تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب سمرقند
مجاني
📱 كتاب إلكتروني

سمرقند

3.4(١١ تقييم)٥٢ قارئ
عدد الصفحات
٣٧٥
سنة النشر
2007
ISBN
0
التصنيف
فنون
المطالعات
٣٬٩٣٢

عن الكتاب

عندما ولدت في الأول من آذار مارس عام 1873م... وإن لم يكن والداي يريدان إرباكي بهذا الاسم الآتي من بعيد... "عمر" فقد أخّراه إلى المرتبة الثانية لأتمكن إذا رغبت من استبداله بـ (ع) [5 بالحرف اللاتيني]... لم تكن الوراثة التي آلت إليّ على هذا النوح إلا لتوقظ فضولي في ذك الإشبين المغرق في القدم، وفي الخامسة عشرة شرعت اقرأ كل ما يتعلق به... وتعلمت ألا أرى في حرف (ع)... سوى راسب لا يمحى لطيش أبويّ صبياني، إلى أن أعادني لقاء إلى شغفي ووجه حياتي بإصرار على خطى الخيام". تبدأ تفاصيل هذه الرواية من هذه البدايات التي كان مع إصرار صاحبها على تقصي سيرة عمر الخيام باعثاً أتاح له الحصول على هذه المخطوطة التي من ثناياها نسج أمين معلوف نسجاً روائياً خلاباً من خيال حلق في أجواء المخطوطة التاريخية ليلقي على الأحداث في تلك الآونة الزمنية التي أرخ لها عمر الخيام، والتي تناقلها القيمون على المكتبة في (ألموت) أباً عن جد والتي من خلالها تسنى لنا معرفة أثر الخيام بعد موته فيما نال الحشاشين من تحول... وتسنى التعرف على "رباعيات الخيام" بعد أن غدا مستحيلاً في غياب المخطوط حيث اختلطت مئات الرباعيّات المنحولة و"رباعيات الخيام". تلك سمرقند التي ارتحلت مع بنجامين ع.لوساج في مخطوط انتزعه من مسقط رأسه آسيا، وأبحرت في أمتعته على متن التيتانيك... في رحلته الأبدية... لتغرق في حضن الزمان... وتكون حاضرة بعد حين بسطورها بين يدي خيال مترع ألبسها حللاً فغدت سمرقند الخيام حاضرة في الأذهان... وبعد... رباعيات الخيام على الـ"تيتانيك" زهرة الشرق تحملها زهيرة الغرب... ليتك ترى يا خيام اللحظة الحلوة التي كتب لنا أن نحياها.

اقتباسات من الكتاب

عرض حارس الخيام ومريده أن يكتب في هامش الرباعيات قصة المخطوط، ومن خلالها قصة الخيام نفسه، طفولته في نيسابور، وشبابه في سمرقند، وذيوع صيته في أصفهان، ولقاءاته مع أبي طاهر وجهان وحسن ونظام الملك وغيرهم. وعليه فقد كتب بإشراف الخيام، وحتى بإملائه في بعض الأحيان، الصفحات الأولى من سجل الأحداث.

1 / 10

يقرأ أيضاً

المراجعات (٦)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٨‏/٢‏/٢٠١٥
البارحة في ساعة مُتأخرة من الليل أنهيت مُطالعة رواية أمين معلوف "سمرقند". بالإضافة إلى لذة مُطالعة روايات أمين معلوف، التي لا يضاهيها بالنسبة لي أي لذة، فإن شعور الأسى كان يرافقني طيلة رحلتي بين صفحات هذه الرواية، وقد أزداد مع النهاية الحزينة و المعبرة التي أختارها معلوف لروايته، فكأن الشرق قد أضاع كُل مراكمات الماضي، بغرق مخطوط الخيام، رفقة التيتانيك في أعماق المحيط الأطلسي، كما ضاع الأمل في الحاضر، بضياع الحبيبة الفارسية شيرين.  بدأت الرواية بالخيام في أسواق سمرقند يُحاولُ إنقاذ أحد الشيوخ الذين تتلمذوا على يد أبن سينا، فإذا به مطروحًا هو كذلك يأخذُ نصيبهُ من جُهلاء، لا ينقطع حضورهم عن أي عصر، مُكررين نفس الاتهامات، لكل نفس حرة، بالكفر، الزندقة و أخواتها.  رُبما كان حظ الخيام -و رغم أنهُ عاش طريدًا، غير مُرحب به، في عواصم مهما اختلفت و تخاصمت فإنها تشترك، في رغبتها في أن لا يُحرك مياهها الراكدة أي أحد- أوفر من مصير، بقية الأرواح المُتمردة على صمت القبور، و ضجيج غوغاء التقليد، و أحلام السلف، فقد توفي في نيسابور وسط أفراد عائلته، فلم يعش محنة أبن المُقفع، الذي قتل بأبشع الطُرق من قبل سفيان بن معاوية والي البصرة بأمر من الخليفة العباسي المنصور، أو جمال الدين الأفغاني أحد رواد النهضة في القرن التاسع عشر، الذي عاش يحلم بتوجيه نور الحرية المتوهج غربًا، نحو الشرق الغارق في الظلمات و التبعية، فإذا به يُقتلُ طريدًا وحيدًا على يد خليفة المُسلمين الأخير. الخيام، أبن المقفع، الأفغاني و أجيال عديدة من الحالمين منذ قرون بحُرية الإنسان، في عالم يُكدرهُ كثيرًا، الأشخاص الذين يحبون جمال هذه الحياة، و يخرجون عن نظام التقاليد، أو يُفكرون أبعد من حدود "القياس" و "الاستشهاد"، و في أن الآخر قبل أن يكون يهوديًا أو مسيحيًا هو من بني آدم. الأسى الذي أحملهُ ليس من هذا الصراع، الذي أرى أنهُ طبيعي، بين قوى الجذب إلى الوراء، و القوى التقدمية، وإنما في أنهُ كلما لاحت بشائر صباح الحرية، إلا و أستجمع "صاحب الندبة" غوغائييه، تباركُ أعمالهُ فتاوى الشيوخ، ليكتم من جديد صوت الأحلام، فلا كأن الخيام قد كان و لا الأفغاني، و لا الثورة الدستورية الفارسية، و إيرانُ اليوم غارقةٌ في نظام الملالي، كما لازال الشرقُ و مغربهُ غارقين، فلا أشعار الخيام خرجت من دائرة المغضوب عنها، و المعري قُطع رأسُ تمثاله في معرة النعمان السورية، أين تُخاضُ الآن معركة الجهل ضد الاستبداد.  أما معركة الحرية فترقدُ ربما في مخطوط الخيام، الذي قد ينتشلهُ مُخلصٌ آخر و يجعلهُ كتابه المُقدس، في يوم من الأيام سيستعيد الإيرانيون أحلامهم المنهوبة، و سيعودُ لدمشق جمالها المسلوب، و سيكون للمعري تمثال في كُل مدينة، و سيختفي صاحب الندبة و شيوخهُ إلى الأبد، و في تونس سينتصر الذكاء على الجهل، و تُنشدُ في مصر أم كلثوم: سمعتُ صوتاً هاتفاً في السّحَر  نادى مِن الحانِ : غُفاة البشَر هبُّوا املأوا كأس الطلى قبَل أن  تَفعم كأس العمرْ كفّ القدَر.
