تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب عائلة جادو: نص النصوص
مجاني

عائلة جادو: نص النصوص

4.0(١ تقييم)٢ قارئ
عدد الصفحات
٤٣٣
سنة النشر
2017
ISBN
0
المطالعات
٥٢٥

عن الكتاب

بدأ كل شيء سريعًا كطيف، ثقيلاً وضاغطًا ككابوس، تحررت من بطء الوقت، لأسير وفى يدى رسالة: فلتجد كارل ماركس، وفى قلبى مهمة: اقتله. لكنى انتهيت كدرويش فى حضرته، بعدما رأيته رأى العين، حيًا، دافئًا، يضخ بالدم. عرفت كلماته التى يرغب فى أن تقال، لمست ذقنه وشددته منها، عارضته، وأحببته، وشربنا البيرة والنبيذ الغإلى والحشيش الرخيص المغشوش بهواء ألفقر وحبوب الترامادول المسحوقة. سبّنى بأمى وبادلته السباب، تناجينا وتعاركنا بالأيدى كطفلين. سمعت منه نفيره وبيأنه إلى الناس، وغنينا الأغانى المبتذلة الحلوة فى الحواري. فى نص يبدأ بمهمة إيجاد كارل ماركس لقتله، يخوض القاتل رحلته جنبًا إلى جنب مع ضحيته، والذى يصبح دليل نجاته ونجاة عائلته "عائلة جادو" من مصير ألفناء المحتوم. فى رحلة يحركها مقتل أجنبى ينتمى إلى حركة توحيد الماركسية الناجية أو حتمن، لإنهاء ما أسموه "الشتات الماركسي". أسئلة عديدة يطرحها النص، الذى يستخدم فيه الكاتب أحمد ألفخراني، تقنية الكولاج والتوليف، ليحأور النصوص الرئيسية المؤسسة للمعرفة، فيصبح الطريق إلى كوميونة باريس هو طريق الطيور فى منطق الطير، ليخلق نصًا متميزًا، داخل واقع فانتازى وعبر بنية روائية لافتة للنظر.

عن المؤلف

أحمد الفخراني
أحمد الفخراني

أحمد الفخرانى روائى وصحفى مصرى مواليد 1981 الإسكندريةتخرج من كلية الصيدلة جامعة الإسكندرية قبل أن يعمل فى الصحافة منذ عام 2007 فى صحف:البديل-أخبار الأدب -الشروق -المصرى اليوم-دوت مصرأسس موقع قل ويعمل

