تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب حصن التراب
مجاني

حصن التراب

0.0(٠ تقييم)
عدد الصفحات
٢٦٥
ISBN
9789774904295
المطالعات
٣٥٠

عن الكتاب

تتناول رواية "حصن التراب" - وهي قرية إسبانية قريبة من غرناطة - مرحلة حرجة في التاريخ العربي والغربي: مرحلة سقوط الحضارة الإسلامية في الأندلس وما تبعها من نصب محاكم التفتيش وتعذيب المسلمين وتنصيرهم. ومن خلال عائلة محمد دي مولينا، يحيك المؤلف رواية أجيال تمتد على مدار ثلاثة قرون. تنطلق من قبل سقوط غرناطة عام 1492 وتنتهي بأزمة أفراد العائلة الذين وصلوا تطوان بعد التهجير وتجسدت أزمة الهوية: إذ طردوا من إسبانيا لأنهم مسلمون عرب واضطهدوا في تطوان لأنهم مسيحيون إسبان. ورغم أن المؤلف غاص في فترة زمنية بعيدة في التاريخ العربي، إلا أنه لا يمكن قراءتها بمعزل عن الواقع العربي الراهن خاصة بعد ثورات الربيع العربي وما آلت إليه الأحوال من حروب طائفية واضطهاد لفئات دينية ليس لها ذنب، مثل الموريسكيين تماما.

عن المؤلف

أحمد عبد اللطيف
أحمد عبد اللطيف

روائي ومترجم مصري من مواليد القاهرة عام 1978، وباحث في "جامعة أوتونوما دي مدريد" بإسبانيا. صدرت له قرابة عشرين كتاباً مترجًماً من الإسبانية؛ من بينها: "الذكريات الصغيرة" (2006)، و"البصيرة" (2008)، و"ث