h
houdakettache
١٥‏/١١‏/٢٠١٤
جميل جدا كتاب رائع بحق قرأته باللغتين الفرنسية والعربية جميل بكلتيهما له ابعاد ثقافية وتاريخية  اول كتاب قراته لامين معلوف ومن المؤكد انني سأقرأ له كثيرا بعده
رانيا منير
رانيا منير
٦‏/٦‏/٢٠١٤
زهرة الشرق تحملها زُهيرة الغرب! ليتك ترى يا خيام اللحظة الحلوة التي كُتب لنا أن نحياها! بهذه الكلمات ينهي أمين معلوف روايته "سمرقند"، ولكن بنهاية الرواية لا تنتهي معها كل الأسرار والتوقعات، فكيف نجا مخطوط سمرقند من محرقة "ألموت" الشهيرة على يد المغول؟ وما الذي جمع بين أميرة فارسية وعاشق أميركي على ظهر التيتانيك وبرفقة رباعيات الخيام؟ وهل غرقت المخطوطة فعلاً مع غرق التيتانيك؟ كيف أسهم عمر الخيام بدمار الإمبراطورية السلجوقية، وكيف أنقذ حسن الصباح مرتين من الموت؟ وما هي حقيقة جماعة الحشاشين؟ وما هي أسطورة قلعة ألموت مقر أخطر طائفة عرفها التاريخ! وكيف يعدم الأب أبناءه؟ هل يمكن لسلطان أن يموت ميتة مخزية على قارعة طريق فلا يشعر بموته أحد؟ وكيف تحتال زوجته تركين خاتون لتنصب ابنها خلفاً للسلطان فتراسل الأمراء دفعة واحدة ليأتوا لنجدتها والزواج منها!
رانيا منير
رانيا منير
٦‏/٦‏/٢٠١٤
"سلام إلى الإنسان في ظلمة صمت الآخرة". بيد أنها كذلك كلمات فرح ولا مبالاة جليلة: "هاتي خمراً ولتكن في مثل ورد خديك. "وليكن ندمي في مثل خفة خصلات شعرك. سمرقند، سحر الشرق، بلاد الحكايات والجان والأساطير، ومغامرات ألف ليلة وليلة.. لم أدرك قبل قراءة هذه الرواية، أن على من يحب قراءة الروايات والحكايات الآسرة أن يقرأ التاريخ، فلم تستطع مخيلة كاتب بشري أن تأتي بقصص أكثر روعة وغرابة وطرافة وحكمة، مما أتت به كتب التاريخ وهي تحكي عن قصص ملوك وشعراء وفلاسفة ودجالين عاشوا ورحلوا تاركين وراءهم أخبارهم التي تختلف صحتها من راو لآخر.. فلو نظرنا مثلاً إلى أهم وأجمل أعمال شكسيبر سنجد أن معظمها يستند إلى أحداث تاريخية وقعت حقاً، كان شكسبير يبحر في كتب التاريخ ليستخرج قصة آسرة يحبك حولها مسرحياته ويخرجها بقالبه الشكسبيري وبهذا ضمن الخلود لأعماله.. هل هذا ما كان أمين معلوف يحاول فعله من خلال روايته "سمرقند" عندما جمع شخصيات تاريخية تفصل بين بعضها فترات زمنية متباعدة، ليحيك منها رواية متماسكة لا تشعرك بالفارق الزمني الشاسع.. أم أن معلوف من خلال العودة للتاريخ كان يعمل على مشروعه الحضاري بإنشاء جسر من التواصل بين الغرب والشرق، عندما جعل تحفة الشرق ممثلة برباعيات الخيام تحملها وتقدر قيمتها تحفة الغرب ممثلة بسفينة التيتانك، فضلاً عن أن الشخصيات التي قدرت قيمة الخيام وبجلته هي جميعها شخصيات غربية بينما وقفت معظم الشخصيات الشرقية موقفاً مستخفاً من رباعياته وإن كانت تقدره كرجل علم.. عندما تقرأ رواية تحوي أحداثاً متخيلة فإن فضولك يدفعك للتساؤل بين الحين والآخر: هل وقعت هذه الأحداث للكاتب؟ هل يروي لنا قصة حياته؟ هل هذه شخصيات حقيقية؟ فماذا يفعل فضولنا عندما يقرأ رواية يمتزج فيها التاريخ بالواقع، السرد التوثيقي بالمتخيل.. لا بد في هذه الحالة من أن يبقى "جوجل" على مقربة منك لأنك ستعود إليه كثيراً لتفرق بين ما هو تاريخي حقاً وما هو روائي.. وهذا ما حدث معي في رواية أمين معلوف "سمرقند" فرغم أني حاولت أن أتابع الرواية حتى النهاية دون أن أشوش معلوماتي بما ستضيفه لي الموسوعة الحرة إلا أني لم أستطع الانتظار لأعرف إن كانت شخصيات الأصدقاء الثلاثة هي شخصيات حقيقية فعلاً أم من نسج خيال معلوف.. عمر الخيام، نظام الملك، حسن الصبّاح، تركين خاتون.. كلها شخصيات حقيقية هذا ما أكدته لي الويكيبيديا الموسوعة الحرة! قررت ألا أقرأ ما جاء في الموسوعة حول هذه الشخصيات حتى أنهي الرواية، لم أشأ أن أحرق متعة اكتشاف الحد الفاصل بين الحقيقية والخيال، رغم أن معلوف كان يضيف الكثير من الهوامش التي تؤكد مصادر معلوماته ويحاول قدر المستطاع أن يكون موضوعياً فيخبرنا بتعدد الروايات حول شخصية أو حدث ما فلم يكن للحقيقة يوم وجه واحد.. لا نريد أي فيلسوف في سمرقند! "وسرت في الحشد تمتمة بالموافقة. فلفظة "فيلسوف" تعني عند هؤلاء الناس كل شخص يهتم عن كثب بعلوم الإغريق المنافية للدين، وبصورة أعم بكل ما ليس ديناً ولا أدباً. وكان عمر الخيام قد أصبح على الرغم من صغر سنه فيلسوفاً بارزاً، أي صيداً أسمن بكثير من جابر المسكين هذا". هكذا تبدأ أحداث الرواية، بمشهد يتكرر في كل عصر، مجموعة من الجهلة يعتقدون أنهم حماة الدين، فيصنفون الناس هذا يتصف بالتقى والورع وذاك بالكفر والزندقة، هؤلاء لم