إصدار الهيئة المصرية العامة للكتاب سلسلة الجوائز 37صدرت في سبتمبر الماضي رواية زادي سميث الأخيرة «عن الجمال» وقد أصبحت زادي سميث في فترة قصيرة جدًا من أهم الكاتبات الإنجليزيات وهي لا تمثل فقط الجيل الجديد من الكتاب في بلدها بل إنها تمثل إحدي أهم الظواهر في عالم الأدب الإنجليزي اليوم وهي ظاهرة الكتاب الإنجليز التي تأتي أصولهم من المستعمرات القديمة. فوالدة زادي سميث من جاميكا. اشتهرت زادي سميث بشكل كبير منذ صدور روايتها الأولي (أسنان بيضاء) التي حصلت علي جوائز عديدة والتي تحدثت فيها عن ثلاث عائلات إنجليزية من أصول عرقية مختلفة.
تدور أحداث روايتها الأخيرة في الولايات المتحدة حيث درست لفترة في جامعة هارفارد ولكن يبدو أن الحظ والدقة اللذين يلازمانها عادة هذه المرة قد خاناها حيث علق القراء الأمريكيون علي عدم مناسبة لهجة كل شخصية لسنها وخلفيتها الاجتماعية وزمن الأحداث. وكعادة روايات سميث السابقة فإن الشخصيات الروائية تأتي من أصول عرقية مختلفة وتلعب اختلافاتها هذه دورا في الأحداث. وبرغم الانتقادات التي وجهت للهجة المستخدمة في حوارات الرواية إلا أنها لا تنتقص من مهارة تصوير الحياة في الجامعة وحولها ولا من جمال العلاقات المتشابكة والشخصيات الغنية في الرواية.
بدأن أحد فصول الكتاب بمقولة إليان سكسري"إن تشويه العلاقة بين الجامعات والجمال أو التقليل من شألنها,هي خطأ يمكن الوقوع فيه,إن الجامعة واحدة من بين أهم الأشياء التي يمكن تدميرها"
كان الكِتاب يعرض فلسفة زادي سميث عن الجامعة وعلاقتها بمن فيها,عن العلاقات الشخصية شديدة التَعقيد داخل الجامعة وتأثيرها علي الدراسة بشكل أو بآخر,عن تداخل الحياة الشخصية مع المعرفية كانت تتَحَدَث,وكانت تعرض فلسفتها عن الزَمن بأن الزمن ليس هو ما نَعرِف ولكن الزمن هو ما نشعر به
وعرضت فلسفتها الحياتية وفي ثنايا الكِتاب مُلاحظات قيمة عن المرأة منها فكرة "أنا نفسي لم أستطع أبداً أن أفهم معني المُساواة بين الجنسين,أنا أعرف فقط أن الناس يدعونني منادين بالمُساواة,عندما أقوم بالتعبري عن مشاعر وأحساسي تميزني عن ممسحة الأرجل التي تُوضَع أمام الباب"
"إنه حقيقي أن الرجال يستجيبون للجمال وهذا لا ينتهي بالنسبة بهم,وهذا يتعلق بالجمال كحقيقة طبيعية في العالم"
"في بنات الجيل الجديد
هل مازلن يردن أن يكن مرغوبات بهذه الشدة ؟
هل ما زلن يجوعن أنفسهن,ومازلت يقرأن المجلات النسائية التي تكره النساء بمنتهي الوضوح,ومازلن يقطعن أنفسهن بسكاكين صغيرة في اماكن بعيداص عن العيون المُتَرَقِبة,ومازلن يُزَيفن شعورهن بالوصول إلي الأورجازم مع رجال يكرهن,وما زلن يكذبن علي الجميع عن كل شئ"
في بداية فصل"عن الجمال والخطأ" قال مُقتبِسَة عن مارك دوتي"
قال بول :حينما أقول إنني أكره الزمن فكيف يمكن أن نجد أعماق الارواح الصاعدة !"
