تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب الصبية والسيجارة
مجاني

الصبية والسيجارة

4.0(٢ تقييم)٤ قارئ
ISBN
0
المطالعات
٢٬٤٤٩

عن الكتاب

ونحن نقرأ رواية "الصبية والسيجارة" للروائي الفرنسي بُونوا ديتيرتر، التي تصدر قريبا عن دار مسكيلياني للنشر، لا يسعنا إلا أن نتساءل بانبهار كيف خطرت له هذه التوليفة الروائية العجيبة؟ وعجيبة هنا بعيدة كل البعد من عجائبية أدب أميركا اللاتينية. يجمع بُونوا ديتيرار تناقضات القانون وشعاب المحاكم العبثية وانعكاسات برامج الواقع التلفزيونية على المجتمع وأخبار الشرق الأوسط وشعابه التي يسطر عليها رجال الدين من مختلف الطوائف، يصف لنا الروائي كل هذا وأكثر بأسلوب يجمع بين السخرية وجدية التحليل. تستند الرواية على حكايتين متوازيتين، حكاية السجين المحكوم عليه بالاعدام وحكاية الراوي الأربعينيّ ونتوهم في الفصول الأولى أن لا رابط بين الرجلين! لكن أول رابط لهما يتمثل في سيجارة يحلم السجين بتدخينها آخر مرة، قبل اعدامه ويحلم الراوي بتدخينها بحرية في الأماكن العامة. ثم يجمعهما رابط آخر، وهو تولي المحامية نفسها الدفاع عن كل منهما في قضيتين مختلفتين. مع مضي الرواية تبدو حكاية المتهم جونسون هي الأرضية التي يقيم عليها الكاتب روايته كي يسرد لنا الحكاية الأساسية، حكاية الراوي. الرجل الذي يفعل كل شيء في سبيل تدخين سيجارة داخل عمله، متحدياً القوانين ومتجرئاً على إعلان أكثر الأفكار أنانية في عرف المجتمع والآخرين، أي عدم حبه للأطفال وعدم رغبته في انجابهم...

عن المؤلف

بونوا ديتيرتر
بونوا ديتيرتر

بونوا ديتيرتر كاتب وروائي وصحفي وإذاعي وناقد موسيقي فرنسي، يكتب دوريّا في الفيغارو وباري ماتش ومجلّة "ورشة الرواية". تحصّل على جائزة ميديسيس سنة 2001 عن روايته "الرحلة إلى فرنسا"، وله "خدمة الحرفاء" س

اقتباسات من الكتاب

لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.

سجّل الدخول لإضافة اقتباس

يقرأ أيضاً

غلاف حياة في الإدارة

حياة في الإدارة

غازي القصيبي

غلاف الخيميائي

الخيميائي

باولو كويلو

غلاف الأسود يليق بك

الأسود يليق بك

أحلام مستغانمي

غلاف أحببتك أكثر مما ينبغي

أحببتك أكثر مما ينبغي

أثير عبد الله النشمي

غلاف حالات نادرة

حالات نادرة

عبدالوهاب السيد الرفاعي

غلاف الواضح في الإنشاء العربي

الواضح في الإنشاء العربي

محمد زرقان الفرخ

المراجعات (٢)