يستحقوا من الخيام سوى أن يخلدهم برباعية: كن حماراً في معشر جهلاء أيقنوا أنهم أولو عرفان فهم يحسبون للجهل من ليـ ـس حماراً، خِلواً من الإيمان في سمرقند تبدأ رحلتنا مع الخيام، نقرأ حواراته مع أبو طاهر قاضي سمرقند، الذي يكن إعجاباً ومحبة شديدين لهذا الشاب المفكر، ومن خلال هذه الحوارات يعرفنا أمين معلوف بطريقة ممتعة بشخصية الخيام وانجازاته: "لست نكرة في سمرقند يا عمر. فعلى الرغم من صغر سنك فإن علمك قد غدا مضرب الأمثال، ومآثرك تتناقل في المدارس. أفليس صحيحاً أنك قرأت في أصفهان سبع مرات مجلداً ضخماً لابن سينا، وأنك نقلته لدى عودتك إلى نيسابور كلمة بكلمة من الذاكرة؟" ويعرفنا من خلال حديث الخيام عن نفسه بنفسه، هو الرجل محب الحياة محب الجمال: "لست من أولئك الذين لا يعدو إيمانهم أن يكون خوفاً من يوم الحساب، ولا تعدو صلاتهم أن تكون سجوداً. طريقتي في الصلاة؟ أتأمل وردة، أعد النجوم، أتدله بجمال الخليقة، بكمال نظامها وترتيبها، بالإنسان أجمل ما أبدع الخلاق، بعقله المتعطش إلى المعرفة، بقلبه المتعطش إلى الحب، بحواسه، كل حواسه، متيقظة كانت أو مترعة". ولأننا في الشرق، ولأن الشرق كان منذ قديم الزمان ومازال مقبرة العظماء والمفكرين والمبدعين، فإن حكمة الشرق الأبدية هي الصمت، كما نصحه القاضي: "لقد أعطاك الله تعالى أثمن من ما يمكن أن يحصل عليه آدمي، الفطنة، وفن القول، والصحة، والجمال، والرغبة في التعلم والتمتع بالعيش، والإعجاب بالناس، وعلى ما أظن، تنهدات النساء. وأرجو ألا يكون قد حرمك الحكمة، حكمة الصمت التي لا يمكن أن يُقدّر ذلك كله ولا أن يُحفظ من غيرها". إننا في عمر الأسرار والخوف، وينبغي أن يكون لك وجهان، واحد تريه للناس وآخر لنفسك ولخالقك. وإذا أردت أن تحتفظ بعينيك وأذنيك ولسانك فانس أن لك عينين وأذنين ولساناً. في بلاط الخان تعرف الخيام بـ"جهان" إحدى شاعرات البلاط التي أبهرت الخيام بشعرها وأثارت غثيانه عندما كافأها السلطان بملء فمها ذهباً: "إن شعرها رائق وبلاغتها جليلة ومشيتها جريئة، ومع ذلك فها هي مكتظة بالمعدن المصفَرّ وقد انصرفت بكليتها إلى هذه المكافأة المخزية". فما الذي جمع بينهما فجعلها حبيبته ثم زوجته والفارق بينهما شاسع، هي تحاول بشتى الوسائل الارتباط بالقصر والسعي وراء الذهب والسلطة وهو مستعد للتخلي عن حياته إن كانت ستربطه بالحكم والسلطة والتكالب عليهما: "إنهما معاً ومتباينان. ومع أنهما عشيقان منذ تسع سنوات، ومتزوجان منذ أربع، فإن أحلامهما لا تتعايش دائماً تحت السقف نفسه. فـ جهان تلتهم الزمن وعمر يحسوه. وإنها لتريد أن تهيمن على العالم وتملك مِسمع السلطانة التي تملك مِسمع السلطان. وهي في النهار تدبر المكائد في جناح الحريم الملكي وتطّلع على الرسائل المتنقلة جيئة وذهاباً، وعلى الهمسات التي تدور في المخادع، وعلى الوعود بالمجوهرات، وعلى الآثار الناجمة عن السم. وإنها لتهيج وتتململ وتتقد. وفي المساء تستسلم للسعادة بتلقي آيات الحب. وأما عمر فالحياة عنده مختلفة. إنها لذة العلم وعلم اللذة. فهو ينهض متأخراً ويشرب الصبوح التقليدي ثم يجلس إلى منضدة عمله فيكتب ويحسب ويرسم الخطوط والصور، ثم يعود إلى الكتابة فيكتب في كتابه السري قصيدة أو بعض قصيدة". ورغم أن الخيام يحذرها ويحاول أن ينقذها من المستنقع الذي كانت تغرق فيه إلا أنها لم تصغ له: "يحل ابن سلطان تركي محل ابن آخر، ويزيح وزير وزيراً، يا الله يا جهان كيف يمكنك قضاء أجمل سنوات عمرك في قفص الوحوش هذا؟ دعيهم يتذابحون ويقتلون ويموتون. أتغدو الشمس لهذا أقل سطوعاً، والخمر أقل عذوبة؟". يلتقي عمر الخيام بالوزير "نظام الملك" ويحكي له الوزير عن حلمه الذي يحتاج رجالاً كالخيام لتحقيقه فرغم سعة الامبراطورية ووفرة أهلها وثرائها فهناك دائماً قحط في الرجال على حد تعبيره ورجل كالخيام لن يكتفي باستقدامه من سمرقند بل هو مستعد للذهاب بنفسه سيراً على قدميه للإتيان به.. إن وجود رجل حكومة كنظام الملك يبحث عن العلماء ويستقدمهم من شتى أنحاء فارس ليكونوا عوناً له في وزارته لهو حلم بحد ذاته: "أنا أحلم بأن أشيد فوق هذه المنطقة الشاسعة الآيلة إليّ أقوى دولة في الدنيا وأكثرها ازدهاراً واستقراراً وانتظاماً. أحلم بإمبراطورية يحكم كل إقليم فيها وكل مدينة رجل عادل يخاف الله ويهتم بشكاوى أضعف الرعية. أحلم بدولة يشرب فيها الذئب والحمل معاً بكل دعة ماء الساقية عينها. غير أني لا أكتفي بأن أحلم، بل أبني. طُف غداً بأحياء أصفهان تَرَ أفواج العاملين في الحفر والبناء، والحرفيين الغارقين في العمل. ففي كل