وسأحاول هنا أن أوضح أبعاد بعض شخصيات الرواية
كانت نظرته دوماً إلي الفنان رامبرانت تختلف كثيراً عن نظرة مونتي..فلقد كان يري رامبرانت جزء من الحركة الأوربية في القرن السابِع عشر وجزء من الفكرة الإنسانية بشكلِ عام....وكان يُعبر عن رأيه في مثحاضراته المُختلفة عن رامبرانت الذي لم يكسر القواعد ولا كان مُبدِعاً ولكنه كان ملتزم بالأعراف والتقاليد,كان ينظر له علي أنه مجرد حِرَفي كفء يرسم كل ما يطلبه زبنائه الأثرياء,فالجمال هو القِناع الذي ترتديه القوة وذلك ليعيد صياغة علم الجمال بإعتباره الاستثناء للغة النقية والعالية القيمية,وكان يُحاضر دوماً مُتَشَكِكَاً في الافكار حول الإنسانية المُتَحررة مما يعرف باسم الفن وأعلن أن الفن هو الخرافة الغربية والتي نُعَزي أنفسنا بها وكان بذلك مُساوِقاً للفنان اللغز بيكاسو عندما قال"الفن هو أكبر كِذبة,يبدو أنني أعيش وآكل الخبز بغفلة الآخرين"
وفي نفس الوقت واضِعاً سيف من حديد علي رقبة "الفن للفن" النافية للأحكام القيمية عن الفن ذاته والتي عبر عنها العبقري أويكار وايلد بقوله المُنَمَق"الحياة خُرافة الحقيقة الوحيدة هي الفن" والفيلسوف المُرهَف الحِس إرنست كاسيرر عندما اعتبر أن الفن هو الهدف الوحيد في الوجود
وكان يعتقد أننا نحن البشر بشكل أو بآخر مركز الكون أو مَوضَعنا أنفسنا كذلك حسب مركز التفكير الذي نضع نفسنا فيه وذلك حسب إحساسنا الجَمالي !
ولكن هاوارد نفسه كانت لديه مُشكلة في الاعتراف بالجميل وكل ما علي وزن الإعتراف بهبة الله للعالم او أي شئ له علاقة بعطاء الرب نحو العالم,علي حسب تعبير إحدي تلامذته كانت تقول"هناك أساتذة للأدب والفلسفة والدراسات الإنساننية تختلف توجهاتهم وتتضارب المركز والأساس في كل ما يريدون إيصاله للآخر هو التُفاحة هناك من يحاول إفهامنا من أين أتت التفاحة ولماذا ؟ وهناك من يحاول تبرير وجود التفاحة,وهناك من لا يهتم إلا بكيف نتعامل مع التفاحة,أما هاورد فهو ينكر وجود التفاحة أصالةً ويميل إلي تبريرات تتعلق دوماً بالخدع والانماط التي يخترعها الإنسان أو يتصور بانها موجودة مثل الحب ولكنها في الأصل ليست هناك بل هو صوت نفسه الخادع الأثيم,وكان نتيجة لذلك يكره طقوس عيد الميلاد لإرتباطاتها الدينية في ذهنه...
كانت علاقته بكلير مالكوم دوماً جدلية فكان في الكلية بعد فترة الشباب والحماس العاطفي لم يلتقيها لمدة سنة كاملة ونجح في التَهرب منها,ولكنه كان دوماً في عقله الثاني علي حسب تعبير باولو كويلو_ تُمَثِل له هاجِس خَفي لا يعترف فما إن رآها في الحفل حتي تَأججت مَشاعره مرة ثانية وشَعر بإثارة جنسية من مجرد النظر إلي قوامها المُدهش ومؤخرتها المُتنَاسقة,وكان يحاول دوماً الهرب من تأثيرها عليه وحضورها القوي الذي لا يُقَاوَم,وكان يتذكر دوماً تسللهما المُستمر إلي البقاع الخفية حتي يُمارسان الجنس المحموم وهي كانت تتذكر ممارستها الجنس مع وارن التي تنتهي دوماً بدموع الإحساس بالذنب !وكان يقوم بالتفريغ عن مَشاعره نحوها بالمناقشات الثقافية التي تدور بينهما تدور غالباً ووجهة نظر كلير أن الأفكار الكبري الأصيلة لا تُقَارَن بالحيتان الكبيرة والرؤساء البائسين والمسرحيات الهزلية التي تُمَثل قمة الكوميديا السوداء في العالم,فما يلبث أن يبدأ في الصياح مُتَظاهِراً بالدفاع عن موقفه الفِكري,مُنكَمِشاً من عُضوه المُنتَصِب وسط مُغازلاتها له !