اقتباسات من الكتاب

ثلاث عربيات ناضرات ذهبن لقطف التفاح في "جيّان" فوجدنه قد قطف: عائشة وفاطمة ومريم. قلت من أنتن أيتها الآنسات، يا سارقات حياتي؟ مسيحيات نحن وكنا مسلمات في "جيّان": عائشة وفاطمة ومريم. (لوركا، أغنيات شعبية) --------------- 29 من أوراق محمد بن عبد الله دي مولينا كوينكا/1502 3) اليوم، يا أبنائي، يتحقق ما تنبأنا به. اليوم ينقُض الملك الكاثوليكي عهده مع أبو عبد الله الصغير. اليوم يُخيّر المسلمون ما بين التنصير أو الرحيل النهائي قطعيًا. ما حدث في كوينكا منذ سنوات يحدث الآن في بقية الممالك الإسلامية التي سقطت. محاكم التفتيش التي انطلقت من كوينكا ستصل إلى الأندلس بأسرها. ما فات، مقارنة بما هو آتِ، كان تسامحًا. وما بين المُرَّين سيختار أهالينا هناك الأقل مرارة: التنصير. فالفقراء ليسوا من علية القوم كي يهاجروا، وليسوا من قادة الجيوش كي يجدوا مخرجًا. من اليوم، سيشهد إخوانكم في غرناطة وقرطبة وإشبيلية وقادش وجيان ومالقة مرارة الهزيمة. سيحرم عليهم أن يسموا أبناءهم بما يحبون، أن يأكلوا ما يحبون، أن يغنوا ما يحبون. من اليوم سيصيرون "المسيحيين الجدد". من اليوم، ستنصب لهم محاكم التفتيش كما نصبت لنا، ستعلق رقابهم في المشانق إن لم يأكلوا الخنزير، سيصومون رمضان سرًا، سيصلون في الخفاء. سيكتب عليهم، يا أبنائي، ما كتب على أهل كونكة من قبل: الصلاة للمسيح في العلن، والصلاة على محمد في الخفاء. يا أبنائي، عانقوا بعضكم بعضًا، فقد جاءكم اليوم الذي لن يعانقكم فيه أحد إلا من أجل قتلكم. 30 "نقر نحن قساوسة كنيسة كوينكا، في اليوم الأول من عام 1479، وبعد التحري والتحقيق، وبعد سماع شهادات الشهود، أن المدعو خوسيه إرنانديث، مسلم من عائلة كاثوليكية، ادعى كذبًا أنه عاد للكاثوليكية بعد صدور المرسوم الملكي بطرد المسلمين أو عودتهم لطريق الحق، وأننا تبين لنا بوسائلنا المتعددة أنه يصوم رمضان مثله مثل المسلمين. وبناًء على ما تقدم، ارتاحت ضمائرنا إلى أن الحكم العادل عليه أن ينبطح فوق اللوح الخشبي، وأن تُقيَّد يداه وقدماه من خلاف، وأن ينال التعذيب العادل بفصل أعضاء جسده عن بعضها حتى الموت. فلعل في العذاب تطهير لروحه الكافرة". (محاكمة خوسيه إرنانديث، كوينكا، 1479، لصيامه شهر رمضان). 31 من أوراق مانويل كارلوس بن مروان بن مريم بنت عبد الله دي مولينا (مانويل دي مولينا) كوينكا/1609 1) قالت أمي سنستحيل أحجارًا. سنستحيل بعد نصف ساعة من الآن. قلت لا أصدق. قال أبي إذن يجب أن نستعد. قالت أمي كيف نستعد. قال أبي بأن نختار جبلًا بعيدًا، بعيدًا شديد البعد. قالت أمي يمكن أن نكون أحجارًا في أي مكان. قلت لا أريد أن أكون حجرًا. قال أبي حجر الشارع ليس مثل حجر الجبل. صمتت أمي. قلت لا أريد أن أكون حجرًا. قال أبي حجر الشارع يستخدم للقتل. يستخدم للجرح. يستخدم للأذى. يستخدم للتبول عليه أو للاستنجاء به. قال أبي حجر الشارع يستخدمه الأطفال في اللعب. قال أبي حجر الجبل مصون. حجر الجبل ثابت. حجر الجبل مستريح. قالت أمي الحجر حجر في كل مكان. قلت لا أريد أن أكون حجرًا. قال أبي لا أريد أن أكون حجرًا في أي مكان. أريد أن أكون حجرًا في جبل. قالت أمي يمكن أن نختار نوع الحجر. قلت لا أريد أن أكون حجرًا. قال أبي أريد أن أكون حجرًا رخاميًا. قالت أمي أفضّل أن أكون جرانيتًا. قلت لا أريد أن أكون حجرًا. قالت أمي يجب أن تختار. سنستحيل حجرًا. قلت فلأكن حجرًا رمليًا. قال أبي كن جرانيتًا. قلت لا. قالت أمي الجرانيت يتألم كثيرًا. قال أبي الجرانيت يعيش كثيرًا ويحتمل كثيرًا. قالت أمي لكنه يتألم كثيرًا. قالت أمي الجرانيت لا يتفتت. الجرانيت ينقسم. قلت لا أريد أن أكون حجرًا. قال أبي فلتكن جيريًا. قالت أمي الجيري أفضل. قالت الجيري ليس صلبًا مثل الجرانيت ولا لينًا مثل الرملي. قال أبي أريد أن أكون رخاميًا. قال الرخامي صلب. قال أحب الصلب. قلت أريد أن أكون رمليًا. قبل انتهاء نصف الساعة انتقلنا للجبل. كان الجبل في النهاية قريبًا من البيت. كان الجبل يطل على كوينكا كاملة. كان الجبل هائلًا مثل اتساع العالم. كان جبلًا أو تلًا. لكنه كان مثل اتساع العالم. وكان يطل على بيوت منحوتة في الصخر. بيوت مثل الشبابيك تتطلع إلى العالم في استحياء. وقفت أنا في طرف. وقفت أمي في طرف. وقف أبي في طرف. شكلنا مثلثًا دون رغبتنا. وظل كل منا يرنو للآخر فلا يرى إلا ظلًا. كانت أمي ضئيلة جدًا. كان أبي ضئيلًا جدًا. لم أكن متأكدًا من أني أراهما. كان يهيأ لي أني أعرف مكانهما. أني أنظر في مكانهما وأتخيل صورتهما. لا أعرف إن كان يهيأ لي أم كنت أراهما بالفعل. لو كنت أراهما فقد كانا صغيرين مثل عقلة إصبع. لم تقل أمي ماذا بعد مرحلة الحجر. قالت سنستحيل أحجارًا. قالت وصمتت. قالت وتجادل أبي في نوع الحجر. قالت وأنا خفت من التحول. من الهجر. من العزلة. خفت من أن أكون محض حجر في جبل. محض حجر في بناية. محض حجر في مقبرة. 32 من أوراق مانويل دي مولينا كوينكا/1609 (2) في الجبل وقفت في مكاني. وبعد فترة ربما دقائق، ربما ساعات، ربما قرون، استحلت إلى حجر. كيف صار شكلي. لا أعرف. لا بد أني صرت مثل حجر، حجر أبيض مصفر. لا بد أن جلدي صار مفتتًا من أثر الرطوبة أو الماء. لكني بقيت من الداخل كما أنا. ظللت أرى. ظللت أسمع. ظللت أفكر، لكني توقفت عن الكلام كحجر. توقفت عن الجوع كحجر، لكني لم أتوقف عن العطش. لساني صار جافًا. ريقي صار صحراء. وذات يوم شعرت بقلق. شعرت بضجيج. وشعرت بهزة أرضية، أو بصاعقة من السماء. ركزت حينها واكتشفت وأدركت. كانوا يكسّرون الكتلة التي أنتمي إليها، الكتلة التي صرت أنتمي إليها. انتزعوا حجرًا من جواري، حجرًا ضخمًا كان يسندني، حجرًا كنت أتكئ عليه، حجرًا كان حافلًا بالحياة ورموه أمامي صريعًا. هل كان الحجر ابن عمي؟ رجلان ضخما الجثة وقفا بمواجهتي. وقفا منهكين. وقفا ينظر كل منهما للآخر ويتفوه بشتائم. شتائم موجهة إلى حجر أخرس. والحجر كان يتألم. سمعت الحجر يتألم. يتألم ويسب الرجلين بشتائم أعرفها. انتبهت حينها أني لا أرى إلا أمامي، أني أصبحت لا أمتلك قدرة النظر بجانبي. فقدت قدرة الالتفات للخلف. ثم جاءت عربة وحملت الحجر. حملته وحده. انتزعته من عائلته. عائلة ودّعها برفع نفسه قليلًا لأعلى. عائلة ينتمي إليها وأنا دخيل. دخيل على العائلة. ابن العائلة هجرها وأنا بقيت. بقيت كدخيل على العائلة. كان ذلك في صباح مشمس. بعدها حرقتني الشمس في الظهيرة. الأيام التالية لم تكن كارثية. لم تكن أكثر كارثية. أصبح معتادًا انتزاع حجر أو اثنين. أصبح معتادًا حرق الشمس لجلودنا اللينة. أصبح معتادًا الشعور بالبرودة. الشعور بالهجران. الشعور بالوحدة. وفي لحظة عابرة شعرت بالخوف، الخوف من أن ينتزعوني لمكان لا أعرفه، من أن ينتزعوني بآلة حادة تضرب جسدي، من أن يسيئوا انتزاعي فيبترون ذراعي، من ضربة طائشة تؤلم رأسي. الشعور كان عابرًا. كان عابرًا في لحظة عاطفية. عاطفية لأن الحجر مصيره محتوم. كنت أقول محتوم وأنا أعرف شيئًا آخر. أعرف أن ثمة أحجارًا تبقى للأبد. تبقى دون أن يلتفت إليها أحد. وفي لحظة أخرى عابرة تمنيت ذلك، أن أبقى هنا دون أن يراني أحد. 40 أبي مات. جاءني في الليلة الأربعين. قبّلني على جبيني وأنا نائم. شعرت بدفء أنفاسه وحركته البطيئة. نظرت إليه بكسل وابتسامة. في الصباح، ما إن نهضت ودخلت غرفته حتى وجدته ممددًا، ممددًا على سريره. سريره في الطابق الأرضي، وليس في الغرفة العلوية السرية. بجانبه، لمحت ورقة مطوية. لمّا فتحتها كانت بيضاء. ليست بيضاء تمامًا، كان بها بقايا حبر. الورقة الجديدة، بحسب ما رأيت، كان بها كتابة قديمة. كتابة أزيلت بطريقة لا أعرفها. هل الكتابة أزيلت أم لم يكن لها وجود؟ هل الكتابة أزيلت أم لا تزال موجودة لكني لا أراها؟ تركت الورقة في مكانها واقتربت من أبي. كان مغطى حتى رقبته. هيئ لي، لأني لم أر ميتًا من قبل، أنه نائم. غير أن وجهه، الذي بدا الآن مستريحًا، على عكس كل الأيام الفائتة، وشى به. تأملته لدقائق في صمت قبل أن أقول لنفسي، وربما أقول له، أبي مات. كررتها لعدة مرات، وفي الرابعة بكيت. بدأت، في لحظة واحدة، أشعر باليتم. خطرت أمي على بالي واستحضرتها ذاكرتي من بعيد. في تلك اللحظة بالذات، تذكرت كل ملامحها وهيئتها وصوتها ومشيتها. حتى جلبابها السماوي تذكرته. بحركة لاإرادية، فتحت الشباك. فكرت، في لحظة حزني، أن أمنح أبي نسمة هواء أخيرة. ولمحت، وأنا أطل على الشارع، شعور الكِبَر يتسلل إليّ. نشيخ يوم موت الأب، سمعت العبارة تهمس في أذني، كأن الأب بحياته يمنع عنا الشيخوخة. حضر الجيران لإنهاء إجراءات الدفن. وأصر الحانوتي على أن أحضر الغسل. كان أبي، رغم شيخوخته، يحتفظ بوسامة عهد قديم. حتى شعره الأبيض منحه وسامة جديدة. الحانوتي، بقلب متحجر، جرده من ملابسه. أثناء ذلك، لاحظت ختمًا عند بطن أبي. داخل دائرة الختم المستديرة، استطعت قراءة كلمة "موريسكي". نفس الكلمة المطبوعة على بطني. نفس الكلمة التي ربما أجدها عند بطن أمي. سال الماء والصابون على جسد أبي للمرة الأخيرة. سال فيما كنت أساعد الحانوتي بالقبض على الجسد الميت. مسَّدت شعر أبي وسقطت مغشيًا عليّ. أثناء الإغماءة، رأيتني بصحبة أبي وأمي، نسير في مدينة شوارعها ضيقة وبيوتها منخفضة. كنت صغيرًا جدًا، محمولًا على كتفيّ أبي، بقدمين تصلان إلى قرب بطنه. أتطلع للشارع ببهجة من يكشفه من مكان مرتفع، فيما كانت أمي لا تتوقف عن النظر إلي والابتسام. فجأة، وأمام بيت يحمل رقم 97، توقف أبي. أشار بيده اليمنى إلى البيت والرقم. قال: بيتنا. بعد أن تجاوزناه، التفتُ خلفي لأحفظ الرقم، فلمحتني واقفًا في الشرفة، أتطلع إليّ بنظرة بائسة، بحزن عميق. بوصولنا لأول الشارع، كانت أمي اختفت. لمّا سألت أبي، بضربة من قدمي، لم يجبني. صعدنا لشارع مرتفع حتى وصلنا لساحة صغيرة. بالساحة، كان ثمة كاتدرائية ضخمة. أشار أبي إليها بسبابته وقال كلمات لم أسمعها. أمام الكاتدرائية، كان ثمة مسرح منصوب وحشد من الناس. فوق المسرح، كان المغنون متحمسين والموسيقى مرتفعة. في شارع آخر مرتفع، واصل أبي السير. كان الشارع طويلًا وبدأت أشعر بثقلي على كتفي أبي. حاولت أن أقنعه بالنزول، فرفض. فوق تل مرتفع، شديد الارتفاع، توقف أبي عن السير. أشار بسبابته مرة أخرى إلى الأمام، إلى البيوت المنحوتة في الصخر. وأشار إلى الخلف، إلى دكان كبير ومغلق، خشبه عتيق لكنه متماسك. هناك، أنزلني أبي من فوق كتفيه. قال "هذه ورشة جدك عبد الله". وتركني واقفًا، واختفى. 51 Música Andalusí https://www.youtube.com/watch?v=Lfou5KcgOcw لجة عظيمة ساحلها من بديع المرمر المنتخب ماؤها كذوب در سال في برد أعظمه من العجب شف عني الماء حتى أنني لست حينًا عنك بالمحتجب فكأني والذي حويته من معين الماء في المنسكب قطعة من برد فبعضها ذائب وبعضها لم يذب وإذا طفا الحباب خلتني فلكًا أطلع شتى الشهب فكأن الجهر مني صدف جامع جوهر ذاك الحبب حادثتني السعود أعصرًا للهمام الغالبي النسب من بني الأقيال من اليمن غرر الفضل ومغنى الحسب من بني قيلة من خزرجهم مظهرو الحق وأنصار النبي (ابن زمرك).