مكان تنتصب المصحات والمساجد والفنادق والقلاع وقصور الحكومة. وما هي إلا أن يكون لكل مدينة مهمة مدرسة كبيرة تحمل اسمي، "المدرسة النظامية". لقد بدأت مدرسة بغداد بالعمل، وقد رسمت بيدي خطة الأمكنة وحددت منهاج الدروس واخترت لها أفضل المعلمين، وخصصت كل طالب بمنحة. وهذه الإمبراطورية كما ترى ورشة ضخمة، وها هي ذي تقوم وتتفتح وتزدهر، إنه لعصر مبارك تكرمت السماء علينا بالعيش فيه". مُنح عمر الخيام أجمل منازل أصفهان مع راتب قدره عشرة آلاف دينار سلطاني سنوياً كما تم بناء مرصد بقبة مسدسة من الحجر، وبالاصطرلاب وآلات شتى لقياس طول السنة الشمسية الصحيحة وكان ذلك حلم الخيام الوحيد: "في الليل يذهب إلى المَرْصَد القائم فوق تلة قريبة من منزله. وما عليه إلا أن يجتاز حديقة ليُلفي نفسه وسط الأدوات التي يحبها ويزيّتها ويُلمّعها بيده. وكثيراً ما يصحبه بعض الفلكيين العابرين. ولقد انقضت السنوات الثلاث الأولى من إقامته في الاهتمام بمرصد أصفهان فأشرف على تشييده وصنع آلته ووضع على الأخص التقويم الجديد الذي كان يحمل رسمياً اسم السلطان، غير أنه في الشارع، وحتى بعض الوثائق، كان يكتفى بالقول "السنة الفلانية من تقويم عمر الخيام". أيّ إنسان عرف في حياته مثل هذا الشرف؟ وما أروع أن يكون الخيام شخصية شهيرة ومحترمة، وهو لا يزال في الثالثة والثلاثين من العمر. وأن يخافه كذلك من يجهلون نفوره الشديد من العنف والهيمنة". فعلى الرغم من أن الوزير طلب من الخيام معاونته في أمور الحكم وأن يعينه في منصب رئيس مخابرات الامبراطورية، إلا أن الخيام رفض المنصب قائلاً: "بين الأسرار ومن يبوحون بها أنا في صف الأسرار. ففضولي عن الناس والأشياء يختلف التعبير عنه عندي". فما كان من الوزير إلا أن يسلم برغبته: "عزائي أن أقول لنفسي إن المؤرخين سيكتبون للخَلَف: لقد عاش في زمن نظام الملك عمر الخيام، وقد كُرّم بمأمن من العوادي وكان في وسعه قول "لا" للوزير الأعظم من غير أن يتعرض للعقاب". وهنا عرفه الخيام بصديقه حسن الصباح الذي تعرف عليه بدوره في فندق أثناء طريقهما إلى أصفهان: "إنني حسن الصبّاح من "قُم". ولست أدّعي مجداً غير أنني أتممت في السابعة عشرة قراءة جميع ما يخص علوم الدين والفلسفة والتاريخ والنجوم". وأخذ عمر يطرح بدافع اللهو على حسن بعض الأسئلة عن أفلاطون وأقليدس وبرفوريوس وبطليموس، عن طب دياسقوريدس وجالينوس والرازي وابن سينا، ثم عن التفسير والفقه. وكان جواب رفيقه يأتي على الدوام دقيقاً محدداً لا مأخذ عليه. فمن هو حسن الصباح هذا، وما الذي ينوي فعله بكل هذه العلوم التي حصلها، هل غايته فعلاً أن يقابل الوزير نظام الملك ويعمل لديه أم ينافس الوزير نفسه على مكانته لدى السلطان؟ أم كان من البداية يخطط لتدمير الامبراطورية السلجوقية، الأمر الذي يسره له عمر الخيام في أكثر من موقف، عندما قدّمه أولاً وامتدحه لدى الوزير، وعندما شفع له عند السلطان ليبدل حكمه بالموت إلى نفي حسن الصباح الذي اتجه للقاهرة وانضم لفرقة الاسماعيليين: "استأنف الرجل الجاحظ العينين حياة الترحال. وإذ كان داعية لا يكل فقد طاف الشرق الإسلامي، بلخ ومرو وقشعر وسمرقند. وها هوذا يدعو في كل مكان ويحاجّ ويقنع بالانخراط وينظّم. ولا يغادر مدينة ولا قرية من غير أن يسمّي فيها ممثلاً وقد أحاطت به حلقة من المريدين، من شيعيين أتعبهم الانتظار والمعاناة، وسنّيين، فرساً أو عرباً، أرهقتهم هيمنة الأتراك، وشباب لوعهم الهيجان والغليان، ومؤمنين ينشدون التمسك بأهداب الدين. ويكبر جيش حسن كل يوم. ويطلقون عليهم اسم "الباطنيين" ويعاملونهم على أنهم هراطقة وملحدون. ويصبّ العلماء عليهم اللعنة تلو اللعنة: "الويل لمن ينضمّ إليهم، الويل لمن يأكل زادهم، الويل لمن يناسبهم، وسفك دمهم حلال كما هو حلال أن يروي المرء بستانه". وفي نهاية القرن الحادي عشر، بالتحديد 6 أيلول 1090م. حسن الصباح مؤسس فرقة الحشاشين العبقري، على أهبة الاستيلاء على القلعة التي سوف تكون خلال مئة وستة وستين عاماً مقراً لأخطر طائفة عرفها التاريخ. أسطورة أَلَمُوت بأسلوب شيق يروي لنا معلوف قصة جماعة الحشاشين، كيف اختار حسن الصباح قلعة ألموت القلعة الحصينة ليجعلها مقراً لجماعته ومركزاً لنشاطه. وكيف حصنها ضد أي هجمة أو حصار وإن دام سنين، حيث حفر فيها الآبار والأقبية لتخزين الطعام وشيد فيها مكتبة زاخرة بالمصنفات والكتب النادرة.. لم يفارق حصيرته في الثلاثين عام الأخيرة من حياته ومنها كان يدرس ويصلي ويكتب ويخطط لقتل الضحية التالية. فرض على سكان القلعة نظاماً صارماً من أجله