
الإصبع السادسة
تأليف خيري الذهبي
عن الكتاب
وقف وراء الحجي في صلاة الفجر، ولاحظ عنيز يسجد أمامه في الصف الأول وراء الحجي تماماً، لم يسجد الشاويش بل تأمل الساجدين يبحث عن الآغا، ولكن الآغا لم يكن بين المصلين، فتساءل إن كان قد عرف بإقتحامهم بيته في الأمس، وشعر بعرق الخزي ينسلّ من أبطيه وأصابعه. لم يكن ثلاثي الإقتحام من لم ينم في ليلتهم تلك، فالآغا هرب من الحارة بعد غمزات برناردو وإبليس الساخرة من بين ألسنة اللهب ومضى يضرب في الحارات حتى وصل إلى التكية؛ فجلس بين أشجار الصفصاف يتأمل النهر المتسلل أمامه ويرى إنعكاس النور الضعيف على مويجاته الناعمة. أراد إستعادة التجربة منذ رسالة نعمان الصيدناوي، ولكن الخزي والخجل أعاد غمره، رأى رسمه برناردو المعلقة وهي تتلوى بين النيران ساخرة أتراه غمزه فعلاً... لم يحسّ برغبة في المضيّ إلى البيت، ولماذا؟ لم يحسّ برغبة في رؤية الحجي الذي كان من الواضح أنه يستغل فترة ما بين الواليين ليحقق مشروعه الذي لم يكن يخفيه والذي كانت نفيسة خانم تعلنه أمامه: الشام شريف والأرناؤوطي الملعون اخترق شرفها، ويجب أن تستعيد دورها كشام شريف. الخطوة الأولى على طريق السماء... الحج مبارك، وقبل إنبلاج الفجر أحسّ بمغص صغير في بطنه: كيف تخلى عن برناردو؟ كيف رضي بتسميته بالشيطان، كيف سمح بإحراق رسماته؟ ولكن وجد نفسه يصرخ: وما الذي كنت أستطيع فعله... كانوا كثيرين... وكان من الواضح أتهم يأتمرون بأمر الحجي، وماذا لو ضربوني، أو أهانوني وأنا الرجل العجوز لا ولد لي ولا أخ يدافع عني، ورأى نفسه ينكمش متصاغراً، متمنيّاً لو أن النهر ابتلعه قبل أن يعيش ليرى هذا اليوم. حاول القيام، ولكن البرد قد أنقله وجمّد حركاته، ولكن كان من الواجب أن يقوم، فالمؤذن في النكية يعلن الفجر، ومن الأفضل أن يمضي إلى الجامع، فهناك سيحصل على بعض الدفء ويرتاح بعد الصلاة في إنتظار العودة إلى البيت، تحامل على نفسه واتجه إلى التكية: أنت تشيخ بسرعة يا حسن آغا، تشيخ ولم تنجز شيئاً، وتذكر شعار أبيه الدائم؛ إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به... ولكن، تنهد وهو يدخل إلى مسجد التكية، لا صدقة جارية، فلقد أنفقت كل مالك على الكتب التي لم تحبها نفيسة خانم يوماً، ولا ولد صالح، فلقد سمحت بمقتل ولديك في سبيل قضية ها أنت ترى الجميع يدير ظهره لها؛ بل ها هو الحجي يأمر بإحراق آثار طويد القارتين، لا تحرك اصبعا لمنع ذلك، ولا علم... وتقف عند البحرة الكبيرة في باحة التكية حيث كان سكان التكية يتوضأ ومن... لا... بل هنالك العلم... هنالك كل تلك الكتب التي جئت بها وجاؤوك بها من فرنسا ومن مصر... أتظن أنك الوحيد ينتفع بها، لا، فالكتب...إستدار على عقبيه ولم يتوضأ، مضى إلى البيت، لقد أحرقوا، سمات برناردو، ولكنهم لن يحرقوا الكتب، لم يفطر الثلاثي؛ بل مضوا إلى بيت الأغا، قال الحجي؛ لو لم أرها بعيني لشككت، ولكن... والتفت إلى عنيز بقسوة: إنها بنت الأغا معه؟... وأطرق عنيز برأسه في إيجاب دون أن ينطقن ولكن، لماذا... كيف وصل الشيطان إليها، وتمتم عنيز وهو يشدّ الحجي بعيداً عن الشاويش: سر أريد الإعتراف به. سر؟... نعم... تكلم... الأطفال العجبة!!... وتلفت الحجي من حوله في قلق يخاف أن يكون هناك من يسمع وتمنم: ما بهم؟ منذ سنين استدعتني نفيسة خانم الله يرحمها، هه، قالها في توتر يستحثه على الإكمال. وكانت قد وَلَدَتْ وحيدة في البيت وقبل وصول الراية، هه، ارتني الوليد... وتمتم مضطرباً محنياً رقبته كمن يتوقع صفعة من الحجي... كان لها أصابع زائدة في كفيها وقدميها؟ لماذا؟... كان الشاويش الواقف على مبعدة حادّ السمع، فسمع الجمل الأخيرة حين تخلى عنيز عن حذره وإن لم يستطع تمييز الضمير إن كان لصبي أم لبنت... وهزّ عنيز رأسه في ذلة: نعم، وصرخ الحجي! وقف وراء الحجي في صلاة الفجر، ولاحظ عنيز يسجد أمامه في الصف الأول وراء الحجي تماماً، لم يسجد الشاويش بل تأمل الساجدين يبحث عن الآغا، ولكن الآغا لم يكن بين المصلين، فتساءل إن كان قد عرف بإقتحامهم بيته في الأمس، وشعر بعرق الخزي ينسلّ من أبطيه وأصابعه. لم يكن ثلاثي الإقتحام من لم ينم في ليلتهم تلك، فالآغا هرب من الحارة بعد غمزات برناردو وإبليس الساخرة من بين ألسنة اللهب ومضى يضرب في الحارات حتى وصل إلى التكية؛ فجلس بين أشجار الصفصاف يتأمل النهر المتسلل أمامه ويرى إنعكاس النور الضعيف على مويجاته الناعمة. أراد إستعادة التجربة منذ رسالة نعمان الصيدناوي، ولكن الخزي والخجل أعاد غمره، رأى رسمه برناردو المعلقة وهي تتلوى بين النيران ساخرة أتراه غمزه فعلاً... لم يحسّ برغبة في المضيّ إلى البيت، ولماذا؟ لم يحسّ برغبة في رؤية الحجي الذي كان من الواضح أنه يستغل فترة ما بين الواليين ليحقق مشروعه الذي لم يكن يخفيه والذي كانت نفيسة خانم تعلنه أمامه: الشام شريف والأرناؤوطي الملعون اخترق شرفها، ويجب أن تستعيد دورها كشام شريف. الخطوة الأولى على طريق السماء... الحج مبارك، وقبل إنبلاج الفجر أحسّ بمغص صغير في بطنه: كيف تخلى عن برناردو؟ كيف رضي بتسميته بالشيطان، كيف سمح بإحراق رسماته؟ ولكن وجد نفسه يصرخ: وما الذي كنت أستطيع فعله... كانوا كثيرين... وكان من الواضح أتهم يأتمرون بأمر الحجي، وماذا لو ضربوني، أو أهانوني وأنا الرجل العجوز لا ولد لي ولا أخ يدافع عني، ورأى نفسه ينكمش متصاغراً، متمنيّاً لو أن النهر ابتلعه قبل أن يعيش ليرى هذا اليوم. حاول القيام، ولكن البرد قد أنقله وجمّد حركاته، ولكن كان من الواجب أن يقوم، فالمؤذن في النكية يعلن الفجر، ومن الأفضل أن يمضي إلى الجامع، فهناك سيحصل على بعض الدفء ويرتاح بعد الصلاة في إنتظار العودة إلى البيت، تحامل على نفسه واتجه إلى التكية: أنت تشيخ بسرعة يا حسن آغا، تشيخ ولم تنجز شيئاً، وتذكر شعار أبيه الدائم؛ إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به... ولكن، تنهد وهو يدخل إلى مسجد التكية، لا صدقة جارية، فلقد أنفقت كل مالك على الكتب التي لم تحبها نفسيه
عن المؤلف

خيري الذهبي.. روائي ومفكر سوري من مواليد دمشق 1946 ،غادر إلى مصر في بداية الستينيات وتلقى هنالك تعليمه الجامعي في جامعة القاهرة حيث درس الأدب العربي وتتلمذ أدبياً على يدي يحيى حقي ونجيب محفوظ وطه حسين
اقتباسات من الكتاب
لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.
سجّل الدخول لإضافة اقتباسيقرأ أيضاً
المراجعات
💬
لا توجد مراجعات بعد. كن أول من يراجع هذا الكتاب!



