تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب ج
مجاني

ج

0.0(٠ تقييم)
عدد الصفحات
١٤٤
سنة النشر
2024
ISBN
B0DM4BMNF4
المطالعات
١٤٥

عن الكتاب

تفصح قراءة عجلى لرواية "ج" بقلم عبد الله الزماي (دار رشم للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، 2024) عن كونها محض سيرة ذاتية مواربة، خاصة وأن الكثير من الأحداث تكاد تتطابق مع خلفية الكاتب الحياتية والمعرفية. إلا أن القراءة المتأنية تضعنا أمام رواية ذهنية صريحة، تتوسل "الذاكرة" أرضًا لمسار أحداثها و"الخيال" هواءً يسري في ذلك المسار، منوعًا بذلك بين عدة أصوات سردية لم تعيّن مكان الأحداث إلا باسم قرية "جيم" وجارتها "جويم"، لكن القارئ السعودي قادر بوضوح على استجلاء ملامح منطقة حائل تحديدًا من ثنايا حواراتها على الأقل. وكما أسلفت، فإن ما ينجو بهذه الرواية من تنميط التوثيق الشخصي وأدب الاعتراف هو "الخيال" بوصفه مفهومًا ذهنيًا يعيد تشكيل الخيارات والأحداث لدى شخصيات الرواية، وذلك إما بالذكريات التي تعتري الجميع – محمد وعبدالله وأباهما وأمهما وأبو فهد – إزاء الماضي، ولا مناص هنا من التذكير بأن الذاكرة ابنة الخيال دون نزع أو توكيد لمصداقيتها في ظل غياب الوثائق، وإما بالحيل لمغالبة التعليمات الجديدة أو مجاراة المتغيرات القائمة في حياة شخصيات الرواية بحكم تبدل السن أو تغير المقام أو الحال بحسب ما جرت عليه أحداثها، فتجد شخصيات الرواية حلولها وتتخذ قرارات تكيفاتها بحسب ما يحل عليها، وهذا ما يصل بالرواية إلى جعل الأماكن تتغير بحسب الذاكرة، وكون الحدث الواحد لا يمر على كل شخصية بذات القدر، إذ يخرج كل منهم بقناعته ومنظوره إزاء الحدث الواحد، وهذا ما نجده جليًا في فصول "محمد" و"عبد الله" تحديدًا، إذ يجعلان من التذكر بصوتيهما السرديين مفسرًا للتجربة الفردية – وفق مفهوم بول ريكور – ومستخلصًا المعنى منها، وهذا ما يجعل الأحداث تخضع لـ"إعادة تصور شعرية" تضفي التماسك على الحياة المفككة. هكذا، فإن الزماي أفلت بذكاء من كتابة مذكرات جمعيّة لأبناء ثمانينيات القرن العشرين في السعودية إلى ما هو أوسع، كاشفًا عن مدى التعالق بين الجسد/الواقع/الحياة والذهن/المخيلة/الذاكرة، ومبينًا ما قد يؤدي إليه "الانحياز" بحيوات وذاكرات الناس، ذلك الميل البشري الذهني الذي لا نملك إزاءه سل��ة، بل انحيازًا مضاعفًا بمدحه أو ذمه. بالإضافة إلى فكرة "الذات المتداخلة" حسب فيرنهيو وكيفية صياغة الماضي من الحاضر بحسب الحدث والمنظور الشخصي تجاه ذلك الحدث. هذه رواية بديعة رشيقة، ومن أجمل ما قرأت مؤخرًا في الأدب السعودي المعاصر، وأزعم أن محلّيتها القحّ لن تجعل من قراءتها عبئًا. راضي النماصي

عن المؤلف

عبد الله الزماي
عبد الله الزماي

عبد الله الزماي (ولد عام 1986م) كاتب ومترجم سعودي، يكتب في جريدة الرياض، له العديد من الإصدارات في القصة القصيرة والترجمة من بينها كتاب (قرية تحاور العالم)، و(حياة الكتابة: مقالات مترجمة عن الكتابة).ص

اقتباسات من الكتاب

لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.