كان مستعدا حتى لحز أعناق أبناءه فقد حكم بالموت على أحد أبناءه لأنه ضبط في حالة سكر، أما الثاني فقد اتهم بجريمة فأعدمه دون التحقق من أمرها وعندما حاولت النساء الاعتراض والاحتجاج على تسلطه أمر بطردهن من ألموت لئلا تفسد تأثيرات النساء حكمهم السوي. لقد روّع القيم بأمر الحشاشين الشرق والغرب بعمليات القتل المشهودة التي أمر بها، وبالأساطير التي حيكت حوله وحول فرقته وحول قلعته. فقد سقط أعيان من الناس في كل مدينة من مدن المسلمين، وبكى الصليبيون ضحيتين أو ثلاثاً من عظمائهم. فهل كان أتباع الصباح يتعاطون الحشيش كما أشيع عنهم لكي يتمكنوا من تنفيذ المهمات التي يوكلها إليهم، إذ كان عليهم أن يقتلوا الضحية دون أي محاولة للهرب، ويواجهوا موتهم بابتسامة ساخرة: "وتدريب الفدائي مهمة دقيقة ينصرف إليها حسن بشغف ورهافة. فهناك تعليمه كيف يخفي خنجره، وكيف يستله بحركة خاطفة، وكيف يغرسه في قلب ضحيته أو في عنقه إذا كانت تحكي صدره درع من الزرد، وكيف يتآلف مع الحمام الزاجل ويستظهر حروف الهجاء المرمّزة، وسيلة الاتصال السريعة السرية بألموت، وكيف يتعلم أحياناً لغة محكية أو لهجة محلية إقليمية، وكيف يتقن الاندساس في وسط غريب عليه ومعاد له، ويذوب فيه طوال أسابيع وأشهر، وكيف ينيم جميع الشكوك بانتظار اللحظة المؤاتية للتنفيذ، وكيف يطارد الفريسة مطاردة الصياد، ويدرس بدقة مشيتها وملابسها وعاداتها والساعات التي تخرج فيها، وأن عليه أحياناً، عندما يكون الأمر أمر شخصية محمية بشكل استثنائي، أن يجد وسيلة تمكنه من أن يكون بجانبه، وأن يقترب منه، وأن يرتبط ببعض خاصته. ويُحكى أن فدائيين اضطرا من أجل القضاء على أحد الضحايا إلى قضاء شهرين في دير للنصاري متظاهرين بأنهما راهبان. وإنها لمقدرة عظيمة على التلون كالحرباء، مقدرة لا يمكن تصور ترافقها مع أي طريقة لتعاطي الحشيش! وأهم من كل ذلك أن على المريد أن يكتسب الإيمان اللازم لمواجهة الموت، الإيمان بجن تكون من نصيب الشهيد في اللحظة التي تزهق فيها الجموع الهائجة روحه". ليس في وسع أحد أن يناقض القول بأن حسن الصبّاح قد نجح في بناء أشد آلات القتل هولاً في التاريخ. ومع ذلك فقد انتصبت في وجهها في نهاية ذلك القرن الدامي آلة أخرى هي "النظامية" التي ستنذر الموت، إخلاصاً منها للوزير القتيل.. فبعد قتل الوزير نظام الملك على يد جماعة حسن الصباح، تبدأ سلسلة الانتقامات التي تقوم بها جماعته، والتي تبدأ بالسلطان ملكشاه، ثم زوجته خاتون وزوجة الخيام جهان. حتى منزل الخيام فقد نهب وأضرمت فيه النار وخرب مرصده فحينما يحصل زمن الانقلابات لا يستطيع أحد وقف مجراه، ولا يقدر أحد على الفرار منه، ويفلح بعضهم في تسخيره. كان صراع القوى الضخم يتنامى وإن بتكتم. وتوالت عمليات القتل، والقتل بالمقابل، ولم تنجُ منه مدينة ولا قرية ولا طريق، وبدأ "الأمن السلجوقي" يتفتت. وجه حسن الصباح دعوة لعمر الخيام ليأتي ويعيش معه في ألموت لكن الخيام يرفض قائلاً: "ما الذي بيني وبين هذا الرجل من أمور مشتركة؟ أنا متعبِّد للحياة وهو عابد للموت. أنا أهتف: "إن كنت لا تعرف الحب فما يجديك شروق الشمس أو غروبها؟" وحسن يطالب الناس بتجاهل الحب والموسيقى والشعر والخمر والشمس. إنه يحتقر أجمل ما في الخليقة ويجرؤ على التلفظ باسم الخالق. يجرؤ على الوعد بالجنة! صدقني إذا كانت قلعته باب الجنة فإني أستنكف عن الجنة! ولست لأطأ أبداً غار النساك الزائفين ذاك! لقد أقام حسن الصباح ألموت لمواجهة العالم، وأما أنا فلم أُقِم غير هذا القصر الصغير من الورق، غير أني أستطيع الزعم بأنه سيبقى بعد فناء ألموت. ذلكم هو رهاني، وذلكم هو موضع فخري. وما من شيء يخيفني أكثر من التفكير في إمكان وقوع مخطوطي بعد موتي بين يدين رعناوين أو مؤذيتين". وهذا ما حدث فعلاً، فقد مات حسن وماتت معه أسطورة ألموت، ومات عمر الخيام لكن مخطوطته بقيت حية، فبعد أن اختظفها حسن الصباح واحتفظ بها في قلعته الحصينة وبقيت هناك حتى أيام الغزو المغولي، تمكن أحد أحفاد الصباح من انقاذها من الحريق الهائل الذي أشعله المغول في المكتبة: "وهكذا ظلت مكتبة الحشاشين تحترق سبعة أيام بلياليها، وضاعت تصانيف لا يحصى عددها فلم يبق نسخة واحدة عنها. ويزعم أنها تحتوي على أفضل ما حفظ من أسرار الكون. ولقد ذهب الظن بالناس طويلاً إلى أن مخطوط سمرقند قد هلك هو الآخر في محرقة ألموت". "كل ما كان في تلك الحقبة قد دُمِّر، كما لو أن لعنة حلت. الأسوار، القصور، الجنائن، البساتين، الأقنية، أماكن العبادة، الكتب، أهم التحف. والآثار التي نعجب لها اليوم قد