يقرأ أيضاً

غلاف إلياس

إلياس

أحمد عبد اللطيف

غلاف مسيرة الفيل

مسيرة الفيل

جوزيه ساراماغو

غلاف لاورا وخوليو

لاورا وخوليو

خوان خوسيه مياس

غلاف كتاب الرسم والخط

كتاب الرسم والخط

جوزيه ساراماغو

غلاف صانع المفاتيح

صانع المفاتيح

أحمد عبد اللطيف

غلاف الذكريات الصغيرة

الذكريات الصغيرة

جوزيه ساراماغو

غلاف ثورة الأرض

ثورة الأرض

جوزيه ساراماغو

غلاف حياة في الإدارة

حياة في الإدارة

غازي القصيبي

المراجعات (٤)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٠‏/١‏/٢٠١٨
يعّرف «أحمد عبد اللطيف» روايته الجديدة «حصن التراب» بأنها (حكاية عائلة موريسكية). ولأول وهلة قد يبدو الحديث عن «مأساة الموريسكيين» معروفًا ومألوفًا، ليس في الروايات التي تناولت الحدث التاريخي الأبرز في تاريخ الأندلس/إسبانيا فحسب (ونذكر في هذا الصدد «ثلاثية غرناطة» لرضوى عاشور، وخماسية طارق علي «تحت ظلال شجرة الرمان»، ولكن لأن الحديث عن «الأندلس»، باعتبارها فردوسًا مفقودًا، كثيرًا ما يتردد ويستعاد باستمرار في دراسات وكتابات التاريخ الإسلامي الحديث. وأحمد عبد الطيف مترجم وروائي مصري، حصل على جائزة الدولة التشجيعية في الآداب عام 2011 عن روايته «عالم المندل»، وحازت روايته «كتاب النحّات» على جائزة ساويرس عام 2015، كما ترجم عددًا من الروايات المهمة لساراماجو، وخوان ميّاس وغيرهما، عُرف بكتابته التي تنزع إلى التجريب واستطاع أن يبني من خلال رواياته السابقة عالمًا خاصًا به يستطيع القارئ تلمسه واكتشافه مع كل عملٍ جديد. إقرأ أيضا: كتاب «النحات»: نحو واقعية سحرية مصرية وعلى الرغم من ذلك كله بدت روايته عن مأساة المورسكيين كحلمٍ بعيدٍ ظل يخايله طويلاً، ولكن لم تواته الفرصة ولا الوقت لكي يكتبه حتى حدث ذلك أخيرًا الآن، في وقتٍ بدا فيه أن المآسي التي يمر بها التاريخ الإنساني تتشابه وتستعاد باضطراد. تتبّع الرواية حكاية عائلة «دي مولينا» الموريسكية من خلال الأوراق والمخطوطات التي كانوا يحرصون على كتابتها وتدوين يومياتهم فيها ونقلها لأبنائهم جيلا بعد جيل، بدءًا بالراوي الذي لا يرد اسمه منذ عام 1679 (آخر الأوراق المدونة والتي تأتي في بداية الرواية) وحتى عام 1414 تقريبًا (في عقد موثق يشير إلى شراء أرض في كوينكا) كما تتنقّل الرواية بين المدن الأندلسية (تطوان، كوينكا، حصن التراب، وصولاً إلى مدريد) وبين هذه الانتقالات الزمانية والمكانية تدور أحداث الرواية بين شخصياتها وأبطالها المختلفين، تأتي الحكاية في البداية بصوت الراوي الذي يتحدث عن مخطوطة تركها له والده قبيل وفاته: كنت أتفهّم جولات أبي، وكنت أرافقه كلما سمح لي، كنت أعلم، وهو يعلم أني أعلم، أنه يمر بتجربة روحية لم تتسرّب إليَّ بعد، أو كانت تتسرّب ببطء نهارٍ يتسلل إلى الظلام. بجولاته كان يستعيد الماضي عبر ذاكرةٍ لا تلين، ذاكرة تنشط كلما زادت الخلوة وتعمّقت. وفي خلوتي، في مواجهة خلوته، كنت أستعيد الماضي عبر مخطوطاتٍ تسوّد ذاكرتي البيضاء، أثناء ذلك كان سؤالي حول الموت يتقاطع مع سؤالي عن المستقبل من ناحيةٍ أخرى. إن كان ثمّة آخرة، إن كانت ثمّة جنّة في الآخرة، كما يعتقد أبي، فلابد أن الموتى من يشيدونها. نتعرف في الرواية على مأساة تلك العائلة من خلال مخطوطات وأوراق «إبراهيم ميجيل دي مولينا» وإخوته «محمد بن عبد الله» وحفيده «مانويل بن مريم بنت عبد الله» و«عائشة بنت مريم بن عبد الله» و«خوان دي مولينا» و«كارمن دي مولينا» وغيرهم من شخصيات الرواية الذين نتعرّف على أطرافٍ من حكاياتهم التي تأتي من خلال أوراقٍ تركوها يجمعها الراوي في رحلته إلى «حصن التراب» حيث مقر أسرته القديم، ونجد في كل فصل أو جزءٍ من تلك الحكايات أثرًا من آثار المأساة أو طرفًا من أطرافها، حتى نهاية الرواية. لا تعتمد الرواية إذن على حبكة تقليدية ولا حكاية متسلسلة، بل على العكس تعمد إلى تفكيك القصة القديمة، وعرضها بشكل آخر من خلال الاعتماد على فكرة المخطوطات والأوراق تلك التي تجعل القارئ منتجًا آخر للنص، يجب أن يتعامل معه بتركيزٍ شديد لكي يجمع أطراف الحكاية وفقًا لترتيبها الزمني الطبيعي، ولكنه في الوقت نفسه يتمكن من قراءة الحكاية والتعرّف على المأساة. تبدو الحياة كلغزٍ كبير، ليس بوسعي مهما بذلت من جهدٍ أن أفكه أو أصل لعقدته، مشهد الرحيل، الطرد، التهجير، لا يزال مشهد حياتي كلها. النقطة التي أدور حولها، كل ما جاء بعده يترتب عليه، كل ما جاء بعده لا يمكن فهمه دونه. حياتنا في «تطوان» لم تكن إلا حلقات ممتدة في نفس السلسلة. حلقاتٍ يمكن تلخيصها في منظر «كارمن» وهي غارقة في الدموع، منظري أنا وأبي سنواتٍ طويلة بمفردنا، نجلس بظهرنا على شاطئ البحر، ننظر للضفة الأخرى بيننا وبين أرضنا كيلومترات قليلة. بيننا وبين أجدادنا عبور البحر، لكن عبور البحر صار مستحيلا، وكمحاولة للتعايش مع الحاضر شيدنا بيوتنا على الطراز الأندلسي، المعمار الوحيد الذي عرفناه واعتادته أعيننا. …… (من أوراق ميجيل دي مولينا 1653) تدور الرواية في «إسبانيا» وتتحدث عن مأساة المورسيكيين، ولكنها في الوقت نفسه تذكّر القارئ بعددٍ من الحوادث الواقعية التي تحيط بنا في عالمنا العربي، بل وواقعنا المصري من اضطهادٍ للأقليات الدينية والعرقية، واستغلال السياسة والدين لقهر شعوبٍ أخرى وفئاتٍ أخرى من المجتمع لم يكن ذنبها ولا جريرتها إلا أنها اعتنقت دينًا مخالفًا لدين السلطة الحاكمة، فتم قمعها وتهجيرها ومحاكمتها بأبشع الطرق. والرواية إذ تعرض كل ذلك لا تعرضه بطريقة «ميلودرامية» ـ كما جرت العادة