A-Ile Self-hallucination
A-Ile Self-hallucination
١٨‏/١٠‏/٢٠١٩
دراما مُحكمة وانهيار إنساني في كل مقطع أتجاوزه، كنت أطيل التأمّل في هذا العمل الذكي بشكل غير طبيعي. رواية محكمة بطريقة مذهلة، وشخوص ساخرة وحوارات مفعمة بالنقاء والصدق رغم ما تبديه من وحشية أحياناً. رواية قائمة على الفساد العالمي، قذارة المجتمعات الصناعية الكبرى، أخلاقية الإنسان المهدورة، والقوانين التي لا معنى لها، والتجمعات البشرية الآلية في تعاطفها. منذ أول صفحتين يُنبئنا الكاتب الفرنسي بونوا ديتيرتر بأننا أمام عمل شيق. رواية قائمة على معضلة سيجارة، افتتاح كامل من مسألة غير مهمة لينطلق إلى كل فساد الإنسان لاحقاً. في الرواية نحن أمام حكايتين، الأولى حكاية السجين الذي قتل رجلاً في الأربعين، وتم الحكم عليه بالإعدام، وله الحق أن ينفذ رغبته الأخيرة قبل إعدامه، وهي أن يدخن سيجارة، مما يتعارض مع قوانين السجن. يحاولون جاهدين منعه عن رغبته. سنقدم لك بكل سرور شطيرة همبرغر مع جعة مبردة.. قل لنا ماذا تريد قبل أن نغادر سيد جونسون. يحاولون إرضائه بأي شيء لكنه يأبى، ويتأجل إعدامه ريثما يحققون له رغبته. والحكاية الثانية لرجل موظف يدخن في الحمّام، تدخل طفلة عليه، فتتهمه بالتحرش لأنه كان قد أنزل بنطاله قبل أن يدخن، تشاهده على ذلك النحو ويضج المجتمع بذلك السلوك غير المهذب. ونتيجة صدقه في أرائه التي تتعارض مع قيم المجتمع، يصبح حاله القضائي سيئاً جداً. إنه لا يحب الأطفال، إلى درجة أنه لا يراهم كي يتحرش بهم. أنا لا أكرههم حتى! وإنما لا أراهم، لا يعنون لي شيئاً، ولا أكترث لأمرهم. هم في نظري يرقات بشرية، حيوانات صغيرة تفتقر إلى الأهمية. بين الحكايتين يصنع بونوا مفارقة درامية في ذهنية التلقي الاجتماعي والمؤسسات الواقفة وراء إدانة البرئ، وتبرئة المذنب. رجل لا يحق له التدخين بالقانون كي لا تتلوث رئات الأطفال حيث يعمل، فيلجأ كفأر صغير للاختباء في الحمامات كي يشعر بلذة التدخين، وللمصادفة تدخل فتاة وتتهمه بالتحرش. فينكره المجتمع والقانون ببساطة. إنها الصدفة الغبية التي أدانته. وعلى الجانب الآخر، قاتل يؤكد أنه مستعد لقتل أي رجل يتحرش بالأطفال، يحاول أن يُظهر ذاته بذكاء، إنه يفهم لعبة القانون الاجتماعي والأخلاقي، فينثر الورود بطريقة ليصنع جملة “تحيا الحياة” فيلقى تعاطف الجميع ويخفف حكم الإعدام إلى درجة التبرئة. مجرد ابتسامة منه تكفي لندرك أنه يحترم الحياة. لقد تحول القاتل إلى نمط إعلامي للطهارة والحرية والإنسانية. لعبة تغيير الواقع وفهمه وعدم الصدق معه. في معرض حديث المتّهم بالتحرش يقول للشرطيّة بمونولوج كارثي بصدقه وزيف العالم الخارجي، ورداً على موقف جونسون القاتل الذي أعلن في وقت سابق أنه غير نادم على قتل الرجل: أنا أرى أن الرجل الكهل، رجل الأربعين أو الخمسين، هو أكثر من يستحق المساندة، بسبب الطريقة التي يزدريه بها الجميع. إنه لا يزال يحب الحياة، ولكنه يشعر بأن المنية تقترب؛ يظن، بما لديه من ملكات ذهنية، أنه في أعلى درجات الاقتدار. ولكن رئيسه في العمل ما ينفكّ يفكر في التخلص منه. في كل مكان، ثمة أشخاص أكثر يفاعة ينتظرون الحلول محله. زوجته السابقة تعتبره مزعجاً ثقيل الظل لا يصلح إلا لدفع نفقات الطعام. أبناؤه فلذة كبده، يجدونه متخلفاً تماماً عن العصر. أما سكرتيرته، فتترصد أدنى ابتسامة جانبية لتتهمه بالتحرش الجنسي وتجعله يدفع