
حصن التراب
تأليف أحمد عبد اللطيف
عن الكتاب
تتناول رواية "حصن التراب" - وهي قرية إسبانية قريبة من غرناطة - مرحلة حرجة في التاريخ العربي والغربي: مرحلة سقوط الحضارة الإسلامية في الأندلس وما تبعها من نصب محاكم التفتيش وتعذيب المسلمين وتنصيرهم. ومن خلال عائلة محمد دي مولينا، يحيك المؤلف رواية أجيال تمتد على مدار ثلاثة قرون. تنطلق من قبل سقوط غرناطة عام 1492 وتنتهي بأزمة أفراد العائلة الذين وصلوا تطوان بعد التهجير وتجسدت أزمة الهوية: إذ طردوا من إسبانيا لأنهم مسلمون عرب واضطهدوا في تطوان لأنهم مسيحيون إسبان. ورغم أن المؤلف غاص في فترة زمنية بعيدة في التاريخ العربي، إلا أنه لا يمكن قراءتها بمعزل عن الواقع العربي الراهن خاصة بعد ثورات الربيع العربي وما آلت إليه الأحوال من حروب طائفية واضطهاد لفئات دينية ليس لها ذنب، مثل الموريسكيين تماما.
عن المؤلف

روائي ومترجم مصري من مواليد القاهرة عام 1978، وباحث في "جامعة أوتونوما دي مدريد" بإسبانيا. صدرت له قرابة عشرين كتاباً مترجًماً من الإسبانية؛ من بينها: "الذكريات الصغيرة" (2006)، و"البصيرة" (2008)، و"ث
اقتباسات من الكتاب
ثلاث عربيات ناضرات ذهبن لقطف التفاح في "جيّان" فوجدنه قد قطف: عائشة وفاطمة ومريم. قلت من أنتن أيتها الآنسات، يا سارقات حياتي؟ مسيحيات نحن وكنا مسلمات في "جيّان": عائشة وفاطمة ومريم. (لوركا، أغنيات شعبية) --------------- 29 من أوراق محمد بن عبد الله دي مولينا كوينكا/1502 3) اليوم، يا أبنائي، يتحقق ما تنبأنا به. اليوم ينقُض الملك الكاثوليكي عهده مع أبو عبد الله الصغير. اليوم يُخيّر المسلمون ما بين التنصير أو الرحيل النهائي قطعيًا. ما حدث في كوينكا منذ سنوات يحدث الآن في بقية الممالك الإسلامية التي سقطت. محاكم التفتيش التي انطلقت من كوينكا ستصل إلى الأندلس بأسرها. ما فات، مقارنة بما هو آتِ، كان تسامحًا. وما بين المُرَّين سيختار أهالينا هناك الأقل مرارة: التنصير. فالفقراء ليسوا من علية القوم كي يهاجروا، وليسوا من قادة الجيوش كي يجدوا مخرجًا. من اليوم، سيشهد إخوانكم في غرناطة وقرطبة وإشبيلية وقادش وجيان ومالقة مرارة الهزيمة. سيحرم عليهم أن يسموا أبناءهم بما يحبون، أن يأكلوا ما يحبون، أن يغنوا ما يحبون. من اليوم سيصيرون "المسيحيين الجدد". من اليوم، ستنصب لهم محاكم التفتيش كما نصبت لنا، ستعلق رقابهم في المشانق إن لم يأكلوا الخنزير، سيصومون رمضان سرًا، سيصلون في الخفاء. سيكتب عليهم، يا أبنائي، ما كتب على أهل كونكة من قبل: الصلاة للمسيح في العلن، والصلاة على محمد في الخفاء. يا أبنائي، عانقوا بعضكم بعضًا، فقد جاءكم اليوم الذي لن يعانقكم فيه أحد إلا من أجل قتلكم. 