ولا تمعن في وصف المأساة وإنما تأتي على الحوادث والكوارث كما جاءت في الوثائق التاريخية تارة، وكما يأتي في الرسائل والمخطوطات المتخيلة المتروكة من جيلٍ لجيل حتى لا تضيع الحقيقة بمرور الزمن كما يحدث عادة، حتى لا تنسى الأجيال اللاحقة ذلك التاريخ المأساوي الذي يبدو أنه لا يمل من التكرار! وأخيرًا، لا يخدعنّكم أحد بأن الكاثوليكيين يكرهون المسلمين، ولا أن الكاثوليكيين يتطلعون لطرد وقتل المسلمين، انظروا إلى أعمق مما ترونه على السطح، فحقيقة الأشياء ليست كما تبدو عليه، انظروا لتروا أن الملك يحرّك الكنيسة، وليست الكنيسة من تحّرك الملك، انظروا لتروا أن مآرب الملك الكاثوليكي تختصر في السلطة والسيطرة والتوسع، والكنيسة محض أداة، الكنيسة التي تتحدث باسم الرب تجمع من الأتباع أكثر من الملك الذي يتحدث باسم الوطن. والضحية «الكافر» لن يجد من التعاطف ما يمكن أن يجده الضحية الخائن. هكذا يفتشون في ضمائرنا حتى ينتزعوا أملاكنا، لا ليرسموا أيقونات القديسين في قلوبنا. … (من أوراق عبد الله دي مولينا 1471) طاقات الكتابة السردية لعل أبرز ما يميّز «حصن التراب» ويجعلها رواية فارقة ليس في طريقة عرضها للمأساة فحسب، وإنما في طريقة كتابتها أيضًا، هو استخدام «أحمد عبد اللطيف» لكل طاقات الكتابة السردية المتاحة، فالروائي الذي خاض في عوالم الفانتازيا والخيال طويلًا في رواياته السابقة «كتاب النحات» أو «عالم المندل»، استطاع أن يفيد من ذلك البناء الخيالي الفانتازي لاسيما في الفصول التي تتحدث عن تحوّل أبطال الرواية إلى أحجار (أوراق مانويل دي مولينا 1609) التي تبدو من أشد فصول الرواية شاعرية وإعمالاً للخيال ووصفًا لشعور الغربة. بعد ذلك الانتقال الذي حل بأفراد تلك العائلة، نجد ذلك من جهةٍ أخرى في تقنية الكتابة التي استخدمها الكاتب والتي لجأ في فصولٍ منها إلى التشكيك في الأحداث وحالة اللايقين التي يتحدث بها السارد، حدث ذلك في أكثر من فصلٍ من الرواية ومع أكثر من شخصية، لعل أبرزهم كانت «عائشة دي مولينا» التي كانت تشك في وجودها وفي وصيّة أمها وعلاقتها بأختها، تلك الحالة التي ربما تذكرنا ببطل روايته السابقة «إلياس». ليس هذا فحسب، بل عمد الكاتب إلى إضافة عدد من الراوبط الإلكترونية التي تحيل إلى مقطوعات موسيقية، صوفية وأندلسية، وأفلام وثائقية، وذكر في مقدمة الرواية أن «اللعبة السردية» لن تتم إلا بالاطلاع على تلك الروابط والاستماع إليها ومشاهدتها. من ذلك مثلاً مشهد فيديو بعنوان «ما الذي اقترفه المورسيكيون» يعرض لعدد من اللوحات التي تصف المأساة باللغة الأسبانية، وفيلم «الموريسكيون في الأندلس» المدبلج والذي تم عرضه على الجزيرة الوثائقية. وهكذا تتضافر الصورة والمشاهد والموسيقى مع النص الروائي المكتوب، لتضع المتلقي في قلب حالة الرواية وعالمها، وربما يفاجأ القارئ أن عددًا من تلك المقاطع والمشاهد من مسلسلات ليست عربية أصلاً، بل بعضها أجزاء من مسلسلات إسبانية الأصل، أو برامج تتحدث عن «الموريسكيين» وتراثهم الباقي في إسبانيا حتى اليوم. ولا شك أن مثل هذه الإحالات لن يكون من اليسير على قارئ الرواية متابعتها، ولكنها موجودة في متن الرواية وأشار الكاتب إلى ضرورة الرجوع إليها، وهي مع المراجع الواردة في نهاية الرواية تجعل من الرواية بكل تفاصيلها محاولة جادة لتحفيز القارئ ودفعه دفعًا إلى التعرف على الأحداث واستكشاف عوالمها سواء من خلال لقطات الفيديو أو الموسيقى أو المراجع التاريخية وغير ذلك. وهكذا تبدو الرواية بشكلٍ عام محاولة جادة للخروج من أسر «البكائيات على الماضي» إلى التعرّف على ذلك الماضي بشكلٍ موسّع واستيعابه لعدم تكرار ما حدث فيه من أخطاء، ولعل هذا ما نجح فيه «أحمد عبد اللطيف» بشكل كبير، حيث تخلَّصت الرواية مما قد تمتلئ به مثل هذه الروايات من «ميلودراما» سواء في مشاهد التهجير أو التعذيب أو المحاكمات وغيرها، إلى استيعاب ذلك الحدث التاريخي ووصفه ومحاولة فهمه وتجاوزه. وبين هذا وذاك تبقى الرواية بحثا طويلا يتجاوز حكاية الموريسكيين إلى طبائع الناس والشعوب، ورصد علاقتنا بالآخرين، وتقبلنا للآخر، كما هي بحثٌ في الحياة وعلاقتنا بالموت، وما تتركه الأجيال السابقة للأجيال اللاحقة، وأثر ما نكتبه ليبقى وما نتركه فيذهب في أدراج النسيان.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٠‏/١‏/٢٠١٨
من خلال بناء سردي مفعم بالمجازات والحيل الإبداعية والموسيقى التي تنبش في الروح، يعود بنا الروائي المصري أحمد عبداللطيف في روايته “حصن التراب” إلى واحدة من المآسي التي تركت جرحاً غائراً في جبين البشرية، وهي مأساة الموريسكيين. الموريسكيون هم أحفاد المسلمين الذين اعتنقوا المسيحية بعد سقوط المملكة الإسلامية وصعود التاج الكاثوليكي للحكم، والذين تم تهجيرهم من إسبانيا قبل أربعة قرون، (بالتحديد في عام 1609)، حين أجبرتهم السلطة على عبور البحر والذهاب إلى دول شمال أفريقيا ليستكملوا حياتهم هُناك في شتات وتمزق أبدي. هذه المأساة (التهجير)، لم يتناولها المؤرخون بتفاصيلها وعمقها الإنساني لكن الروايات وضعتها في الاعتبار، فحاولت الاقتراب من الموريسكيين واستحضارهم ليحكوا لنا ما حدث وما لم نسمعه من قبل، وهو ما فعله الروائي المصري أحمد عبداللطيف في روايته “حصن التراب”. أحدهم في الرواية، ويدعى خوان دي مولينا، يخبرنا قائلاً “حيث كانت تنتظرنا المراكب سمعنا من يقول إنهم سيلقون بنا في عرض البحر”، ثم يضيف “إنهم لا ينتقمون منّا نحن فقط بل ينتقمون من البحر أيضاً، وما الفارق بين أن يلقوا بنا في البحر أو أن يلقوا بنا في أرض لا نعرفها ؟”