الثمن.. في حياته كل شيء قد بلغ أوجه وكل شيء بصدد الانهيار. إنني لا أرى رمزاً من رموز المجتمع الحديث أشد هشاشة منه. موقف المتهم بالتحرش ينطلق من اعتبار أن الرجل الكهل ما زال يمتلك كل الحياة، بينما الأطفال والنساء والشيوخ، باعتبار المجتمع الحضاري ينظر لهم على أنهم كائنات ضعيفة فيجب التعاطف معهم وحمايتهم، ليس سوى نوع من تبرير الغباء الاجتماعي الذي يهبط بمنطق الحس السليم إلى مرحلة ازدراء الذات. أنا لست ضحية مؤامرة، بل ضحية تراكم للغباء تراكماً طبيعياً. العمل مصنّف كديستوبيا تنبؤية لأحداث ستجري بعد صدور الرواية بسنوات، من الحالة الإرهابية التي انتشرت في الشرق الأوسط للمتشددين دينياً والقتل أمام الكاميرات. لكن ما أعجبني بالعمل ليس تنبؤيته، إنما الدراما النقدية للعالم الصناعي المتطور والقوانين التي تجعلنا بطريقة ما أشد غباءً وجهلاً في الحياة. كيف نفكر وكيف نتحرك؟ ما هو المسموح وما هو الممنوع؟ لماذا يجب أن ننزع لموقف جمعي؟ أين فردانية الإنسان وحريته الشخصية؟. الدراما البسيطة والذكية في العمل، ارتقت بالرواية إلى مصاف نقد معاصر من طريقة الحياة. كم هو ممتع عندما تقرأ هذا الكم الساخر من قوانين العالم الحضاري. هشاشة القضاء. غباء المجتمعات. سخافة الأطفال وميوعتهم تحت اسم بناة المستقبل. والأهم كمية الظلم عندما تكون صادقاً في مشاعرك وأفكارك. مشكلة البطل أنه كان صادقاً إلى درجة لا يمكن لأحد استيعابها، مشكلته أنه ليس مجرماً ولا متحرشاً، إنه فقط يقول ما يؤمن به: كل ما لديّ لأقوله لكم، يا أصحاب المخاط والبلادة الصغار، يا كومة اليرقات المنذورة للهباء، كل ما أدّعي توضيحه لكم، يا زمرة العيال القذرين المدمنين على التلفاز حد التخمة، يا من تنفذ إلى دواخلكم كل الحماقات التي تُحقن بها آذانكم، بتواطؤ من آبائكم. كل ما أريد أن أجعلكم تفهمونه، أيها الأقزام المساكين، يا من يحسن بكم أن تنكبّوا على اختباراتكم تنجزونها على مقاعد الدراسة، في انتظار أن تُعطى لكم الكلمة، وأن ترفعوا الأصابع ليُسمح لكم بذلك، وأن تُعاقبوا بسبب قذاراتكم وأن تجازوا على الجيد النادر من أفعالكم. كل ما لديّ لأقوله لكم، هو أنني لم أكن قادراً البتة على لمس هذه البلهاء الصغيرة أماندين، ولا الأربعة العشر الآخرين، لأنني لا أعرف شيئاً أقل أهمية من طفل. فأنتم بالنسبة إليّ لم ترتقوا بعد إلى منزلة الكائنات البشرية، وإنما ما تزالون حيوانات صغيرة لا أريد الإساءة إليها مطلقاً، طالما تظل في زرائبها ولا تفسد عليّ حياة البالغين التي أحيا، وهي أصعب وأثرى وأعقد من حياتكم إلى أبعد الحدود، وحتى حين تكون حياة فاشلة فهي أجمل في مأساويتها من جميع إيماءات الرضع لديكم. بالنسبة إليّ أنتم غير موجودين، الزغاليل الأربعة عشرة لا وجود لهم، أماندين لا وجود لها. باختصار ليس لديّ ما أفعله بهذه الحمقاء الصغيرة. ما آل إليه بطل العمل هو ببساطة لأنه غير منافق، لأنه صادق وصادم وجرئ في التعبير عن عدم اهتمامه بالأطفال. إنه لا يراهم. حرية العالم الحضاري وفردانيته التي يتبجح بها، تقوم على تعبيرك عن مدى ما يجب أن تكون جزء من القانون وليس خارجه، حتى وإن لم تؤذي أحداً. لا يجب أن تقول عكس ما يجب أن يكون. بونوا يشرّح تفاهة الحضارة الغربية ومجتمعاتها الصناعية بقوة لا نظير لها. هذا العمل مذهل بطريقة لا توصف.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٣‏/١١‏/٢٠١٧