30 "نقر نحن قساوسة كنيسة كوينكا، في اليوم الأول من عام 1479، وبعد التحري والتحقيق، وبعد سماع شهادات الشهود، أن المدعو خوسيه إرنانديث، مسلم من عائلة كاثوليكية، ادعى كذبًا أنه عاد للكاثوليكية بعد صدور المرسوم الملكي بطرد المسلمين أو عودتهم لطريق الحق، وأننا تبين لنا بوسائلنا المتعددة أنه يصوم رمضان مثله مثل المسلمين. وبناًء على ما تقدم، ارتاحت ضمائرنا إلى أن الحكم العادل عليه أن ينبطح فوق اللوح الخشبي، وأن تُقيَّد يداه وقدماه من خلاف، وأن ينال التعذيب العادل بفصل أعضاء جسده عن بعضها حتى الموت. فلعل في العذاب تطهير لروحه الكافرة". (محاكمة خوسيه إرنانديث، كوينكا، 1479، لصيامه شهر رمضان). 31 من أوراق مانويل كارلوس بن مروان بن مريم بنت عبد الله دي مولينا (مانويل دي مولينا) كوينكا/1609 1) قالت أمي سنستحيل أحجارًا. سنستحيل بعد نصف ساعة من الآن. قلت لا أصدق. قال أبي إذن يجب أن نستعد. قالت أمي كيف نستعد. قال أبي بأن نختار جبلًا بعيدًا، بعيدًا شديد البعد. قالت أمي يمكن أن نكون أحجارًا في أي مكان. قلت لا أريد أن أكون حجرًا. قال أبي حجر الشارع ليس مثل حجر الجبل. صمتت أمي. قلت لا أريد أن أكون حجرًا. قال أبي حجر الشارع يستخدم للقتل. يستخدم للجرح. يستخدم للأذى. يستخدم للتبول عليه أو للاستنجاء به. قال أبي حجر الشارع يستخدمه الأطفال في اللعب. قال أبي حجر الجبل مصون. حجر الجبل ثابت. حجر الجبل مستريح. قالت أمي الحجر حجر في كل مكان. قلت لا أريد أن أكون حجرًا. قال أبي لا أريد أن أكون حجرًا في أي مكان. أريد أن أكون حجرًا في جبل. قالت أمي يمكن أن نختار نوع الحجر. قلت لا أريد أن أكون حجرًا. قال أبي أريد أن أكون حجرًا رخاميًا. قالت أمي أفضّل أن أكون جرانيتًا. قلت لا أريد أن أكون حجرًا. قالت أمي يجب أن تختار. سنستحيل حجرًا. قلت فلأكن حجرًا رمليًا. قال أبي كن جرانيتًا. قلت لا. قالت أمي الجرانيت يتألم كثيرًا. قال أبي الجرانيت يعيش كثيرًا ويحتمل كثيرًا. قالت أمي لكنه يتألم كثيرًا. قالت أمي الجرانيت لا يتفتت. الجرانيت ينقسم. قلت لا أريد أن أكون حجرًا. قال أبي فلتكن جيريًا. قالت أمي الجيري أفضل. قالت الجيري ليس صلبًا مثل الجرانيت ولا لينًا مثل الرملي. قال أبي أريد أن أكون رخاميًا. قال الرخامي صلب. قال أحب الصلب. قلت أريد أن أكون رمليًا. قبل انتهاء نصف الساعة انتقلنا للجبل. كان الجبل في النهاية قريبًا من البيت. كان الجبل يطل على كوينكا كاملة. كان الجبل هائلًا مثل اتساع العالم. كان جبلًا أو تلًا. لكنه كان مثل اتساع العالم. وكان يطل على بيوت منحوتة في الصخر. بيوت مثل الشبابيك تتطلع إلى العالم في استحياء. وقفت أنا في طرف. وقفت أمي في طرف. وقف أبي في طرف. شكلنا مثلثًا دون رغبتنا. وظل كل منا يرنو للآخر فلا يرى إلا ظلًا. كانت أمي ضئيلة جدًا. كان أبي ضئيلًا جدًا. لم أكن متأكدًا من أني أراهما. كان يهيأ لي أني أعرف مكانهما. أني أنظر في مكانهما وأتخيل صورتهما. لا أعرف إن كان يهيأ لي أم كنت أراهما بالفعل. لو كنت أراهما فقد كانا صغيرين مثل عقلة إصبع. لم تقل أمي ماذا بعد مرحلة الحجر. قالت سنستحيل أحجارًا. قالت وصمتت. قالت وتجادل أبي في نوع الحجر. قالت وأنا خفت من التحول. من الهجر. من العزلة. خفت من أن أكون محض حجر في جبل. محض حجر في بناية. محض حجر في مقبرة. 