، فعمّن تتحدث الرواية إذن؟ هل عن الموريسكيين وحدهم أم عنّا نحنُ الذين اتخذنا من المراكب أوطاناً بديلة لا تدوم؟ تاريخ مغاير “العرب” حاورت أحمد عبداللطيف (المولود في عام 1978)، ويعد من الكُتّاب المجددين في فن الرواية وصدرت له من قبل أربع روايات هي “صانع المفاتيح” التي تدرس الآن في قسم الدراسات العربية بجامعة تشارلز بالتشيك، و”عالم المندل”، و”كتاب النحّات”، و”إلياس”. ترجم عن اللغة الإسبانية العديد من الأعمال المهمة، منها “مسيرة الفيل” و”البصيرة” و”ثورة الأرض” لجوزيه ساراماغو، و”المرأة المهووسة” لخوان مياس، وحاصل على جائزة الدولة المصرية التشجيعية في الرواية عام 2011، وجائزة المركز القومي للترجمة عام 2013، والمركز الأول لجائزة ساويرس الثقافية في الرواية لعام 2015. لا يعرف عبداللطيف لماذا كتب عن الموريسكيين دون غيرهم، ولا يعرف أيضاً لماذا تأخر في الكتابة عنهم مع أنه يتتبع خطاهم منذ أكثر من عشرين عاماً حين درس تاريخهم بالجامعة واطلع على أدبهم وحضارتهم. وقال لـ“العرب” “حين تستحوذ فكرةٌ على عقل الكاتب تظل تطارده في منامه وصحوه إلى أن تكتمل وتنضج، وأنا أشعر بأن الرواية كانت تُكتب بداخلي دون أن أنتبه، فبعد انتهائي من دراستي التي كانت في تخصص اللغة الإسبانية والتي تضمنت بطبيعة الحال دراسة تاريخ الأندلس، وجدتني أفتشُ -أينما ذهبت- عن الكتب التي تتحدث عن الموريسكيين كي أكوّن صورةً واضحةً عن حياتهم وطبيعتهم، وقرأت نحو مئة مرجع معظمها مكتوب باللغة الإسبانية، أما المراجع العربية فكانت قليلة ونادرة، وكان ذلك مهماً كي أتجنب ما كُتب وأتناول القضية من وجهات نظر مختلفة”. ومنحت رواية “حصن التراب” للموريسكيين الذين واجهوا بأنفسهم التعذيب والاضطهاد الديني الفرصة لأن يكتبوا تاريخهم الذي لا يشبه التاريخ المعروف، فالتاريخ دائماً ما يروي الأحداث والوقائع ويدوّن أسماء القادة المنتصرين والمهزومين، لكنه نادراً ما يروي حكايات البشر، ونادراً ما يضع أصابعه على ما أصاب أرواحهم وجعلهم أمواتًا إلى الأبد، “وهنا يأتي دور الخيال الذي ببصيرته يستدعي ما حدث ويقول ما لم يجرؤ أحدٌ على قوله”. ومن خلال عائلة محمد دي مولينا الموريسكية، نعرف ما الذي يمكن أن يُصيب المرء بالضبط حين يُنتزع من أرضه مثل نبتة، “نبتة أصروا على أن تعيش بشروط التربة الجديدة دون أن يدركوا أن الماء على كثرته عندما يُصبُ في غير مكانه يَصبُ في غير هدفه”. وأوضح عبداللطيف لـ”العرب” “كان يهمني أن أكتب رواية بعيدة عن الطرح الموثق، أن أكتب رواية الناس العاديين الذين نسيهم التاريخ وكمم أفواههم، أن أكتب عن الذين عذبتهم الهوية، تلك الهوية التي أراها الشيء الصادق الوحيد، والتي تجري في دمائنا ونورثها لأبنائنا وأحفادنا، وهي التي جعلت الموريسكيين يتمنون لو يدفنوا فقط في أراضيهم”. وقال “الهوية التي تدفعنا إلى الحلم، حلم العودة، فالموريسكيون يشبهوننا كثيراً، يشبهون الفلسطينيين والسوريين والمسيحيين المصريين وكل من تم تهجيره وسُلبت منه هويته وحياته وأرضه”. وأضاف “حين نسترجع اليوم قضية الموريسكيين نسترجع معها كل القضايا المتعلقة بالتطرف الديني الذي لم يكن في عمقه دينياً إنما سياسياً، صحيح أن محاكم التفتيش التي تعرض لها الموريسكيون كانت لأسباب دينية لا منطقية، ومن بينها اتهامهم بإدعاء اعتناق المسيحية، وعدم شرب الخمر، ورفضهم أكل لحم الخنزير، إلا أن التخوف الحقيقي الذي كان لدى السلطة هو احتمالية تحالف الموريسكيين مع الدولة العثمانية لغزو إسبانيا، لكن هذا لم يحدث، فلم يثبت التاريخ أن الموريسكيين كانت لهم علاقة بالعثمانيين، أو أنهم كانوا يريدون أن يصيروا عرباً، وذلك لأنهم كانوا منتمين فعلاً إلى بلدهم وهويتهم الإسبانية”. القتل باسم الدين تطرح رواية “حصن التراب” عدة تساؤلات تشغل بال كل منّا ونحملها معنا على مر المآسي والسنين ولم نجد إجابة لها رغم كل ما حدث وكل ما سيحدث: “ما السبب – إن كان ثمة سبب- للقتل باسم الله؟ باسم الدين؟ وهل هو فعلًا قتل باسم الله أم باسم الملك أم باسم الأراضي والبيوت أم باسم الكراهية؟ لماذا تريد أن أشبهك لتقبلني؟ لماذا تشغل نفسك بهدايتي، وباقتيادي للجنة، وبتطهير روحي؟”. لم يكن لدى الموريسكيين أي مشكلة في البقاء تحت حكم التاج الكاثوليكي والتعايش مع المسيحيين كما تعايشوا معهم قبل سقوط غرناطة عام 1492م، وكان ذلك أحد البنود التي اتفق عليها أبوعبدالله الصغير (آخر ملوك الأندلس) مع القشتاليين حين قام بتسليمهم مفاتيح غرناطة، أن يظل الموريسكيون في إسبانيا وأن يمارسوا شعائرهم بحرية، لكن بعد عشر سنوات تم نقض العهد، وخُيروا -عام 1502م- بين التخلي عن دينهم أو التهجير، كما مُورست عليهم أبشع أنواع القهر والتعذيب والتمييز الطائفي، فقط لكونهم مسلمين، أو بالأحرى لكونهم “أقلية”. ويرى عبداللطيف أن على إسبانيا الاعتراف بإساءتها للموريسكيين لأن مثل هذه المراجعات هي التي تبني مبادئ الإنسانية وتصحح أخطاءنا وتجعلنا نتفادى الصراع الأزلي بين الأوروبيين والعرب، بين الأكثرية والأقلية، بين البيض والسود، بين الرجل والمرأة. وتابع “بعيداً عن أن قضية الموريسكيين قضية مهمة، وبعيداً عن أنني مهتم بكتابة رواية جمالية فنية بها عناصر جديدة ومغايرة، إلا أن الرواية تسعى في الأساس إلى تفكيك التاريخ الرسمي الثابت، لذا لا يمكن قراءتها إلا على أرضية أنها رواية تنتمي إلى ما بعد الحداثة، بمعنى أنه ليست هناك حقيقة مطلقة وأن لا أحد يعطي أحداً الحقيقة وإنما يجب أن نسعى نحن