اقتباسات من الكتاب

الحيوان كائن عاقل، الإنسان جرثومة أرسطو

— أحمد الفخراني

1 / 10

يقرأ أيضاً

غلاف في كل قلب حكاية

في كل قلب حكاية

أحمد الفخراني

غلاف مملكة من عصير التفاح

مملكة من عصير التفاح

أحمد الفخراني

غلاف سيرة سيد الباشا

سيرة سيد الباشا

أحمد الفخراني

غلاف ماندورلا

ماندورلا

أحمد الفخراني

غلاف سيرة سيد الباشا

سيرة سيد الباشا

أحمد الفخراني

غلاف ماندورلا

ماندورلا

أحمد الفخراني

غلاف بار ليالينا

بار ليالينا

أحمد الفخراني

غلاف إخضاع الكلب

إخضاع الكلب

أحمد الفخراني

المراجعات (٢)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٣‏/١٢‏/٢٠١٧
أخشى الروايات كبيرة الحجم، وأخشى على مؤلفيها. بمجرد أن أمسك برواية طويلة تحاصرني أسئلة من قبيل: هل هناك حكاية لا تمكن روايتها إلا في هذا العدد من الصفحات؟ هل هناك فكرة لا يمكن الإمساك بها في كتاب رحيم بمعاصم الضعفاء والمسنين؟ ألم يكن من الممكن قسمة الحكاية أو الفكرة على كتابين أو أكثر؟ ربما تنبع هذه الأسئلة من انحياز مضمر لرف من الروايات القصيرة الفاتنة، مثل «الجميلات النائمات» لكاواباتا: «المسخ» لكافكا: «الموت في فينيسيا» لتوماس مان: «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه» لماركيز، و«امتداح الخالة» لماريو فارغاس يوسا، ومن روايات العرب يمكن أن نضع على الرف نفسه عدداً لا بأس به من الروايات، بينها «صخب البحيرة» لمحمد البساطي، و«عائد إلى حيفا» لغسان كنفاني، و«تلك الرائحة» لصنع الله إبراهيم، ويمكن لقراء آخرين بالطبع أن ينحازوا إلى روايات أخرى من تلك الصغيرة المحكمة التي تتمتع بما يسميه يوسا: «فتنة الحبكة». ربما، هذا ما يجعل كاتب الرواية الطويلة محل إشفاقي. ينزل إلى الميدان، متنازلا عن «فتنة الحبكة» قبل أن يبدأ؛ فحتى لو نجح في تحقيق هذه الفتنة، ستكون غير مرئية، مثلما لا يمكننا أن نرى كروية الأرض عندما نقطعها في سيارة من أدناها إلى أقصاها، لهذا فإن تقديري لدأب وجدية أحمد الفخراني، الذي عرفت خطواته المبكرة جداً، لم يمنعني من البدء في قراءة روايته الجديدة «عائلة جادو» بالإشفاق والشكوك والأسئلة ذاتها، خاصة أن الكتاب الذي يقع في 440 صفحة يحمل عنواناً فرعياً «نص النصوص» وسيعرف القارئ، عندما يتوغل في النص، أن هذا الوصف التقريظي سيرد في المتن، كأمنية للراوي البطل. - الفكرة وضدها أول ما يواجهه القارئ، في نص النصوص، مفتتح: «بدأ كل شيء سريعاً كطيف، ثقيلاً وضاغطاً ككابوس، تحررت من بطء الوقت، لأسير وفي يدي رسالة: فلتجد كارل ماركس، وفي قلبي مهمة: اقتله». يبدو هذا الاستهلال كما لو كان صوت الكاتب، ولن يتركنا نعرف بدقة هل هو مع ماركس والماركسية أم ضدهما، ولن يتركنا للتخمين، إذ يصرح في المفتتح نفسه بهذا المعنى: «تعلمت شيئا أو شيئين من رحلة العثور على ماركس، أن الاتجاهات كالموت محض خدعة؛ فكل شيء يحيط بكل شيء». وهذه العبارة تقريباً هي سر الرواية، الآيديولوجيا محض خدعة، الديمقراطية محض خدعة. الخوف هو الحقيقة الوحيدة في هذا العالم! مع بداية الفصل الأول يستمر ضمير المتكلم، ولكن على لسان راو بطل مما يضع احتمال أن يكون ضمير المتكلم في المفتتح هو صوت البطل نفسه؛ «رزق» الذي أكلت القراءة عينيه فاستخدم النظارة الطبية، ومع ذلك فهو بلطجي، ابن غير شرعي لزعيم العصابة «نخنوخ الهواري» يعمل