وكانت كلير مُهتَمة بالبانتوم وهو الشكل الشعري الذي استعمله فيكتور هوجو وهو الاصلب من الشعر المالاوي,وهو عبارة عن شكل من الرباعيات المُتَصِلَة ببعضها وقافيتها تتوالي بالشكل التالي أن يكون السطر الثاني والرابع من كل مقطع شعري ينتهي بنفس القافية والأول والثالث أخري.....وكانت تُحاول أن تُعَبر عن فلسفة مُتحررة بأن يختار كل شخص الوضع المُناسب له...
كان في بعض الأحيان يُرَدد بداخله
"لا تمش أمام العربات,اهتم بنفسك,لا تجرح نفسك,لا تجرح أي أحد,لا تَعِش بطريقة تحسب فيها أنك ميت ولا تخن نفسك ولا أحد آخر,اهتم بمن يهمك أمره"
كانت هواجسه الجنسية مُمتدة في علاقته بكيكي زوجته ومحاولاته اليائسة في ممارسة الجنس معها وإستعادة حيوية العلاقة من جديد و كانت علاقته معها علاقة شديدة التعقيد فهو مُهتم بالكتب علي نحو هستري,وهي مهتمة بالسياسة,هو تنظيري وهي واقعية,كانت تُسمي الوردة وردة وكان هو يدعوها بتراكب مُركبات بيولوجية وثقافية تدور حول أعمدة الأقطاب المُشتركة والمثتَجَاذبة في براعة الطبيعي
كانت كيكي امراة زنجية سوداء واعترض والد هاوارد علي فكرة زواجه منها
كانت تشعر بالإمتنان أنها غير مُثَقفة,كانت تنظر إلي حال إبنها جيروم في حالة من الهَذَيان المُنَمَق وفقدن القدرة علي التعبير عن أفكاره,كلما تسع المعني تصيق العِبارة فكان يجلس وحيداً مع أوراقه يخط نصوص مُقطعة هذيانية علي الوزن النيتشوي....
وكانت تَري دائِماً أنه من الخطأ أن تَصطنع وصلة تَصل حبل وزريدك بهذا العالم البائس فلن يشعر العالم بالإمتنان علي وثوقنا به وكانت تري عكس إبنها جيروم أن الحب هو الواقعية المُتناهية في الصعوبة !
كانت تنظر دوماً إلي أُسرتها نظرة بسيطة مليئة بالحب وكانت دوماً تُردد في أعماقها ان هذه الأسرة ستصبح أفضل وتتقدم لو يبكون بعيون نظيفة,وينظرون إلي الضوء القادم !
قال لصديقتها يوماً "الحقيقة وجه واحد من وجوه الوجود كما هو الأمر في كل شئ,ونحن النساء نعرف أن الوجوه مليئة بالمعاني,وأما الرجال فأنا أعتقد أن الله وهبهم نعمة التظاهر بان هذا غير حقيقي "
كانت تتعذب من فكرة الكبر في السن والتقييد المُصاحِب لذلك فكانت نفسها تهجس كل حين بتصور أن الأبناء كلما أصبح الآباء والأمهات اكبر سناً كلما يريدون لهم أن يمشو في خط مستقيم وأيديهم مُثَبَتَة إلي جانبهم كالوَتَد
وكانت بقية هواجس هاوارد الجنسية تدور حول
كلير الفاتنة أو حتي التلميذة المُثيرة "فيكتوريا" فكان دوماً يطرح تساؤلات عن معني الجنس ولماذا في الأصل يعني لدينا الكثير,لمذا يُهرَع رجل ثلاثيني عاقل مع عضوه المُنتَصب إلي الحمام ليداعب زوجته ويَتحَسس جسمها البَض الطَري هل لأنه يريد أن يلمس شيئاً,ولماذا أصلاً نفتقد للجنس,هل نحن نفتقده أو نفتقد شئ آخر يثقب أرواحنا فننغمس بعيداً في مُحاولات يائسة لسد الثقب الذي لا يًغلق ونُصارع الحياة في سباق محموم,وهل الجنس يعني كل شئ,ولكن كانت بعض أفكاره غير مُنطَبعة في نفسه الإنطِباع الذي يُعبر عن نفسه في صورة إنفعال عملي فلقد كان موقفه الفكري رافضاً تماماً لفكرة الأفلام الجنسية ومع ذلك كان يتم إغوائه بمنتهي السهولة من تلميذته فيكوريا اللعوب !