إليها، وقد يصل كل منّا إلى حقيقة تخصه هو وحده لأنه لا يوجد تاريخ واحد إنما ‘تاريخات’ عديدة”. ولا تطمح “حصن التراب” إذن إلى أن تكون كتاباً تاريخياً أو مرجعاً أو وثيقة، ورغم أن العائلة التي تتحدث الرواية عنها اسمها حقيقي إلا أن أوراق أفرادها ومخطوطاتهم ليست حقيقية، وذلك لأنه لا أحد يعرف إلى أين ذهبت حكاياتهم التي دوّنوها، حيث كانوا يخبئون أوراقهم في جدران بيوتهم حتى لا تحصل عليها السلطة التي ألزمتهم بالنوم وأبوابهم مفتوحة كي تراقبهم لتعرف ما إذا كانوا مسيحيين مخلصين أم لا. وأشار عبداللطيف إلى أنه “حين سافرت إلى إسبانيا، زرتُ بعض المدن التي عاش فيها الموريسكيون، مثل: غرناطة وقرطبة وإشبيلية، واطلعتُ على محاكم التفتيش التي استعنتُ ببعضها في الرواية، لكنني لم أحصل على أوراقٍ تخصهم، لذا قررت أن أكتب يومياتهم التي فقدوها، أن أكتب ما كانوا يريدون أن يكتبوه، وأن أجعل لعائلة محمد دي مولينا نسلاً جديداً”. وجاءت اليوميات -التي تم تدوينها في عام ونصف العام- مُرهفة وتعكس هشاشة الإنسان وحكمته في آن واحد، وقد بدا ذلك من السطر الأول في الرواية والذي فاحت منه رائحة الموت، إنه الموت الذي تعامل معه الموريسكيون على أنه محور الحياة، بل هو الحياة ذاتها، وأحد أبطال الرواية يقول: “أعلم أن الحياة حفرات وكل منّا يختار حفرته التي تسع جسده”. كل شيء حولهم إذن كان يصل بهم إلى الموت، وكل حلم كان يُفسر على أنه الموت، وكل شعور ينتابهم يدل على أنهم صاروا أمواتًا، تحولهم إلى حجارة، ومن حجارة إلى تماثيل، ثم سقوط أذرعهم وتبدل أجسادهم بأجساد لا يعرفونها، أليس كل ذلك هو الموت؟ ولذا كان طبيعياً أن تأتي لغة “حصن التراب” شاعرية، فكل نص فيها يصلح لأن يكون قصيدة، حيث تعمد الروائي أن يستخدم تقنيات في الكتابة توضح حالة الالتباس والتوتر التي طغت على أبطاله جراء ما تعرضوا له، مثل تكرار الكلمات والعبارات الذي لم يكن هدفه التوكيد بل الإنكار وعدم تصديق ما يحدث، أيضًا كانت إزالة الفواصل واستبدالها بالنقاط الكثيرة هدفها لا أن يلتقط القارئ أنفاسه بل ليلتقط الأبطال أنفاسهم المفقودة. وأوضح عبداللطيف في حواره مع “العرب” “لا أميل في أعمالي إلى فصل الشكل (اللغة) عن المضمون (الحكاية)، أريد دائماً أن يعرف القارئ من خلال الاستعارات المستخدمة أن ثمة مأساة وآلامًا كثيرة سيقابلها في طريقه، كما أنني أرى أن لكل رواية لغتها التي تفرضها على كاتبها، ومع الموريسكيين آثرت استخدام المجاز كي أتسلل إلى دواخلهم ومشاعرهم”.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٠‏/١‏/٢٠١٨
في تطوان، 1679، بعد نحو مئتي عام من طرد المسلمين من الأندلس، وفي حجرة «فوق سطح بيت من الطوب اللبن يتكون من طابق واحد وحجرة يتيمة في الطابق الثاني»، يكشف الأب؛ ميغيل دي مولينا لابنه إبراهيم أسراراً عدة. وفق رواية المصري أحمد عبد اللطيف «حصن التراب: حكاية عائلة موريسكية» (دار العين)، كانت الحجرة «تضم سجادة ضخمة وحصيرة وسريراً حديدياً. كانت باباً مفتوحاً على التاريخ. التاريخ الذي لم أعرف عنه شيئاً». أدخلَ الأبُ ابنه إلى الحجرة و «أورثه تاريخاً». كشف له مخطوطات تحوي تاريخ العائلة. كان على كل جيل؛ وفق وصايا العائلة، أن يعثر على مخطوطات عجزَ الجيل السابق عن الوصول إليها، ويخط أوراقاً جديدة. حدث ذلك في بداية الأربعين يوماً الأخيرة من حياة الأب، أما تلك الأسرار فتحكي تاريخ الموريسكيين و (قبلهم تاريخ المدجنين الذين أجبروا على التنصر مع السماح لهم بالبقاء في إسبانيا). ويستمر عبر الرواية هذا التوالد العكسي للمخطوطات المتخيلة والأفكار والشخصيات، بالعودة إلى الوراء لنحو 200 سنة. يتذكر إبراهيم بن ميغيل صوت أبيه عندما قال له: «سأروي عليك ما رأيتُ. سأروي عليك ما رآه جدك، ما ستراه أنت في يوم بعيد». شجرة الحلم هكذا يروي له أبوه الحلم الذي رأى فيه شجرة تتساقط أوراقها، فيما يركض الناس، أو يسيرون، أو ينامون. على جذع الشجرة رأى الأب اسمه محفوراً. يطلب الأب من ابنه أن يرتب الأوراق والمخطوطات المحفوظة في السحَّارة، ثم ينسخها ويترجم منها ما يستطيع. يطلب منه أن تكون النَسخُ بالعربية، وأن يتجاهل أسماء الحكام كما تجاهلوا أسماء العائلة والناس في دواوينهم. ترتبط السحارة هنا، على نحو ما، برمزية الصندوق والذاكرة والرحم والقبر؛ ورموز الاحتواء والإخفاء والكشف عند باشلار. فمع الأوراق، كانت هناك خرائط وسجلات ورسومات لأناس يُعذَّبون ولآلات التعذيب نفسها، وهناك خريطة لبيوت مدينة صغيرة شوارعها كثيرة ومنحوتة في الصخر؛ «وأحد شوارعها كان ملتفاً بدائرة». الدائرة هنا رمز للاكتمال وعدم الانقطاع، أو هي رمز لتلك الدائرة الجحيمية المغلقة التي دار فيها الموريسكيون بعد سقوط غرناطة، بل وربما قبل ذلك. كانت هناك مخطوطات تحوي عقود البيوت، والأغاني الشعبية والقصائد والأمثال والأحلام والحكايات التي كانت تُحكى عن الأم التي اختفت منذ عشرين عاماً، أو تم الفصل بينها وبين زوجها. وكذلك حكايات كثيرة متتابعة عن المدينة والبيت الذي بدأت منه الحكايات واختزنت فيه الأسرار وانكشفت داخلَه غوامض النفس والتاريخ. في الرواية نجد العوالم المتداخلة الملتبسة المعبرة عن الهوية المختلطة المزدوجة المشوشة الموجودة على حدود الثقافات والحضارات. هكذا نجد اختلاط الصوت واللغة والسرد والأسماء. تداخل عوالم النوم بعوالم الصحو، الحقيقة بالأحلام والوهم. يحلم إبراهيم بأنه رأى نفسه يسير على أرض طينية وأنه كلما حاول الخروج منها غاصت قدماه أكثر في الطين، ومع تقدمه داخلها يشعر