قواداً لديه على أمل أن يرضى عنه ويعترف يوماً بنسبه. يشير الراوي إلى الأب نخنوخ بلقب «مولانا» وهو مثل قادة المافيا، لا يظهر إلا مروياً عنه، وعن قصره الأسطوري، عن عشقه للقاصرات، وعن علاقاته الوثيقة بالسلطة. عالم عنيف، وحشي ولا يخلو من نسمات حنان، من شأنه أن يعجب جان جينيه لو كان حياً. وربما لن يكون العنف وحده محل إعجابه؛ لأن الرواية تلبي شرطاً فنياً يحبه جينيه، وهو أن تضرب كل فكرة سابقتها وتمحوها. وتقوم السخرية بدور كبير في المسعى الهدام الذي تنتهجه الرواية، جنباً إلى جنب مع تطور السرد الذي يتسع لكل شيء ونقيضه، وحيث يتجاور الشعر مع سوقية العالم التحتي. كل شيء يحيط بكل شيء، والاتجاهات محض خدعة. البحث عن كارل ماركس وأفكاره خدعة وسخرية أخرى، لا يخلو أتباعه المجانين من العنف، وهم ينشدون الخير مخلصين، وغير أكفاء. عالم محكوم باللاجدوى، تسخر فيه الرأسمالية المتمكنة من البشر والأفكار، بينما تنفتح سراديب التعذيب الشرطية على مثيلتها لدى مولانا نخنوخ، حيث القهر سلعة متداولة ورائجة لا يسلم منه حتى رزق البلطجي، الذي يدير دفة السرد، وابن المافياوي المخيف؛ إذ يعاني آلام حب مجهض مع زوجته ابنة عائلة جادو التي انتزعها منه حماه وأجبرها على فراقه، حتى بعد أن يموت جادو يظل حكمه بالتفريق بين الزوجين الحبيبين قائماً. - إقناع المباغتة في عالم مخيف وقاتم يمكن لجريجور سامسا أن يستيقظ فيجد نفسه صرصاراً. هذه المباغتة التي أقدم عليها فرانز كافكا وصدقها القارئ في واحدة من الروايات الصغيرة «فاتنة الحبكة» نجدها كذلك في النص الطويل «ألف ليلة وليلة» ولم نتوقف أمام سؤال المعقولية في مواجهة مسخ كافكا أو عفاريت ومسوخ ألف ليلة، وكذلك ليس لنا أن نسائل «عائلة جادو»؟ يباغت الفخراني قارئه بعالمه المخيف القاتم والعجيب في الوقت ذاته. نرى صخب الجماهير التي تهتف «هركليز... هركليز» حماسة لعبد المولى؛ المصارع المعجزة الذي يقول رزق إنه أوجده من العدم، ويدعي أنه جلبه من موريتانيا عبر رحلة شاقة إلى مدينة مسحورة، بينما هو في الحقيقة جلبه من المطرية (حي عشوائي شمال شرقي القاهرة). ليس من الضروري الذهاب بعيداً من أجل اختراع أسطورة، وليس لدى القارئ الوقت ليسأل عن سر تميز عبد المولى، فالمصارعة مثيرة ووحشية لا تنتهي بهزيمة المنافس بل بموته الذي يطلق نشوة الجمهور، النشوة التي رفعت القاتل غرونوي بطل العطر إلى مستوى القداسة، هي نفسها التي تجعل بطولات هركليز حقيقية. المخيف هو المسلي، هذه هي حقيقتنا قبل أن يلبسنا العيش في المجتمعات قشرة الحضارة التي يبدو التخلي عنها أسهل مما نتصور. غريزة الموت تسيطر في «عائلة جادو» بما يلائم ما يجري في الواقع العربي الآن، حيث تنهزم الأفكار والأشعار، ولا شيء يردع أو يكبح جماح عنف الفاعلين والمتفرجين على السواء. حياة عبد المولى هي جائزته التي يحصل عليها كل مباراة، وهو مجبر على ذلك مثل الكثيرين من المنخرطين في لعبة العنف الدائرية: عليه أن يقتل أحدهم كل ليلة لكي يعيش، أما رزق الابن غير المعترف به والحبيب المحروم من حبيبته لأسباب واهية، فجائزته هي العثور على ماركس، وسيمضي في حضرته كمريد في حضرة شيخه، يجتازان معاً مدناً وقلاعاً مسحورة، ونطلع على ماركس آخر، يصف البروليتاريا بالقذارة، يؤدي التحية النازية، ويهتف مستنهضاً عديمي الموهبة: يا مديوكرز العالم اتحدوا! - تواريخ ليست