32 من أوراق مانويل دي مولينا كوينكا/1609 (2) في الجبل وقفت في مكاني. وبعد فترة ربما دقائق، ربما ساعات، ربما قرون، استحلت إلى حجر. كيف صار شكلي. لا أعرف. لا بد أني صرت مثل حجر، حجر أبيض مصفر. لا بد أن جلدي صار مفتتًا من أثر الرطوبة أو الماء. لكني بقيت من الداخل كما أنا. ظللت أرى. ظللت أسمع. ظللت أفكر، لكني توقفت عن الكلام كحجر. توقفت عن الجوع كحجر، لكني لم أتوقف عن العطش. لساني صار جافًا. ريقي صار صحراء. وذات يوم شعرت بقلق. شعرت بضجيج. وشعرت بهزة أرضية، أو بصاعقة من السماء. ركزت حينها واكتشفت وأدركت. كانوا يكسّرون الكتلة التي أنتمي إليها، الكتلة التي صرت أنتمي إليها. انتزعوا حجرًا من جواري، حجرًا ضخمًا كان يسندني، حجرًا كنت أتكئ عليه، حجرًا كان حافلًا بالحياة ورموه أمامي صريعًا. هل كان الحجر ابن عمي؟ رجلان ضخما الجثة وقفا بمواجهتي. وقفا منهكين. وقفا ينظر كل منهما للآخر ويتفوه بشتائم. شتائم موجهة إلى حجر أخرس. والحجر كان يتألم. سمعت الحجر يتألم. يتألم ويسب الرجلين بشتائم أعرفها. انتبهت حينها أني لا أرى إلا أمامي، أني أصبحت لا أمتلك قدرة النظر بجانبي. فقدت قدرة الالتفات للخلف. ثم جاءت عربة وحملت الحجر. حملته وحده. انتزعته من عائلته. عائلة ودّعها برفع نفسه قليلًا لأعلى. عائلة ينتمي إليها وأنا دخيل. دخيل على العائلة. ابن العائلة هجرها وأنا بقيت. بقيت كدخيل على العائلة. كان ذلك في صباح مشمس. بعدها حرقتني الشمس في الظهيرة. الأيام التالية لم تكن كارثية. لم تكن أكثر كارثية. أصبح معتادًا انتزاع حجر أو اثنين. أصبح معتادًا حرق الشمس لجلودنا اللينة. أصبح معتادًا الشعور بالبرودة. الشعور بالهجران. الشعور بالوحدة. وفي لحظة عابرة شعرت بالخوف، الخوف من أن ينتزعوني لمكان لا أعرفه، من أن ينتزعوني بآلة حادة تضرب جسدي، من أن يسيئوا انتزاعي فيبترون ذراعي، من ضربة طائشة تؤلم رأسي. الشعور كان عابرًا. كان عابرًا في لحظة عاطفية. عاطفية لأن الحجر مصيره محتوم. كنت أقول محتوم وأنا أعرف شيئًا آخر. أعرف أن ثمة أحجارًا تبقى للأبد. تبقى دون أن يلتفت إليها أحد. وفي لحظة أخرى عابرة تمنيت ذلك، أن أبقى هنا دون أن يراني أحد. 40 أبي مات. جاءني في الليلة الأربعين. قبّلني على جبيني وأنا نائم. شعرت بدفء أنفاسه وحركته البطيئة. نظرت إليه بكسل وابتسامة. في الصباح، ما إن نهضت ودخلت غرفته حتى وجدته ممددًا، ممددًا على سريره. سريره في الطابق الأرضي، وليس في الغرفة العلوية السرية. بجانبه، لمحت ورقة مطوية. لمّا فتحتها كانت بيضاء. ليست بيضاء تمامًا، كان بها بقايا حبر. الورقة الجديدة، بحسب ما رأيت، كان بها كتابة قديمة. كتابة أزيلت بطريقة لا أعرفها. هل الكتابة أزيلت أم لم يكن لها وجود؟ هل الكتابة أزيلت أم لا تزال موجودة لكني لا أراها؟ تركت الورقة في مكانها واقتربت من أبي. كان مغطى حتى رقبته. هيئ لي، لأني لم أر ميتًا من قبل، أنه نائم. غير أن وجهه، الذي بدا الآن مستريحًا، على عكس كل الأيام الفائتة، وشى به. تأملته لدقائق في صمت قبل أن أقول لنفسي، وربما أقول له، أبي مات. كررتها لعدة مرات، وفي الرابعة بكيت. بدأت، في لحظة واحدة، أشعر باليتم. خطرت أمي على بالي واستحضرتها ذاكرتي من بعيد. في تلك اللحظة بالذات، تذكرت كل ملامحها وهيئتها وصوتها ومشيتها. حتى جلبابها السماوي تذكرته. بحركة لاإرادية، فتحت الشباك. فكرت، في لحظة حزني، أن أمنح أبي نسمة هواء أخيرة. ولمحت، وأنا أطل على الشارع، شعور الكِبَر يتسلل إليّ. نشيخ يوم موت الأب، سمعت العبارة تهمس في أذني، كأن الأب بحياته يمنع عنا الشيخوخة. حضر الجيران لإنهاء إجراءات الدفن. وأصر الحانوتي على أن أحضر الغسل. كان أبي، رغم شيخوخته، يحتفظ بوسامة عهد قديم. حتى شعره الأبيض منحه وسامة جديدة. الحانوتي، بقلب متحجر، جرده من ملابسه. أثناء ذلك، لاحظت ختمًا عند بطن أبي. داخل دائرة الختم المستديرة، استطعت قراءة كلمة "موريسكي". نفس الكلمة المطبوعة على بطني. نفس الكلمة التي ربما أجدها عند بطن أمي. سال الماء والصابون على جسد أبي للمرة الأخيرة. سال فيما كنت أساعد الحانوتي بالقبض على الجسد الميت. مسَّدت شعر أبي وسقطت مغشيًا عليّ. أثناء الإغماءة، رأيتني بصحبة أبي وأمي، نسير في مدينة شوارعها ضيقة وبيوتها منخفضة. كنت صغيرًا جدًا، محمولًا على كتفيّ أبي، بقدمين تصلان إلى قرب بطنه. أتطلع للشارع ببهجة من يكشفه من مكان مرتفع، فيما كانت أمي لا تتوقف عن النظر إلي والابتسام. فجأة، وأمام بيت يحمل رقم 97، توقف أبي. أشار بيده اليمنى إلى البيت والرقم. قال: بيتنا. بعد أن تجاوزناه، التفتُ خلفي لأحفظ الرقم، فلمحتني واقفًا في الشرفة، أتطلع إليّ بنظرة بائسة، بحزن عميق. بوصولنا لأول الشارع، كانت أمي اختفت. لمّا سألت أبي، بضربة من قدمي، لم يجبني. صعدنا لشارع مرتفع حتى وصلنا لساحة صغيرة. بالساحة، كان ثمة كاتدرائية ضخمة. أشار أبي إليها بسبابته وقال كلمات لم أسمعها. أمام الكاتدرائية، كان ثمة مسرح منصوب وحشد من الناس. فوق المسرح، كان المغنون متحمسين والموسيقى مرتفعة. في شارع آخر مرتفع، واصل أبي السير. كان الشارع طويلًا وبدأت أشعر بثقلي على كتفي أبي. حاولت أن أقنعه بالنزول، فرفض. فوق تل مرتفع، شديد الارتفاع، توقف أبي عن السير. أشار بسبابته مرة أخرى إلى الأمام، إلى البيوت المنحوتة في الصخر. وأشار إلى الخلف، إلى دكان كبير ومغلق، خشبه عتيق لكنه متماسك. هناك، أنزلني أبي من فوق كتفيه. قال "هذه ورشة جدك عبد الله". وتركني واقفًا، واختفى. 51 Música Andalusí https://www.youtube.com/watch?v=Lfou5KcgOcw لجة عظيمة ساحلها من بديع المرمر المنتخب ماؤها كذوب در سال في برد أعظمه من العجب شف عني الماء حتى أنني لست حينًا عنك بالمحتجب فكأني والذي حويته من معين الماء في المنسكب قطعة من برد فبعضها ذائب وبعضها لم يذب وإذا طفا الحباب خلتني فلكًا أطلع شتى الشهب فكأن الجهر مني صدف جامع جوهر ذاك الحبب حادثتني السعود أعصرًا للهمام الغالبي النسب من بني الأقيال من اليمن غرر الفضل ومغنى الحسب من بني قيلة من خزرجهم مظهرو الحق وأنصار النبي (ابن زمرك).
يقرأ أيضاً
المراجعات (٤)