بنفسه أنثى في جسد رجل. هكذا يتساءل: «من وضعني داخل هذا الجسد؟». هكذا يشعر إبراهيم بأنه يعيش في جسد ليس جسده. جسد مزودج مثل هويته المزدوجة، لا هو بالجسد الذكري ولا الأنثوي، إنه خنثوي الطابع والشكل. في الرواية تخيُل لتحول البشر إلى أحجار، وتحول الأحجار إلى تماثيل، والتماثيل تكون هنا حية وميتة. تلك الإحيائية المتعلقة بوجود الحياة في الحجر، والحجر في الحياة، هي نزعة موجودة في أعمال أحمد عبد اللطيف عموماً؛ وبخاصة في «كتاب النحات»، إذ يقوم صانع التماثيل بتشكيلها من الطين ومِن الذاكرة. أما هنا فتتكون التماثيل من الأحجار التي تعيش حياة أكثر خصوبة وألماً من البشر. في «كتاب النحات» جاءت هذه الجملة الدالة: «النحت والكتابة وجهان لعملية واحدة، جسد وروح». وفي «حصن التراب» يتم إسقاط التماثيل أرضاً وإهانتها تحت الأقدام. إنها تماثيل تتكسر وتتفكّك وتتحول إلى شظايا أو حطام يعاد ترميمه عبر الذاكرة، وعبر الحنين. يوظف عبد اللطيف في هذه الرواية آليات عدة استخدمها من قبل وطوَّرها هنا، منها، تمثيلاً لا حصراً، تكنيك التكرار للكلمات والجمل وأشباه الجمل، ما يجعل لغته متوترة، دائماً، متشككة، مترددة، وبالمعنى الموجود لدى تودورف وهو يتحدث عن الغرائبي. هنا تكرار يدل على التباس يتعلق باللغة والشخصيات والعالم كله، وصل إلى ذروته لدى عبد اللطيف في رواية «إلياس». إنها محاولة للوصول إلى يقين مراوغ، وربما غير موجود. كذلك العيش بالوكالة أو في جسد ذكوري وأنثوي خلال الوقت نفسه. ثمة محاولة هنا لاستكشاف تلك الحقيقة التي يراها كل طرف من وجهة نظره صحيحة، بينما الواقع يقول إنها مراوغة وزئبقية ودائماً مفتوحة على الاحتمالات كافة. هكذا تعيش «عائشة» باسم أختها الميتة، التي تظل مع ذلك؛ أكثر حضوراً منها. كذلك الحال بالنسبة إلى أمها التي هي خالتها، ومثلما ماتت أخت الأم (الخالة) فكذلك ماتت أخت البنت. هنا محاولة لاكتشاف تلك «التوأمة» بين الحياة والموت، بين الثقافات العربية الإسلامية والإسبانية الأوروبية. فقدان اليقين تجسدت حالة التردد والالتباس وفقدان اليقين في عمليات عودة الموتى، وفي الحضور الشبحي للشخصيات والأحداث. ففي أوراق عائشة دي مولينا تعود الأم (الخالة) بعد موتها، وتظهر في شكل طبيعي وتطالب ابنتها بهدم البيت، وهنا تقول عائشة: «لكن البيت في ظني ربما يكون الحياة». هي من خلال ذلك التعلق بالالتباس والتشبث بالإيهام، تهرب من الالتزام بتنفيذ الوصية الشبحية. وهكذا فإن لغة التأويلات والاحتمالات هي اللغة المهيمنة على هذه الرواية، بل وربما على روايات أحمد عبد اللطيف كلها. «حصن التراب» أشبه بنوع من الترميم، شكل خاص من أشكال التوثيق والخلق لمناخ استعادي، وظَّف فيه الروائي المواد الخاصة بالوثيقة المخلَّقة والحكايات الحقيقية والمتخيلة واليوميات والأشعار ووثائق محاكم التفتيش والموشحات الأندلسية وأشعار ابن زيدون ولوركا والأخطل الصغير وجلال الدين الرومي. وكذلك المواقع الإلكترونية التي تحتوي على أغان ووثائق وأشعار ومصادر متعددة تساهم كلها في عمليات الاستعادة والترميم، وعلى نحو يؤكد المقولة الواردة في أوراق محمد بن عبدالله في كونكة عام 1492؛ وفحواها «الذاكرة أطلال والكتابة ترميم». قد يرى البعض في الرواية نوعاً من البكاء على الأطلال؛ إلا أننا نرى أنها، بالإضافة إلى قيمتها الإبداعية، محاولة لترميم جروح النفس الجمعية العربية الإسلامية التي ربما لم تندمل لدى كثيرين، ومن ثم فإنها أيضاً محاولة للشفاء من ذلك التثبيت (Fixation) إذا استخدمنا مصطلحات فرويد، على العقدة الأندلسية التي أصابت الكثيرين من العرب بالصدمة، ولم يشف كثيرون منهم ولا فاقوا من الحلم، ومن أحلام أخرى مماثلة.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
١٩‏/١‏/٢٠١٨
في الأربعين يومًا الأخيرة، كان أبي بالفعل قد ودّع الحياة. كان معلقًا في الأعراف ما بين الحياة والحياة الأخرى. كان معي بجسدٍ غير أن روحه كانت طائرة. بعينين غائمتين، كان يحدثني. بعينين غائرتين، كان يستحضر تاريخًا لم أعرفه من قبل. أو كنت أعرفه ولا أعرفه. تاريخًا كنت أتطلع إليه كأنه لا ينتمي لي. كأنه ينتمي لي. أتطلع إليه كما أتطلع إلى ختم مستدير حول سرتي. أتطلع كمن يمتلك لكن دون حرية التصرف. كملك لا يحكم. ختم أخضر يحمل هويتي، كأنه الترياق ضد سم الضياع. كأنه الضياع ضد سم الهوية". _____ من خلال عائلة محمد دي مولينا، تتبع "حصن التراب" واحدة من أكثر المآسي الإنسانية التي لا يمكن نسيانها: محاكم التفتيش الإسبانية وتهجير الموريسكيين. إننا أمام رواية تتوسل التخييل والتاريخ غير الرسمي لكتابة حياة أفراد عاديين فرضت عليهم السلطة (السياسية والدينية) أن يختاروا ما بين التخلي عن دينهم أو التهجير، ثم لم يسلموا من المقاصل والتعذيب، ثم لم يسلموا من الطرد بذريعة أنهم عرب ومسلمون، ثم نُبِذوا في الأرض الجديدة بذريعة أنهم مسيحيون إسبانيون. إنها ملحمة أبطال مهزومين دفعوا حياتهم في معركة صراع ديني/سياسي لم يختاروها. ___________ في روايته الجديدة، واستكمالًا لمشروعه الروائي، يطرح أحمد عبد اللطيف سؤالًا حادًا حول التطرف الديني، وهو سؤال بقدر ما يمثّل الماضي يمثّل الحاضر، ويجسّد أسئلة انفجرت مع الربيع العربي وتضعنا من جديد أمام معضلة الهوية. ومع حساسية المضمون، يتوسل المؤلف شكلًا روائيًا غير مسبوق، يتكيء فيه على الفيديو والموسيقى، ليس فقط كمؤثرات سمعية وبصرية، بل أيضًا كمكمّلات سردية لخلق حالة من الشجن الرهيف، حالة تليق ببطولة مبتورة كما تليق بهزيمة بطولية.