وأما جيروم الابن فكان واقع حتي أذنه في حب الفَتاة المُدَللة للعائلة الأًخري ابنة "مونتي" كان تائِهاً في عالم من اللامَعقولية وفًقدان المَعني حتي وجد ضالته في فيكترويا وعائلتها بأفكارها المُختلفة تماماً عن البيئة والأفكار التي نشأ فيها..فسمح لطريقة عائلة كيبسي أن تَستَولي علي جَنباتِ نفسه كُلِيَةً سامِحاً للأفكار أن تتدفق..دخل في دوماة من الأفكار واعتبر عندها أن تعدد الثَقافات حِلم إنساني أحمق,كانت أفكارهم مُحَافِظة في عالم الفكر,كان الفن عندها بالنسبة له ولهم عالم نخبوي لا يَفهمه إلا الخاصة فالن هبة من الرب ويجب أن يبقي في المتاحف ولا يَخرج لأيدي العامة المُلَوثة بالخُرَافة,والأدب سيطر عليه قِناع أيدلوجي يساري عاقل !
كان والده دوماً ينظر إليه نظرة مُصَاحِبة لهاجس جنسي كان يري أن ابنه ذو الجسد الضئيل لا يَقدر علي ممارسة سوية للجنس,وأنه سيتحطم علي صخرة الواقع !
كان سَماعه لموتسارت طَقس عائلي لا يفوته أبداً فيجلس في خشوع تَقوائي ليستمع وما تلبث عيناه أن تَمتلئ بالدموع !
كان جيروم من المُعَذّبين في الأرض الناظرين دوماً إلي السَماء,كان يُحاول دوما الإرتقاء إلي أعلي وهذا النوع من النفوس الكسيرة,التي لا يُداويها طَبيب,تظل دوماً تُحاول الإرتقاء بقلب مُهتَرئ وعقل لا يتوقف عن إنتاج الأفكار المحمومة
كان من النوع المُنعزل,من الشخصيات الإنقباضية الذي لا يعرف من البشر الكثير ,ولكنه حين يَثق بأي أحد يُلقِي أحمال سفره عليه في ثقة سَاذَجة تنتمي إلي العالم المِثالي,كان يُحاول السيطرة علي كل شئ فيغدو مُسَيطَرَاَ عليه,يربط دوماً بين كل شئ وبين المُطلق فتتداخل الرؤية وعندما يثق بأي شخص يثق به كأنه المُطلق وما يلبث أن يتحطم علي صخور الوقع المؤلم
دارت العديد من أحداث الرواية حول العلاقة بين هاوارد ومونتي
كان لقاؤهما دوماً يعتمد علي المُراوغة,وكانت المشاكل التي تدور في أروقة الحرم الجامعي بينهما كلما خبَت أُثِيرَ ما يُبقيها مُتقدة للأبد...
فكان هاوارد صاحب النظريات الفنية المُتَطرفة وكان مونتي مثقف مُحافِظ وكانا يعملان كل واحد علي حدة علي كتاب عن الفنان رامبرانت وأَلَفَ مونتي كتاباً ناجحاً وَزَعَ آلاف النسخ منه وحقق ضجة مُنقطعة النَظير...وكانت اوراق كتاب هاوارد ما زالت تحت تطور التأليف...
وكان مونتي دوماً يتهم هاوارد والجامعة بتحيزها مع الفكر الليبرالي ضد الأفكار المُتَحفظة واليمنية وكان يري أنها يجب أن تكون مؤسسة مُحايدة
كان مونتي يردد دوماً ان الليبراليين يعتبرون المُحافظين يدافعون فقط عن أساطير حمقاء في الكتب المقدسة ولكن في الحقيقية هم أيضاً علي الجانب الآخر يُدافعون عن أساطيرهم الشخصية التي اخترعوها وصَدَقوها !