ونحن نقرأ رواية "الصبية والسيجارة" للروائي الفرنسي بُونوا ديتيرتر، التي تصدر قريبا عن دار مسكيلياني للنشر، لا يسعنا إلا أن نتساءل بانبهار كيف خطرت له هذه التوليفة الروائية العجيبة؟ وعجيبة هنا بعيدة كل البعد من عجائبية أدب أميركا اللاتينية. يجمع بُونوا ديتيرار تناقضات القانون وشعاب المحاكم العبثية وانعكاسات برامج الواقع التلفزيونية على المجتمع وأخبار الشرق الأوسط وشعابه التي يسطر عليها رجال الدين من مختلف الطوائف، يصف لنا الروائي كل هذا وأكثر بأسلوب يجمع بين السخرية وجدية التحليل. تستند الرواية على حكايتين متوازيتين، حكاية السجين المحكوم عليه بالاعدام وحكاية الراوي الأربعينيّ ونتوهم في الفصول الأولى أن لا رابط بين الرجلين! لكن أول رابط لهما يتمثل في سيجارة يحلم السجين بتدخينها آخر مرة، قبل اعدامه ويحلم الراوي بتدخينها بحرية في الأماكن العامة. ثم يجمعهما رابط آخر، وهو تولي المحامية نفسها الدفاع عن كل منهما في قضيتين مختلفتين. مع مضي الرواية تبدو حكاية المتهم جونسون هي الأرضية التي يقيم عليها الكاتب روايته كي يسرد لنا الحكاية الأساسية، حكاية الراوي. الرجل الذي يفعل كل شيء في سبيل تدخين سيجارة داخل عمله، متحدياً القوانين ومتجرئاً على إعلان أكثر الأفكار أنانية في عرف المجتمع والآخرين، أي عدم حبه للأطفال وعدم رغبته في انجابهم... ونحن نقرأ، لا نستطيع سوى التعاطف مع هذا البطل الكافكاوي بامتياز، ولئن كان بطل كافكا في رواية "المحاكمة" ضائعاً في متاهات المحاكم بتهمة مجهولة، فالراوي هنا "تُركب" له تهمة عبر سلسلة من التلاعب بالكلمات وتشويه الحقائق، قائمة على شهادة طفلة صغيرة، تشاهده بالصدفة يدخن سيجارة داخل حمّام الشركة! وبدلاً من انتهاء الموقف بتفسير بسيط أو اعتذار، تتحول المسألة إلى قضية تحرش بطفلة صغيرة! يتفانى الراوي الذي يظل مجهول الاسم على امتداد الرواية، في تقديم حججه المقنعة عن حقه البسيط في التدخين، في الحرية المتمثلة في حركة اشعال سيجارة في أي وقت وأي مكان يشاء. كما يسهب في وصف مشاعر نفوره من الأطفال الذين حولهم المجتمع إلى "ملوك" يجتاحون عالم الكبار ويسيطرون على الأماكن العامة حتى وصل بهم الأمر إلى اجتياح الشركة التي يعمل فيها، حيث خصصت لهم البلدية مساحة كبرى كحضانة ومكان للعب. كما يقدم حججه التي تبرر عدم رغبته في انجاب الأطفال رغم زواجه منذ ثلاث سنوات. صحيح بأن عدم الرغبة في انجاب الأطفال مسألة شخصية، لا تُعتبر في حد ذاتها جريمة يعاقب عليها القانون، لكن نظرة المجتمع تحاكم سلباً الفرد المُتمرد عن السائد، وهذا هو الفخ الذي سيقع فيه صديقنا الراوي. لكن لنعد إلى البداية، إلى انطلاقة حكاية "ديزيري جونسون"، هذا السجين المحكوم عليه بالاعدام في فرنسا المُشكّلة من جنسيات مُتعددة والمتصالحة في الظاهر مع تنوعها الاثني، ثم تنكشف عنصريتها في هذه القضية. بحيث يكفي أن يوجد رجل أسمر بشعر جامييكي من سكان العشوائيات، كي تُلصق به تهمة قتل شرطي، حتى لو لم يعترف فعلياً بالجريمة وإنما كرر بغباء ولامبالاة بأن الشرطي يستحق القتل. تتشكل عقدة هذه الحكاية عند تعبير المتهم عن رغبته الأخيرة في تدخين سيجارة قبل أن يُقاد إلى كرسي الاعدام. وإن بدت رغبته هذه بسيطة وسهلة التحقيق وفقاً للفصل 47 من قانون العقوبات الذي يسمح بتحقيقها، إلا أنه وفقاً للفقرة 176 من النظام الداخلي للسجن يُمنع منعاً