بنيت فيما بعد أيام تيمورلنك وذريته، وعمرها أقل من خمسة قرون. وأما من عصر الخيام فلم يبق سوى كسرات من الخزف، وذلك "المخطوط" وهو ناج خارق". فعلى هامش الرباعيات كتبت قصة الخيام وجهان والأصدقاء الثلاثة ثم أخبار القيمين على مكتبة ألموت، الأب والابن والحفيد وقد تحدثوا عن مآل المخطوط بعد اختطافه من مرو، وما كان من تأثيره في الحشاشين مع خلاصة تأريخية عن هؤلاء حتى الزحف المغولي. وفي السطور الأخيرة منه نقرأ: "كان علي أن أفر من ألموت عشية تدميرها متوجهاً إلى كرمان مسقط رأسي حاملاً معي مخطوط الخيام النيسابوري الذي لا يضارعه أحد. وقد عزمت على إخفائه في اليوم نفسه آملاً ألا يُعثر عليه قبل أن تغدو أيدي الناس جديرة بحمله. ولهذا فإني أتوكل على الله العلي، فهو يدي من يشاء ويضل من يشاء". كان هذا بتاريخ 1257م وبقي بعدها المخطوط صامتا ومختفياً حتى تلقاه جمال الدين الأفغاني هدية في القرن التاسع عشر سبات طويل . قيلولة شرقية لا تنتهي. ثم صحوة مجفلة بين ذراعي ذلك المجنون ميرزا رضا.. وهنا يبدأ فصل جديد في الرواية مع جمال الدين الأفغاني وأتباعه لا يقل متعة عن الفصول السابقة ولكني سأكتفي هنا بما قاله جمال الدين الأفغاني عن الأصدقاء الثلاثة: "إنهم اشخاص متباينون تمام التباين، بيد أن كلاً منهم يمثل مظهراً خالداً من مظاهر النفس الفارسية. وينتابني أحياناً شعور بأني الثلاثة في آن. فأنا أطمح، شأن نظام الملك، إلى إقامة دولة إسلامية كبرى وإن حكمها سلطان تركي لا يطاق. وأزرع، شأن حسن الصباح، الاضطراب في كل ديار الإسلام، ولي تلاميذ سوف يتابعونني حتى الموت.. وشأن الخيام أترصد ما في اللحظة الحاضرة من مسرات نادرة وأنظم أبياتاً في الخمر والنديم والحانة والمحبوبة، وأحاذر مثله من الأتقياء المزيفين. وعندما يتحدث عمر عن نفسه في بعض الرباعيات بنتابني وهم بأنه إنما يصفني أنا: "في الدنيا المبرقشة يسير رجل لا هو بالغني ولا بالفقير، لا بالمؤمن ولا بالكافر، لا يمالق أية حقيقة ولا يوقر أية شريعة.. فأي رجل شجاع وحزين هو هذا الرجل في الدنيا المبرقشة؟".
رانيا منير
رانيا منير
٢٧‏/٨‏/٢٠١٣
مع أمين معلوف تبدو تصنيفات الأدب لا معنى لها، فهل نقول أنه يكتب أدباً غربياً طالما أن جميع رواياته مترجمة عن الفرنسية؟ هو الشاب المهاجر لبلاد أجنبية منذ كان في السابعة والعشرين من عمره.. ومن جانب آخر، كيف يمكننا تصنيف رواياته على أنها أدب أجنبي وهي المشبعة بروح الشرق التي لا يستطيع سبرها سوى كاتب شرقي أصيل.. بعد قراءة "سمرقند" شعرت بالاحباط.. عندما تخيلت كم المعلومات الرهيبة التي كان على أمين معلوف مراجعتها والبحث عنها في المكتبات الغربية، أتخيله جالساً أمام كومة من الكتب يبحث في العديد من المراجع ليخرج معلومة صغيرة أو تفاصيل أكثر عن كل شخصية جاءت في روايته، ألا يمكن لكاتب عربي أن يبذل هذا المجهود عندما يكتب رواية لتصبح الرواية العربية مشروعاً ثقافياً حقيقياً لا مجرد قصة حب عابرة مع بعض الإثارة والتشويق؟!.. في القسم الأخير من الرواية كان معلوف يعبر عن حلمه الحضاري بأن يصبح الغرب والشرق سواسية وشركاء بدل أن تربطهم علاقة العبيد والأسياد أو الأعداء وفق قانون القوى: "أية صورة يتصورها الفرس اليوم عن الأمم المسيحية؟ صورة إنكلترا المغرقة في المسيحية وهي تستحوذ على نفطهم، أم صورة روسيا المغرقة في المسيحية وهي تفرض عليهم إرادتها عملاً بالقانون المقيت، قانون الطرف الأقوى؟ ومن هم المسيحيون الذين خالطوهم إلى الآن؟ وفي أي عالم سنعيش نحن وهم معاً؟ ألا نملك خياراً غير الاقتراح عليهم بأن يكونوا عبيدنا أو يكونوا أعداءنا؟ ألا يمكن أن يكونوا شركاء، أن يكونوا سواسية؟ وإنه لمن حسن الحظ أن يستمر بعضهم في تصديقنا والإيمان بقيمنا، ولكن إلى متى يستطيعون بعد كَمّ آلاف الأصوات التي تماهي الأوروبي والشيطان؟". كما يعبر عن حال المسلمين أيام جمال الدين الأفغاني ويصفهم بالأيتام فهل تغير الوضع الآن وبعد قرنين على وفاة الأفغاني؟: "وعندما أتيت إلى القسطنطينية، نصف المجنون (السلطان عبد الحميد) هذا يحتجزني أسيراً ضارباً عرض الحائط بأصول الضيافة. ولقد أبلغته مؤخراً رسالة أقول فيها: "هل أنا ضيفك؟ ائذن لي بالرحيل! هل أنا سجينك؟ غلل قدمي وارمني في زنزانة! " غير أنه لم يتنازل إلى الرد علي. ولو كنت أحمل جنسية الولايات المتحدة أو فرنسا أو النمسا- هنغاريا، ناهيك بروسيا أو انكلترا، لدخل قنصل بلادي مكتب الصدر الأعظم من غير أن يقرع الباب وحصل على إطلاق سراحي في نصف ساعة. أقول لك إننا- مسلمي هذا العصر- أيتام".