وكان مونتي دوماً يقتبس قول سارتر"نحن لا نعرف ماذا نريد,ومع ذلك فنحن مسئولون عما نحن عليه,وهذا هو الواقع"
كانوا يختلفون في مسألة الحرية العَقائدية..فكان مونتي دوماص يدافع عن الحرية العقائدية ضد السيطرة الفاشية والعلمانية فكان يُدافع عن الطُلاب المسلمين حينما طالَبوا بمكان لإقامة شعائرهم الدينية
وكان هاورد يعتبر ذلك دفاع أرعن عن المسلمين انفسهم وكان يري أن الطلاب مُطالَبون بالتعبري عن احتياجاتهم الدينية خارج الجامعة....
وكانوا يختلفون علي موضوع الشذوذ الجنسي فكان مونتي يعارض الشذوذ وبشدة ويعتقد أن الدولة والجامعة يجب ان تُدافشع عن المسيحيين الذين يعارضون موضوع الشذوذ من الأساس ,وعارضه هارورد الذي كان يَتهم مونتي دوماً بأن هذه الأفكار شديدة الرجعية لدرجة انها لا تُناقَش أصلا !
وأما زوجة مونتي ...كارلين "مس كيبسي"امرأة بسيطة في الثالثة والخمسين من عمرها..والدة فيكتوريا كانت دوماً متحيرة بين مقولتين إحداهما بيت شعر كانت دوماً تردده "يوجد مَأوي لكل واحد منا عند الآخر" ويسري الدفء في أوصالها وبعدها ترتجف عندما تتذكر مقولة سارتر الأثيرة "الجحيم هو الآخرون"
كانت مُنعَزلة نوعاً مُنكَمشة في الإجتماعات الكبيرة ولكنها صديقة مُخلصة إلي حدِ بعيد وكانت الي جانب ذلك سيدة مسيحية مُحافِظَة
ولوحتها المُفَضَلة هي لوحة "العذراء السوداء" إلهة الحب العذري وتمثل الحب والنقاء والجمال....
و من أولاد هاوارد "زورا" وكانت فَتاة مُثَقَفةمُجتهدة بشكل كبيروحققت نجاحات دِراسية فريدة من نوعها و كان رأي البعض بها أنها تفتَقِر بشكل شديد لِعنصر الإبداع المَطلوب طلب مُلِح في مجالها الأدبي وكانت تسعي دوماً لصورة مُتَصَوَرة في ذهنها عن الفتاة البوهيمية الغامضة الجذابة الذكية المُثَقفة وفي نفس الوَقت المُتَحَررة...وذلك نفس الحِلم القديم الذي كان يراود صفوة الفتيات المُثَقَفات في مصر أيام السِتينات..فترة الوُجودِية وسارتر والصُورة النَمطية المُتَخَيَلَة عن الفتاة المُثقفة المُتَحِررة التي لا تترك السيجار الفاخر من يدها علي طريقة الفاتنة سعاد حسني....!
فكانت حياتها تتراوح بين المكتبة والجامعة والمنزل وحمام السباحة والغذاء الخفيف
كانت علاقتها بكارل علاقة مُتَقَطِعة فكانت دوماً من ناحية تُحاول إبهاره بمعرفتها بالموسيقي الكلاسيكية وهو يحاول الحديث معها عن نمط الهيب هوب الذي يَعشقه...
وأيضاً هناك ليفي ابن هاوارد ..كان ليفي دوماً يسبح في خيالاته الخاصة مُتَصَوراً نفسه يُمارس الحب كزهرة برية...كان يحاول ان يجد ذاته في صراعاته والمسيرات في الدفاع عن هاييتي وفي سبيل ذلك فعل الكثير..وكانت فلسفتهوكان يعتقد دوماً ان تُزَاحِم معناه أن تحيا,الحياة هي الحركة والإحتكاك والإصطدام !
ومن شخصيات الرواية
أرسكين وزوجته كارولين
كانوا يقودون فكرياً مركز الدراسات السوداء,كانت سوداء جميلة
أَنيقة,جذابة,ولكن مع كل ذلك هاوارد لم يتخيلها في أي وضع جنسي وكانت من
النساء القلائل التي لم يَفعل معهن ذلك...
بالنسبة له كانت مسألة أخلاقية كان غير قادر تمامً علي تَور كيف يكون
الأمر,كانت حولها هالة معينة تمنع تصور ذلك برغم إنفتاحها الجنسي وكبريائها
اللامحدود !
