "الرقص على حافة الهاوية"، يتناول فيها العديد من القضايا التي من الصعب أن تعرف من أين تبدأ دون الكشف عنها أكثر من اللازم. ليكن هناك تركيز دقيق من المؤلف على التحليل النفسي ووصف المشاعر والرغبة بدرجة كبيرة من الدقة والواقعية، وتتألف هذه الرواية من ثلاثة أجزاء، تتناول فيها العديد من المشاعر المضطربة حيث اللقاء، الإغراء، الحب، العزلة والشعور بالذنب. نجح غريغوار إلى حدٍّ بعيد في تقمص الشخصية الأنثوية تقمصًا يحسب له، معبرًا عن حوائجها النفسية واحتياجاتها البدنية وأيضًا الجنسية، وتغيراتها الفيسيولوجية، كما فعل سابقًا في رواية لائحة رغباتي، لكنه في هذه الرواية لأول مرة يترك الكاتب مهمة السرد للمرأة، فهو يتحدث من وجهة نظر الساردة، وهي البطلة التي تعترف بجرأة وحياد قائلة: "أنقل هنا تسلسل الأحداث كما وقعت، لن أعلق على جموح رغبتي، وربما يجب البحث في الجانب المقدس، أحاول فقط أن أبين آليات الكارثة، وفهم لماذا، في وقت لاحق، مزقت وإلى الأبد تلك القلوب التي أحببت". يقدم الكاتب عبر حكاية بطلتة قصة امرأة في الأربعين من عمرها تدعى إيمانويل (وتسمى إيما في معظم الحالات)، وهي أم لثلاثة أطفال، بنتان وصبي، متزوجة من تاجر ملابس يدعى أوليفييه، يعيشان معًا في سعادة واستقرار يخفي الكثير من الإحباط، والجموح، "كنت أجهد نفسي وأحبس رغبتي كي لا تطير بعيداً، فأزداد شحوباً، وكان أوليفييه يقلق من أجلي في بعض الأحيان، فيتحدث عن بضعة أيام في أي مكان للذهاب أليه، مثلًا إسبانيا، إيطاليا، ويقترح أيضاً البحيرات، كما لو أن أعماقها ستغرق حزني، لكننا لا نسافر، لأن هناك الأبناء، ولأن هناك تنازلات، ولأنني وضعت أخيراً إحباطاتي كلها جانباً". وفجأة تقع إيمانويل مغرمة، أسيرة لرغبتها واحتياجاتها، لتبدأ القصة مع لقاء محتمل، ولادة الرغبة والجنون والاشتباكات وتدهور العلاقة بين إيما وزوجها، ولغة السؤال الشعرية المستخدمة داخل الرواية، تجعل الكتابة مختلفة ومثيرة للاهتمام. يعكس المؤلف تماما الفوضى الداخلية التي تعاني منها بطلة الرواية إيما، فهل تتبع ما يمليه عليها قلبها وتسقط كل شيء في ومضه وتذهب في رحلة بلا عودة وتترك كل شيء جانبا، ليفتحَ أفق التوقعات من خلال الربط بين الفضاء النَّصي ومساحة البياض التي يتركها السَّارد. في ذلك الانجذاب الذي أحدثه هذا اللقاء وما قد يسببه في نهاية المطاف من أضرار لأسرتها، اسمي ألكسندر، أنا صحافي في جريدة "صوت الشمال"، ومنذ ثلاثة أسابيع وأنا أفكر بك. هكذا حدث اللقاء بين إيما وألكسندر، إلا أن هذه القصة سوف تنهار سريعًا ليس بسبب الأسرة والأطفال، ولكن بسبب خبر سيشكل منعطفا حاسما في حياة البطلة، خبر لا يمكن أن تتوقعه إيما ليكون نقطة تحول في القصة بأكملها لتدير دفة السفينة لتعود من حيث أتت. لتأخذ القصة منحنى التكثيف والتركيز في وصف اللحظة، هذه اللحظة تم تعميقها بالتصوير المبهر، لتعطي إيحاء مركزا، ومضت على وتيرة نفسية واحدة، كما تم استخدام اللغة بدقة دون اختلال التركيب، ما جعلها تنطبع في ذاكرة القارئ، في لحظة انتظار إيما لأول لقاء بينها وبين ألكسندر في أحد المطاعم، وهي في لحظة شغفها مستغرقة في التفكير والانتظار، تدخل فتاة جلست على مائدة قريبة جداً من إيما، تحدث صديقتها بصوت مرتفع ومرتجف: لقد رأيت شخصاً على دراجته تدهسه حافلة بجوار المطعم، فكانت الصاعقة لإيمانويل لتتبخر أحلامها وتنهار رغبتها لتعود بسفينتها خائبة الرجاء في رغبة جامحة بالعزلة. أعرف الآن أن الحزن هو الحب الذي لا يوجد لديه مكان للإيواء إليه، هذه الفترة المظلمة التي حاولت أن تجهلها وتجعلها أكثر لطافة واحتمالاً، لتحافظ إيمانويل على تماسكها وصفائها، همست لنفسها قائلة "تخليت عن زوجي وأطفالي الثلاثة، من أجل رجل وألف من الآمال. رحلت لعدة أشهر داخل إغراءاتي ورغباتي، وغرقت في غيابه، لقد فقدت نفسي في هذا الفراغ". بأسلوب مؤثر يتسلل غريغوار دولاكور إلى داخل النفس البشرية، إلى جوهر الحياة، الأمومة، الحب، الأبناء والحياة الزوجية الهشة والعواطف المتقلبة غير المستقرة، متسائلًا هل بحث كل منا عن سعادتة الداخلية أم سيظل يطارد سرابًا ولا يفيق إلا بعد أن يفقد كل شيء، والأهم هو توجيه النظر إلى بقعة ضوء داخل كل إنسان، ليدمج مشاعر الرغبة في الحب والسعادة التي تتوهم سعادة إلى أن تتبين حقيقتها، والحب الذي يتوهم حباً إلى أن يظهر جوهره، ليبين لنا أن الحياة لا تبدو لنا كما نراها. بسمة علاء الدين
عن المؤلف

كاتب فرنسي من مواليد 26 يوليو 1960.
اقتباسات من الكتاب
لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.
سجّل الدخول لإضافة اقتباسيقرأ أيضاً
المراجعات
💬
لا توجد مراجعات بعد. كن أول من يراجع هذا الكتاب!