أقل دموية تخترع الرواية تواريخ بديلة لما عاشه العالم. في تاريخ مختلف فر ستالين، واستطاع التسلط على غابة يقطنها جهاديون إسلاميون، وعاونه تروتسكي، ثم سرعان ما انقلب عليه وذبحه، وعلق رأسه في الغابة كي يصير عبرة، وأعلن نفسه خليفة! لكن الفنتازيا لا تخلو من علامات طريق واقعية. الأب الغامض «نخنوخ» يحيل إلى اسم يعرفه المصريون جيداً، فلم تزل قضية «صبري نخنوخ» ماثلة في الأذهان، الذي نسبت الصحف إليه بعد سقوطه فظاعات ترقى لمستوى الفنتازيا، كما كتبت عن علاقاته بالأمن على مدى سنوات طويلة، كما تأتي إشارة إلى باحث أجنبي يموت في صندوق عربة القواد ويلقى به على جانب الطريق، كإحالة واضحة إلى مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني. علامات الطريق الواقعية تجعل فنتازيا الرواية مقبولة ومقنعة، ليتفرغ الكاتب لاقتراف مكره الفني في المزاوجة بين غرائبية الأساطير القديمة وغرائبية التكنولوجيا، بعد أن صارت المسافة بين الخرافة والعلم الحديث متناهية القصر، وكلاهما: الأسطورة والعلم في خمة العنف والتفنن في اقترافه. عنف له تاريخ، في الأحداث التي تصفها الرواية، والأفكار العنيفة، حيث تلتقي أفكار النازية والمستقبلية والداعشية مع أشعار الكتائب المسلحة. ثقل المصير تقابله خفة فنتازية تذكرنا بالحيل اللطيفة في ألف ليلة: العفريتة تتطوع بنقل الحبيب من بغداد إلى القاهرة، وحبة الرمان تتحول إلى وحش. في «عائلة جادو» سنرى كيف تتحول «زاوية النجار» إلى روما، ونرى تروتسكي جالساً على عرش من ذهب، يرتدي جلباباً أسود وعمامة مزينة بريشة ذهبية، وسيشترك عبد المولى في قتال تروتسكي، ويصعد ماركس ورزق إلى قلعة الحشاشين، وعندما يهم بعناق حسن الصباح، يكتشف أنه ليس سوى صديقه إنجلز، وقد بنى قلعة تحاكي قلعة الحشاشين. وعبر رحلة يكابدان فيها الأخطار ومصارعة أعداء يتحولون في لحظة إلى وحوش تنبت أطرافها المبتورة في لحظة، يصلان أخيراً إلى الفردوس، وعند اجتياز البوابة يدرك رزق أنه لم يذهب إلى أي مكان، ولم يكن ما عبره إلا حديقة قصر مولانا «نخنوخ». يمكن أن تكون «عائلة جادو» حلماً طويلاً، كابوسا إن شئنا الدقة؛ فالرعب هو الشعور الذي يمكن أن يخرج منه قارئ الرواية، وبرغبة في إيذاء الذات، أو بأمل في ألا يكون الواقع هكذا، يمكن أن يعاود القراءة مجدداً.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٣‏/١٢‏/٢٠١٧
أنت الآن محاصرٌ بالجثث في مكانٍ متجهم لا نافذة له ولا باب. وسط هذه المقبرة البشرية المسكونة، التي تحوي أبشع المناظر المحتملة، وأكثر الروائح الخبيثة نفاذًا، ستمتد يدٌ ما من العدم لتهديك نص النصوص: "عائلة جادو". هذه هي الأجواء الميتافيزيقية التي تحيط بك وأنت تطالع هذه الرواية الملحمية الفذة للروائي أحمد الفخراني، بكل ما فيها من تحولات وانعطافات بل وحوادث عاصفة، تقودك في النهاية إلى الكنز النفيس: الوعي. في هذه الرواية الصادرة عن دار العين (القاهرة، 2017)، تطالع عبر 433 صفحة من القطع المتوسط ملحمة الخوف إذ يعانق الفلسفة. وبلغةٍ سردية رشيقة يلعب فيها الحوار دورًا حاسمـًا، وإيقاعٍ للتلقي يسمح بقراءة النص حد الاستغراق فيه، وبتكثيفٍ يُحمِّل النص أوجه تأويل ومقاربات متنوعة، يأتي الروائي بعمل إبداعي متماسك، لا يخلو رغم تراجيديته ودمويته من تعليقاتٍ وعبارات تدفع إلى الابتسام. ببساطة، حملق أحمد