ولكنها مع ذلك كانت تُحيط نفسها بحاجز ثلجي قاسِ لا يَنفَذ إليه أي أَحد..ولا
يُسمح لأي كائِن كان أن يُميز مشاعرها الحقيقية
وكانت مُحامِية مشهورة....
والطالبة كارتين أرمسترونج التي كانت دوماً تحاول أن تكون شيئاً يُذكَر فكانت تحضر دروس تاريخ الفن والأدب بإنتظام بين دراستها المحمومة سعياً وراء أهداف هي أصلاً لا تدري كُنهها وبين عقدتها الطبقية الأصيلة التي تُنَفِس عنها بين الحين والآخَر....
((رؤية صحيفة تشرين حول الرواية))
في (عن الجمال) تنهل سميث من تجربتها في أميركا؛ حيث أقامت عاماً أو يزيد للدراسة هناك. وتلقى أصداء طفولتها في شمال لندن بظلالها على بعض أحداث الرواية التي تحكي عن مدينة كبيرة في الشاطئ الشرقي من أميركا، بوسطن وتروي قصة عائلتين تجدان نفسيهما في رواية جميلة من أميركا (هاورد بيلسي، ومونتي كيبس) عائلتين بعيدتين، ومتباعدتين، متناقضتين كلياً من حيث الأفكار السياسية وما يرونه خطأ وصواباً.. وكيف ينظرون إلى بعضهم للبحث عن أنفسهم، والتحولات الكبيرة المرافقة لهما.
تجدان نفسيهما وما يرونه خطأ وصواباً.. وكيف ينظرون إلى بعضهم للبحث عن
أنفسهم،
والتحولات الكبيرة المرافقة لهما..
تجدان نفسيهما رموا معاً في زاوية جميلة من أميركا، تشرع بينهما حرب ثقافية
وشخصية،
تؤدي إلى اشتباك بين العائلتين المختلفتين بشكل جذري، تتكون العائلة الأولى
ذات القيم الليبرالية، والمنزل الفوضوي المليء
بالثرثرة الحيوية لأطفالهم الثلاثة (جيروم: الأكبر الذي يكافح من أجل أن يكون
مؤمناً في عائلة ملحدين صارمين،
روزا: التي تعتقد أن المثقفين يستطيعون تعويض كل شخص،
ليفي: المراهق الذي يبحث بعد السواد الأصيل، ويعاشر عصابة من المهاجرين
الهايتنيينن)،
من زوجين انغرست حياتهما وثقافتهما في الكفاح المدني، وثورة الطلاب
في ستينيات القرن المنصرم، وصعود الثقافة
الأكاديمية، هاورد بيلسي الأب 57 عاماً، أكاديمي إنكليزي، أبيض، يعلم تاريخ الفن
في كلية فنون نيو إنجلند) المتحررة،
عانى طويلاً في ولينغتون، ويحاول كتابة نص عن الفنان الهولندي (رامبرانت)
وزوجته الأفريقية الأميركية السوداء كيكي.
يناضلان من أجل إنقاذ زواجهما بعد إقامة الزوج علاقة غرامية مع إحدى زميلاته
في العمل بعد ثلاثين سنة من زواج
قام على الحب والعاطفة إلى أن أصبحت العلاقة بينهما مليئة بالشكوى والإحباط
والخيانة.
فكيكي سمنت وترهلت وتحولت إلى رتل من الشحم، ولم تعد تثيره كما كانت سابقاً..
أما العائلة الثانية ذات المنزل الثري المنظم كأنه عمل تجاري، فهي يمينية متطرفة،
ومتزمتة،
تتألف من الأب مونتي كيبس وزوجته كارلين وابنتهما الجميلة فيكتوريا....
في (عن الجمال) تسلط سميث الضوء على أزمة الانتماء التي يعيشها المهاجرون
وتحاول رسم صورة للتعددية
الثقافيةالأميركية والمقارنة بين الوجود الأميركي الأسود المرفه نوعاً ما
(الهجين في الحياة الأميركية) وبين أبناء
الطبقة المسحوقة،
من السود الفقراء التعساء في هاييتي الذين يعيشون في عالم مليء بالإجحاف
والفاقة والجريمة والإرهاب،
الذين يعملون أعمالاً غير مناسبة (مسح الأحذية)، في محاولة منها لإبراز وربط
العلاقة
بين الثروة والجاه الأميركي،
بالفقر والتشرد الذي يعيشه الهاييتيون، ذلك البلد الذي لا يسمع به به الأميركيون
ولا يعرفون مشكلاته،
مع أنه لا يبعد كثيراً من أميركا، وترى أن إغناء جيل الهجين الأميركي
بالمعلومات الصادقة والحقيقة عن ماضي أهلهم
الشخصي ضرورة لابد منها في هذه الأيام، لتكون زاداً لهم في الأيام المقبلة.