Mahmoud El-Shafey
Mahmoud El-Shafey
٢٦‏/٨‏/٢٠١٣
أذكر أني قرأت عن هذه الرواية من منتديات إيثار المغلقة حالياً، فقد كان الحديث عنها جميلاً، حتى أنهم رفعوها إلكترونياً كعادتهم عندما يكون اكتاب جميلاً.. أقتنيت الرواية منذ فترة، واقتنيت روايات أخرى لأمين معلوف لأني توقعت كما سمعت أنه رائع وجميل. كانت بداية رحلتي مع مخطوط سمرقند حينما قررت أن انتظم بالقراءة بعد أن اصابني ما أصابني من خمول وكسل وابتعاد عن القراءة، فمررت ذات يوم من أمام الرف وقلبت الكتب لأقرأ شيئاً يعيد النشاط والحيوية،، مددت يدي إليه وقلبته، وفتحت الكتاب، كنت في هذه الفترة راحلاً مع الشعر والقصائد والشعراء، فما إن رأيت الخيّام فيها، حتى أخذتها مباشرة وبدأت أقرأ الرواية، وعلى مهل، حتى قرأتها في قرابة الاسبوعين، أكثر الأوقات قراءة كانت بعد صلاة الفجر، فهو أفضل الأوقات لدي للقراءة، كيث يكون الفكر صافياً لم يتشوش بعد من اعمالنا اليومية، فقرائتي في هذه الفترة لها متعة خاصة، لاتضاهيها أي متعة. غلاف الرواية جاء حاملاً صورة تدل على شيء مما في الرواية، قافلة تسير، ورجال راكبين، وكأنني أرى الشاعر عمر الخيّام بينهم. تبدأ الرواية بإهداء من المؤلف إلى والده، ثم يقول كجملة تقديمية للرواية (والآن أجل بصرك في سمرقند! أليست ملكة الدنيا؟ مزهوّة على جميع المدن، وفي يديها مصائرهن؟) [ادغار ألان بو]. صفحتان قبل بداية الكتاب الأول، تعرض مصير المخطوط المفقود سمرقند ففي أعماق المحيط الأطلسي يرقد هذا المخطوط، بعد أن ابحر في التايتنك عام 1912م. حمله من آسيا بنجامين ع لوساج، يلوم نفسه على أن أخذه من آسياً ليضيعه في أعمال المحيط. قسمت الرواية إلى أربعة كتب، فالكتاب الأول (شعراء وعشاق) والكتاب الثاني (فردوس الحشّاشين) والكتاب الثالث (نهاية الأعوام الألف) والكتاب الرابع (شاعر تائه). يستفتح كل كتاب من الكتب الأربعة بأبيات من رباعيات الخيام. الكتاب الأول، شعراء وعشاق، يُستهل بالأبيات: إلهي قل لي من خلا من خطيئة وكيف تُرى عاش البريء من الذنب إذا كنت تجزي الذنب مني بمثله فما الفرق مابيني وبينك ياربي؟ في هذا الكتاب الأول تكون الولادة الأولى لمخطوط سمرقند، ففي صيف 1072م كان عمر الخيام في سمرقند وكان عمره اربعة وعشرين عاماً، كان ذلك اليوم يتجول في أنحاء سمرقند، فمن السوق للحانات للساحات العامة، (استوقفه تجمهر الناس حول رجل عجوز طويل الاطراف هزيل الجسم، ملقى على الأرض حاسر الرأس وشعره الأبيض مشعث فوق جمجمة مسفوعة؛ لم تكن صيحاته الناجمة عن الغضب والذعر سوى نجيب مستطيل، وكانت عيناه تضرعان إلى أول قادم. كان حول المسكين زهاء عشرين شخصاً تهتزّ لحاهم في الهواء، وتتشفى هراواتهم، وعلى بعدٍ منهم حلقة من المشاهدين المغتبطين، وإذ لاحظ أحدهم أحدهم سحنة الخيّام المستنكره فقد ألقى إليه بنبرة أشد ماتطون تطميناً: ليس في الأمر مايزعج، إنه ليس غير جابر الطويل ) تدخل الخيّام بطريقة لإنقاذ جابر مما وقع فيه، وعرف أنه إنما وضعه في هذا الموضع غير نبذهم له بالسُكر والكفر والفلسفة. وهم لايريدون في سمرقند فيلسوفاً. ولفظة فيلسوف لاتدل في نظرهم إلا على المهتم عن كثب بعلوم الأغريق المنافية للدين، وبصورة أعمّ، بكل ماليس ديناً ولا أدبا. وكان عمر، وعلى رغم صغر سنه فيلسوفاً بارزاً. ناقشه قائد العصابة التي نفذت العقاب على جابر الفيلسوف المسكين وقد عرف فيما بعد أنه عمر الخيّام، فاستخف به أمام الجمهور، وعمر متماسك يخشى سطوة الجهل والجهلة عليه، فسألة ألست القائل: كسرت يارب إبريق المدام كما سددت لي باب عيشي حيثما كانا أنا شربت وتبدي أنت عربدة ليت الثرى بفمي، هل كنتَ نشوانا؟ فانكر عمر، وقال بأنه يسمع هذا الكلام من فمة للمرة الأولى. وهكذا تسير الأحداث ويلتقي بـ جهان وتتكون بينهما علاقة ثم عشق، ولقاء.. كثيراً من الأحداث السياسية والتاريخية تمرّ عرضاً خلال القراءة، لقاء حسن الصباح ومعرفته عن قرب، والوساطة له. اما الكتاب الثاني والذي يحمل عنوان فردوس الحشاشين فيبدأ بمقولة لعمر الخيام (الجنة والنار هما في ذات نفسك). الصورة الأولى شاعرية أكثر من أي شيء آخر، مائدة منصوبة تحت عريشة العنب، إبريق طويل العنق لأجود نبيذ أبيض في شيراز، نبيذ ممسك بقدر، وحوله وليمة من مئة صحفة صغيرة.. هبوب ريح خفيفة قادمة من الجبال الصفراء عبر البساتين المزهرة، تتناول جهان عوداً وتنقر على أوتاره.. يعود حسن الصباح مرة أخرى إلى عمر بعد طرده وابعاده، ويدعوه غلى عقيدته، حسن الذي ينتمي لأسرة شيعية عريقة، وقد تحول إلى الإسماعيلية بعد مناقشة له مع أحد دعاة الإسماعيلية، زهد في الدنيا ولبس ثياب الصوفية. كون أتباعه، وأخذ من ألموت حصناً ومكاناً آمنا له ولأتباعه، بعد ضعف الدولة. أتباع حسن الصباح يواجهون الموت بالابتسام، يقال أنهم يدخنون الحشيش، ويقال بأن حسن رباهم على القوة والمدافعة عن العقيدة وحشيشهم الحقيقي هو إيمان لا يتلون، يعزز على الدوام أحكم التعاليم وانجع التنظيمات وأدق توزيع