الفخراني في وجه بلاده، الآن وفي المستقبل، ثم كتب رواية سوادوية بامتياز. رواية بها الكثير من التسجيل والإدانة عبر صورة متخيلة لمستقبلٍ لن ينجو فيه -ولا منه- أحد. بلغة السارد العليم وتعدد الضمائر، يقدم الفخراني عملًا روائيـًا رفيع المستوى، ورحلة تغوص في أغوار النفس الإنسانية، بكل تشوهاتها ولحظات جبروتها وضعفها، ليقدم لنا الرواية الأكثر صعقـًا في عام 2017. رواية عن بشر وكائنات "كلما اقتربت أرواحهم من اليأس من الحياة، ظهر جوهرهم اكثر" (ص415). إنها رواية يتماهى فيها الواقعي مع الغرائبي، والخيالي مع الواقعي، تأتينا على لسان "رزق" تاجر العبيد، مالك بطل رهانات المصارعة الشعبية "عبدالمولى" الشهير باسم "هركليز"، الذي يزعم "رزق" أنه أتى به "عبر رحلة شاقة إلى مدينة مسحورة في موريتانيا"، في حين أن "الحقيقة غير ذلك. اشتريته ببساطة وأنا على مقهى في المطرية، أدخن الشيشة، واخترتُ جسده من بين آلاف الأجساد والأسعار بعملة الإنترنت المشفرة" (ص 12). هذه التوليفة الغنية من الأفكار والأماكن، أفسحت طاقاتها لحركة الشخصيات، سواء الأساسية أو الثانوية، وحتى المحكي عنها، لتقدم أنموذجـًا سرديـًا قائمـًا على مرجعيات الزمان وتداولها ما بين ماضٍ وحاضر، وهي تتشابك مع عناصر الحكاية في سبيكةٍ واحدة. في رحلته وحديثه عن مشقة الوجود، يقدم لنا الفخراني الذات بلا رتوش، ويدلنا على ذواتٍ متوازية متشظية، تاهت في سراديب العنف البشري والأسئلة الوجودية والماورائية. إنه يميط اللثام عن "تلك الكراهية المصبوغة بزيف المحبة، هي روح كل العائلات" (ص 81). رائحة الخوف في كل صفحة، إذ نطالع: "أنظر إلى كنزي المخبوء، وأفكر في الرجل الذي كان يسأل بأدب: "هل تقبل أن تكون عشائي؟" أفكر لِمَ تحركتْ الضحايا إليه طواعية؟ أي غواية؟ هل يمكن لوم رجلٍ قدم عرضه دون إجبار؟ يُخبرهم أنه بأكلهم يحتفظ بجمالهم حيـًا داخله. وأفكر: أي فارقٍ بين الغواية والإجبار؟ سوط اللذة أم سوط العقاب؟" (ص 60- 61). وهو يطاول في مقارباتٍ لماحة ذات السؤال الأزلي الذي يطارد البشرية المعذبة في تناوب أفراحها وأتراحها: كيف نتحمل عذابات الوجود؟ الإجابة كامنة، يمكن استقراؤها من تضاعيف النص، ومن خلال متابعة تلك المعادلة العصيّة على التوصيف، وهي معادلة الحياة بلا معنى والموت بلا ثمن. فهو يُنبهك إلى أنه "لا يمكن أن تعرف أثر الموت إلا على الوجه المحطم للنساء" (ص 72)، ويتحدث عن تجربة غسل الميت "جادو"، فيقول: "أدخل. جسده مسجى في وداعة. هذا الجسد لا يلوم أحدًا" (ص 74)، قبل أن يقرر "لا فائدة من قتل الموتى.. فليس لديهم ما يخسرونه" (ص 416). يجنح الفخراني في روايته إلى تكثيف الحضور الحميميّ في قلب اللحظة المناسبة عن طريق آلة الاسترجاع المشحوذة دائمـًا بقوةٍ غامضة. وهو يترك شخصياته تخوض صراعـًا قاسيـًا لا يلين، يشبه لعبة مدمرة ترمي الخاسر في جوف العتمة. اتسمت شعريّة الكتابة في النص الروائي على مستوى التعبير والتشكيل بقدرٍ عالٍ من التماسك، وهو ما لا يمكن تحقيقه بسهولة في نصٍ تشتبك فيه المسارات والخطوط بدرجةٍ معقدة أحيانـًا. لغةٌ لا تشبه غيرها من حيث تكوينها الفسيفسائي القائم على التلوين والتعشيق والتكثيف. لغةٌ تشتبك مع القارئ وتهز وعيه وتفتح له أبواب رؤية تعبيرية ثرية يتعزز فيها المعنى ويتجسد. براعة الوصف تتجلى بدون تقليدية، وإنما تشف عنها أوصاف السلوك