يرى بعض النقاد أن الرواية إعادة لكتاب (منزل ها ورد) للروائي الإنكليزي
(أي. أم. فور ستر) فالكثير من أحداث القصة
مأخوذة مباشرة منها، مما يعطي القارئ إحساساً مزعجاً بأنه قرأها من قبل.
فالعملان على فكرة الالتصاق والتوتر
والخلاف الذي يشير لعالمين: محافظ وليبرالي يمثلان عالمين مختلفين تفرقهما
الأيديولوجيا.. بالمقارنة بين كتاب فور ستر،
وفي الوقت الذي يقوم به بتحليل العلاقات في داخل المجتمع الإنكليزي الإدواردي
في العقد الأول من القرن العشرين
وقبل أعوام من اندلاع الحرب العالمية الأولى، علاقات الطبقة والسلطة
والعدل الاجتماعي، لاسيما بين التيار المحافظ
والتيار الليبرالي، تتناول سميث الفروقات الطبقية بتقانة وذكاء، بطريقة عصرية
جداً
فتحاول رصد التحولات الكبيرة
في العائلتين، تلاحق ثورات الأبناء، وتصف ألفة الإخوة الذين هربوا لبرهة وجيزة بعيداً
عن السلطة الأبوية...
تحتفي بثقافة الشباب، وتفتح أبعاداً جديدة واعدة، تتحدى وتشكك في شرعية
التراتبية
الاجتماعية،
وتتفحص كيف تجعلنا الأفكار المسبقة حول الفن المتدني والراقي كموسيقا الراب
ورامبرانت عُمْياً
لا نرى جمال هذه الأعمال، بل إنها تجد الجمال في الراب والشعر الراقي على
السواء.
بمعنى آخر: الرواية هجاء اجتماعي حديث، جذاب وحاد، لكنه يعج بأصداء
تحن إلى عصر حيث كانت المشاعر الجياشة
والتحليل يعتبران ضروريين للعيش من خلالها تحيك سميث علاقات عائلية مدهشة
ومعقدة تتحكم فيها تغيرات سريعة
ودقيقة في المزاج.. وتقدم تحليلاً رائعاً للحياة العائلية ومؤسسة الزواج.. إضافة
لتقاطعات شخصية وسياسية،
نزاعات عرقية عالمية،
حماسة دينية، أزمات شخصية، خنق عاطفي، صداقة غير مرغوب بها، شعور
الندم،
سوء تفاهم، خيانة، موت،
تراث غير متوقع يحل سلسلة الأحداث التي ترى كل الأطراف أجبرت لفحص
الفرضيات غير المفصلية
التي تستند إليها حياتهم، نظرة صادقة في مكر الناس أيضاً
ولقد قام المترجم مفرح كريم بحذف العديد من الجمل والعبارات التي لا تتضمن
أي من التابوهات الثلاثة
المعروفة في الثقافة العربية، وإنما لأن لغة الرواية تعتمد في كثير من مقاطعها
علي الاختصارات ،
ولغة الإنترنت..
وعندما لم يجد مرادفا له في العربية قام بالحل الأسهل وهو الحذف..مثال ذلك
عندما ترسل الراوية
رسالة إلكترونية وتختمها بالحروف ASAP
وهي تعني (As Soon As Possible) فقد قام
المترجم بحذف الرسالة كلها رغم أنها اساسية في فهم النص. وهو ايضا يدفع
للتساؤل عن عدم
وجود مراجعة للنصوص التي تنشر.
الغريب أنّ الهيئة ترفض أن تقوم أي دور نشر عربية أخري بترجمة الأعمال
التي طالها التشويه،
وتعهدت بمواجهة قضائية مع أي دار نشر عربية ستقدم علي ترجمة كل
الأعمال التي أعلنت
أنها اشترت حقوق ترجمتها، ما يعني استمراراً في التشويه حتي إشعار آخر!