باتاً التدخين داخل السجن. وهذا ما كشف ثغرة في القانون أجّلت إعدام المُتهم، ثم أنقذت حياته بعد عفو من الرئيس الذي تابع على شاشة التلفزيون عملية اقتياده لكرسي الاعدام وجمعه للوُرود وتشكيله بها جملة "تحيا الحياة"، قبل أن يدخن ما يفترض بأنه سيجارته الاخيرة. وهكذا، لن ينجو جونسون من الاعدام فحسب، بل سيتحول بفضل الجماهير والاعلام، إلى صاحب تأثير في الرأي العام. إذن، لدينا شخص ينفذ بحياته بسبب سيجارة، وآخر يفقد حياته المثالية بسبب رغبته المستميتة في كسر الحصار وتدخين سيجارة في مكان عمله. ففي تلك الأثناء، سيُدخن صديقنا الراوي سيجارته في حمّام الشركة وينسى إغلاق الباب لتفتحه -لسوء حظه- طفلة، وتجده جالساً يدخن وبنطاله عالق بين ساقيه... وبدلاً من صرفها بلطف، ينعتها بالحمقاء، وبدلاً من شكوى عادية تقدمها أمها، تتحول القضية بين ليلة وضحاها إلى اتهامه بالتحرش بالصغار. وهكذا تكبر كرة الثلج حتى تجرفه وتنهار حياته الرائعة والمثالية، وينتهي به الأمر في السجن وبعدها في نقطة حدودية بين سوريا ولبنان. وهناك، عند الحدود، وتحت اشراف كاهن، يتم تسليمه لمجموعة متطرفة أطلقت برنامج "أكاديمة الشهداء" في الانترنت، حيث يتسابق الرهائن على الاجابة عن الاسئلة والحصول على تصويت الجمهور كي لا يتم اعدامهم. يُسلّم الراوي في عملية مبادلة أراد فيها أن يفدي حياة رهينة أخرى. فعل هذا في حركة يائسة أرادها أن تكون مؤثرة في الجمهور العريض من مشاهدي البرنامج، وأرادها أن تكون شبيهة بحركة جونسون حين شكّل بالزهور أمام كاميرا الأخبار جملة "تحيا الحياة". قرر صديقنا المقامرة بحياته وبآخر اوراقه، فلا فرق بين جحيم السجن حيث التصقت به تهمة مغتصب الصغار، وحيث عانى من مضايقة زملائه المسجونين وخسارة عمله وحياته الاجتماعية، وبين موت محتمل في صحراء عربية. تكفي سلسلة من الحماقات البشرية والتصرفات الساذجة، كي تنقلب الأمور رأساً على عقب، ويتحول المجرم إلى ضحية، والانسان المكتفي بفردانيته إلى مُتحرش بالصغار. يوظف بُونوا ديتيرتر، التفاصيل، بمهارة في لعبة روائية مُزدوجة. فحكاية جونسون كشفت لنا تناقضات المجتمع الفرنسي وعرّت العنصرية والأحكام المُسبقة الموجهة نحو المهاجرين، كما كشفت دور الاعلام في الترويج لبعض الأشخاص بهالات مبالغ فيها وتسهيلهم لصعود نجوم مزيفين كجونسون والمحامية قليلة الذكاء ماريان باتاكي. كما يصور ديتيرتر، الفرنسي والأوروبي عامة، ضحية لفردانيته ورغبته الانانية في الانغلاق على نفسه. فالراوي متزوج من لطيفة المصرية، لكنه لا يحدثنا عنها إلا كسجد مثير وشريك له في رؤيته للحياة، ولا ينصاع لرغبتها حين تريد انجاب طفل. كما يكشف الكاتب جشع الشركات الكبرى، مثل شركات التدخين التي تقدم الملايين والمحامين وكل ما يمكن أن يعزز وضعها في السوق، إلى درجة عرضها تجهيز غرفة للمدخنين داخل السجن كي يتمكن جونسون من تدخين سيجارته الأخيرة. هذه الرواية مربكة وعميقة في الأفكار التي تطرحها، أفكار تولد أسئلة عن فردانية الانسان وحرية اختياره لأكثر قراراته ذاتية.. وإلى ان يمضي بنا العالم؟ وكيف يمكن فعلياً تصويب مسار الاشياء؟ فالعدالة ترفو بثوب مليء بالثغرات، والاعلام أعمى. لكن الرواية في المقابل تقدم لنا بونوا ديتيرتر، صاحب الصوت الساخر والكافكاوي، الذي يعرض لنا أفكاراً تمسنا جميعاً، ولا يتردد في التعبير عنها بأسلوبه الخاص، بصوت مرتفع وواضح!