لا الملامح، كأن يقول عن الشقيقات "ليلى، جيهان، سارة": "الثلاث يتمتعن بكرامة ونبل الشقاء في العينين. والولد تائه في صراط مستقيم، لا يدخن، لا يسهر، لا يسكر، لا يشرب المخدرات، ولكنه كذلك لا ينبغ ولا يطمح ولا يشتهي" (ص 73). هنا عالمٌ كاملٌ من التواطؤ، ينطلق من ثنائية القهر والخضوع، الأمن والفساد، وسط تساؤلات محيرة حول المعلوم والمجهول، بل برزخ الصحوة والمنام، حتى أن المعادلة السردية في مساراتها التفصيلية قريبة الشبه بحالة السرنمة الوجودية الوجودية التي نعيشها بواقعية تجعل اللا معقول.. معقولًا. إنها رواية تقول لك إن أجمل ما في الحياة أن تخيط شباكـًا من الأمل فوق بحرٍ من اليأس. البطل هنا منكبٌ على ذاته، متمترسٌ فيها، يُمشّطُ شَعْرَ الشياطين ويُغنّي، قبل أن يبدأ رحلة ملاحقةِ كائناتٍ أسطورية، تعدو بسرعةٍ خارقة وضراوةٍ مخيفة، كأنما لم تروضها الأقدار. مطاردة تحبس الأنفاس، تحت شمسٍ حارقة اسمها الحقيقة، حيث لا وجود لشجرةٍ أو ظل، إلا عند خط النهاية. وأنت كقارئ تتابع ما يدور أمامك على شاشة هائلة، تستحسن الأكاذيب، ثم تخشى أن تكون وقائع. هكذا ستستمتع وتفزع من هذا الكابوس، الذي لن تنساه ما حييت. وحين تطالع أحداث الرواية، تشعر كما لو أن الراوي يقول لك: "من المفترَض أنْ يكون هذا سرًا، ولكن لا أستطيع أنْ أُخفيه". وأنت تنزع الأشواك الدامية من قدميك.. وتتبعه! الألم يتراكم ويتراكم كقوس قُزح، وأنت تلتهم الصفحات وتتحرّق شوقـًا لمعرفة الحقيقة أو بلوغ النهاية. تحفل الرواية باستعاراتٍ ورموز ودلالات ذكية وإشارات سيميولوجية، وصور وحالات ومشاهد مشبعة بالالتباس والغموض، تعكس واقع نصٍ يتكئ على الخيال. استثمر الكاتب هنا مواهبه في الرواية والشعر، وكأنه خلق حالةً مسرحية، مسرحها في الهواء الطلق أكثر مما هي في قاعات مغلقة. الإحالات شاهد ثقافي مهمٌ، من الإشارات إلى "عواء" ألن غينسبرغ (ص 29) وكلمات رامبو (ص 27)، و"مراد بك" وزوجته "نفيسة البيضاء" (ص 18-28) مرورًا بشخصية "عبدالمولى" القريبة الشبه من بطل فيلم Gladiator (ص 14)، والباحث الأجنبي الشاب الذي تعرض للتعذيب، قبل أن ينتهي به الأمر جثة ملقاة في مصرف (ص 29)، وصولًا إلى "قضية عبدة الشيطان" في قصر البارون إمبان في تسعينيات القرن العشرين (ص39)، ومقال "الحل البرازيلي" الذي رآه البعض دعوة لتصفية أطفال الشوارع جسديـًا أسوة بالبرازيل (ص76-77)، وتطبيق فكرة "الحل النهائي" (بمدلولها النازي المميت) "على الماركسيين المتخفين والظاهرين واللاماركسيين المسممة قلوبهم بهراءات الماركسية" (ص 99-100)، وتسريبات إدوارد سنودن موظف وكالة الأمن القومي الأمريكية السابق (ص 50). منذ البداية تحضر شخصية كارل ماركس، فهو يقول: "كارل ماركس لازال حيـًا، كالضجيج وعضة الناموس وعواء الكلاب الضالة في الليل، خافتـًا كأعمدة الإنارة الذابلة، وكأكياس تطير في الهواء إلى اللاشيء" (ص 7)، كما يشير إلى أن "الروائيين صاروا أكثر شيوعـًا من فقراء الماركسيين" (ص 43)، و"جرثومة ماركس لا تموت" (ص 46)، وهو يحكي على لسان الجلاد "حمزة القسيوني": "لو كارل ماركس اعترض على عبدالناصر، كان هيبقى مرمي هنا زي الكلب" (ص 52)، ويذكّرنا بـ"كوميونة باريس"، جنة الماركسيين المزعومة" (ص53)، ويروي لنا كيف "صفق ماركس مع الحشد مؤديـًا معهم التحية النازية المضحكة" (ص 294)، قبل أن يسأل ويقرر "كيف نشفى من طاعون ماركس؟ أمل الفئران" (ص 46). أما خاتمة الروائي، التي تتقدم بآيات الشكر والعرفان إلى قائمة طويلة من الشخصيات والأعمال الإبداعية من بينهم رامبو وفريد الدين العطار وحنة أرندت وإريك فروم وجاك دريدا، فلا تنسى أيقونة العمل ومحوره: "وإلى كارل ماركس طبعـًا" (ص 436). في قصره الفخم، يتسلى "مولانا" "نخنوخ الهواري"، والد "رزق" وهو "يسأل عن أفضل طلبات القتل التي وردتنا" (ص 43) باعتبارهم قتلة محترفين. إنه "رسول النزوات الذي لا يرغب في الشهرة" (ص 55) ، أو القاتل المأجور و"منسق الانتخابات السري، مُعري المعارضين في الصحراء" (ص 55)، الذي سنبحث عن مصيره الغامض في فصول لاحقة. كأنه صراعٌ على امتلاك كل شيء، ولو على حساب خيانة الذات. تعامل أحمد الفخراني بوعي شديد وحرفية كبيرة ومهارة مع فكرة المزج بين السينما والتاريخ، مع إسقاطاتٍ سياسية نابهة، وظل في هذا كله وفيـًا لبراعة اللغة الشعرية، والجُمل القصيرة المكثفة/ محافظــًا على الترابط الفني ووحدة الحدث وعدم تفرعه لأحداثٍ ثانوية لا تفيد. ساعد ذلك على جريان الأحداث على نحوٍ انسيابي بدأ من اللحظة الأولى بشكل يجمع بين العنف والهدوء، فأنت ترى معه الدم والتوحش كأنه مشهدٌ مألوف غير منفر، وهذا يُحسّب للروائي بشكل كبير. الهدوء والبساطة، حتى في لحظات التوتر والخوف، أمرٌ غير يسير، لكن الفخراني يضخ في دمك كل الأدرينالين المطلوب لتقرأ وأنت تشعر بما هو أعمق من مجرد العنف أو التوحش. ومن واقع الحركة أو الصراع تتحرك الأمور وتراوغك المفاجآت والصدمات. هناك صورٌ موسيقية رائعة لحركة وأصوات أبطال العمل الأساسيين والثانويين، مثل القاصر المحيرة "نورا" في كل تجلياتها الأولى والأخيرة (ص 399)، وكلمات عبدالمولى الأخيرة "بلغت تمام قوتي، ولا شيء أمامي سوى الفناء" (ص 394)، إضافة إلى موسيقى حقيقية مثل "البلاك ميتال" (ص 40) و"الدانوب الأزرق" لشتراوس (ص 42). يسكب البطل ماء همومه في حوض هموم الآخرين، وهو يجسد لنا الهوية الضائعة، وأنين الذات الجريحة، مع استلهام التراث الشعبي والتاريخي حينـًا، والمراوحة بين الماضي والحاضر والوقائع والرمز حينـًا آخر. يقول: "لا أتذكر طعم الهواء الحقيقي قبل أن أقرر أن التبغ هو أفضل وسائل التنفس، السجائر عظيمة، لأنها تجعل موتك على حسابك الشخصي، ولا تحمل في طريقك إليه حقدًا تجاه أحد. رغم ذلك نحن منبوذون. سنطارَدُ يومـًا بالحصى في الأزقة، وسنُحتَجز في مشافي عقاب" (ص 16). قرب النهاية بقليل، ينعطف النص الروائي بنا في اتجاهٍ آخر نحو سلسلة من الأحلام والكوابيس، تتكشف فيها تفاصيل مهمة عن شخصيات الرواية وأفكارها ومشاعرها. كواحدةٍ من مفاجآته وغرائبياته التي لا تنتهي، يشهد البطل السارد اللقاء الأخير بين "ماركس" وزوجته "جيني" عند بوابة الفردوس، قبل أن يسمع صراخ "ميخائيل باكونين" وعناده: "سأاجد الجنة"، وسؤاله الختامي للشاعر "دانتي" صاحب "الكوميديا الإلهية": "بأي ذنبٍ استحققنا الجحيم؟" (ص 433). يفتح الروائي هنا مظلة اللغة الشاعرية على فضاء إنساني أكثر اتساعـًا، مع إشارات فلسفية تحمل القارئ على التأمل واستعادة ومضات معينة في هذه الحكايات المتشعبة. الرواية عند أحمد الفخراني ليست فكرة، بل معنى شامل وبناء متكامل، وتحذير أخير لمن شاء، وهو هنا يُضفِّر رأيه عن الموت والحياة في سلاسةٍ مفزعة، تستحق القراءة والدهشة معـًا.