للمهمات. عدة اغتيالات دبرها الإمام الأعظم حسن الصباح واتباعه. وعمر الخيام يحافظ على مخطوطة محافظة شديدة، يأخذ اتباع حسن المخطوط ويودعونه في ألموت عند حسن في محاولة لإستدراج صاحبة، يحزن عمر حزناً شديداً، ويغادر مرو إلى مسقط رأسه ليرتاح من عناء الترحال والتنقل. توفي عمر في 1131م. والمخطوط محفوظ في قلعة حسن. بعد موت حسن ومجيء الوريث بعده وقد سمي بالمخلص، ليخلصهم من الدنيا كما يعتقدون، فدنياهم عندما كانوا في عهد حسن، اما الآن فهم في الجنة، يقول المخلص في كلمة له: يا أمة الثقلين إن إمام الزمان يبارككم ويغفر ماتقدم من ذنوبكم وما تأخر، ويبلغكم أن الشريعة قد بطلت لأن ساعة الحشر قد حانت،،، وكل ماكان محرما أصبح محللاً وكل ماكان فرضاً أصبح محرماً. ويتابع ويقول: حرمت الصلوت الخمس لأننا الآن في الجنة.. يأمر المخلص بإجلال مخطوط سمرقند بوصفه كتاباً عظيما من كتب الحكمة. بعد ذلك تسقط هذه القلعة بعد الضياع. في الكتاب الثالث نهاية الأعوام الألف يبدأ الحديث عن بنيامين عُ. لوساج. وهو مواطن أمريكي ولد في انابولس، من أصول فرنسية. سمي بـ بنيامين عُ. فحرف ع كناية عن عمر، لإعجاب والده بعمر بعد ترجمة الرباعيات إلى عدة لغات وحيث أصبح الكتاب من كتب الحكمة. وهكذا رحل بحثاً عن المخطوط، من شخص إلى شخص إلى آخر. رحل حتى وصل إلى أرض فارس وهناك عاش الحروب والثورات، وألتقى بشيرين، التي من الاسرة الحاكمة في فارس، وكانت العلاقة، كل ذلك من اجل المخطوط الذي كان بحوزتها.. اما الكتاب الرابع من هذه الرواية شاعر تائه فيبدا برباعية للخيام: غدونا لذي الأفلاك ألعاب لاعب أقول مقالا لست فيه بكاذب على نطع هذا الكون قد لعبت بنا وعدنا لصندوق الفنا بالتعاقب. حروب وقتال في فارس، وخصوصا في العاصمة تبريز،، لقاء بنيامين بشيرين وقراءة مخطوط سمرقند سوياً لقد صمت المخطوط في القرن الثالث عشر الميلادي وتلقاه جمال الدين هدية في القرن التاسع عشر، فماذا ترى حدث في هذه الأثناء؟ قال بنيامين هذا الكلام مخاطباً شيرين، قالت: سبات طويل، قيلولة شرقية، ثم صحوة مجفلة بين ذراعي ذلك المجنون ميرزا رضا . الكثير من الأحداث السياسية في تلك الفترة، شيرين وبنيامين والمخطوط راحلين، ركبوا التايتنك، قرأوا جميعاً من المخطوط كثيراً في التايتنك. عندما اصطدمت التايتنك بالجبل الجليدي، وفزع الناس، ركبوا القوارب، النساء والأولاد قبل الرجل، بنيامين ركب أحد القوارب كي يجدف بهم.. غرقت التايتنك وغرق معها المخطوط، وغرقت أحلام بنيامين وشيرين، فقد كان المخطوط بالنسبة لهما درة وجوهرة ثمينة. لم تتفوه شيرين بكلمة بعد الحادثه، أتت سفن الإنقاذ، اخذهم على شاطئ نيويورك، وعندما وصلوا كانت الصحافة والضجة بانتظارهم، انشغل بنيامين مع أحد الصحفيين، وتوارت شيرين واختفت، بحث عنها كثيراً كثيراً، ولا أثر.. (تلك سمرقند التي ارتحلت مع بنجامين ع.لوساج في مخطوط انتزعه من مسقط رأسه آسيا، وأبحرت في أمتعته على متن التيتانيك في رحلته الأبدية لتغرق في حضن الزمان وتكون حاضرة بعد حين بسطورها بين يدي خيال مترع ألبسها حللاً فغدت سمرقند الخيام حاضرة في الأذهان وبعد رباعيات الخيام على الـ تيتانيك زهرة الشرق تحملها زهيرة الغرب ليتك ترى يا خيام اللحظة الحلوة التي كتب لنا أن نحياها.) وعلى الغلاف الأخير: لقد انتظرت طويلا اشارة من شيرين، ولكنها لم تجئ قط. ولم تكتب لي. ولا ذكر احد قط اسمها امامي. وانا اتساءل اليوم.. هل وجدت يا ترى؟ هل كانت شيئا غير كونها ثمرة كوابيس الشرقية؟ وفي الليل، وفي وحدتي، في غرفتي الفسيحة، عندما يداهمني الشك، عندما تتشوش ذاكرتي، عندما اشعر بان عقلي يترنح، انهض فاشعل جميع الاضواء واجري فاستعيد رسائلها الماضية التي اتظاهر بفضها وكأني تلقيتها لتوي فاستنشق عطرها واقرأ منها اسطرا؛ بل ان برودة نبرتها بالذات تشد من ازري وتسبغ علي وهم العيش مجددا في حب وليد. وعندها فقد اعيد ترتيبها وقد استعدت هدوئي واغوص من جديد في الظلام مستعدا لترك نفسي بلا وجل لانبهاراتالماضي: عبارة اطلقت في صالون من صالونات القسطنطينية، ليلتان بلا نوم في تبريز، كانون نار في شتاء زرقندة ومن رحلتنا الاخيرة هذا المشهد: كنا قد صعدنا الى رواق الاستراحة وتبادلنا في زاوية معتمة خالية قبلة طويلة. وكنت قد وضعت المخطوط مسطحا على احدى صوى الرسو لكي امسك وجهها بيدي. وعندما لمحته شيرين انفجرت ضاحكة، وابتعدت ثم قالت للسماء في حركة مسرحية: - رباعيات الخيام على الـ تيتانيك ! زهرة الشرق تحملها زهيرة الغرب! ليتك ترى يا خيام اللحظة الحلوة التي كتب لنا ان نحياها! أخيراً، الرواية من أروع الروايات التاريخية، الشعرية، قد تكون مملة قليلاً في بعض اجزائها، ولكنها رائعة وثرية بالمعلومات، التاريخية والسياسية والفكرية.. قد تكون ذات حظوة عندي لأنها تتحدث عن رحلة كتاب، وسيرة مخطوط أكثر من كونها رحلة لأي شيء آخر. فيها الكثير من محاولة فهم الفكر الشرقي، وخصوصاً عندما نركز على حسن الصباح واتباعه، ونقاشه مع عمر الخيام.