سجّل الدخول لإضافة اقتباس

يقرأ أيضاً

المراجعات (١)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
١٩‏/٦‏/٢٠٢٥
جيم": في خزانة الذاكرة المتربة والمُشْهِدَة في رواية "جيم" لعبد الله حامد الزماي، لا يُستدعى الماضي كذكرى رقيقة فحسب، بل يُنبش من "خنبش" – ذلك المستودع المهمل الذي تُلقى فيه الأشياء القديمة والمنسية، وربما المؤلمة – ليُعرض أمامنا في هيئة وثائق أولية، شهادات طفولة خام، ثم يُمرر عبر طبقات من القراءة والتأويل. إنها رواية لا تكتفي بسرد حكاية، بل تتأمل في فعل السرد ذاته، وفي طبيعة الذاكرة المتقلبة التي تشكل، في نهاية المطاف، ذواتنا وماضينا المضطرب. تبدأ الحكاية بإطار كلاسيكي: عودة الأخوين، محمد وعبد الله، إلى قريتهما "جيم" لبيع منزل الوالد الراحل. لكن هذا الإطار سرعان ما يتفكك ليكشف عن نواة العمل: دفاتر يوميات خطها الأخوان في طفولتهما، يعثر عليها المشتري الجديد، "أبو فهد". من هنا، تنطلق الرواية في رحلة استكشافية لا تعتمد على صوت واحد، بل على تعدد الأصوات والروايات. يقدم لنا "الروائي" النهائي هذه الأوراق، بعد أن مرت بفلتر "أبو فهد" الذي لا يكتفي بدور المكتشف، بل يضيف تعليقاته وتأملاته، مشككاً أحياناً في دقة ما يقرأ، ومؤكداً أن "الأحداث في الحياة بشكل فوضوي ومتشابك ومتداخل، نحن من نقترح لها ترتيبها حين نهمّ بروايتها". هذه البنية المركبة، وهذا الاعتراف الصريح بعملية "البناء" السردي، يضع القارئ مباشرة أمام الأسئلة الجوهرية حول الحقيقة والذاكرة. "جيم" هي في جوهرها تحقيق أدبي في ماهية الذاكرة. تتجلى هذه الطبيعة المراوغة للذاكرة في تباين روايتي الأخوين للحدث المركزي في طفولتهما: مقتل "غازي". فبينما يتفقان على عنصرين رئيسيين، يختلف ترتيبهما، مما يدفع "أبو فهد" للتأمل في أن "الذاكرة البشرية ليست أداة تسجيل، وإنما هي نظام معقد تُبنى الذكريات فيه استناداً إلى كثير من العوامل". هذا ليس مجرد اختلاف في التفاصيل، بل هو شهادة على كيف أن تجاربنا الفردية، وربما مآلاتنا اللاحقة – كما يشير أبو فهد: "فكثيراً ما غيرَ مستقبلُنا واختلافُ مآلاتنا ذكرياتِنا!" – تعيد تشكيل الماضي باستمرار. ويأتي مفهوم "الخنبش" الذي يستحضره عبد الله في دفاتره ليكون الاستعارة الأعمق لهذا التراكم النفسي: "كنت أتصور أن ليست البيوت وحدها من تمتلك مثل هذا الخنبش، بل حتى النفوس البشرية كذلك... ليرمي فيها الإنسان كل ما قد يحتاج إليه... من ذكريات قديمة، لا تخلو هي الأخرى من أفاعيها وثعابينها السامة والقاتلة ربما". هذا "الخنبش" النفسي هو ما تحاول الرواية، بشجاعة، أن تفتحه وتفحصه. عالم الطفولة في قرية "جيم" ليس مجرد خلفية شاعرية، بل هو فضاء محكوم بقوانينه الصارمة ونظراته المراقبة. "يخاف أهل جيم من الكلام"، و"المهم ألا تكون هدفاً لأنظار الناس ومرمى لألسنتهم". في هذا السياق، تتشكل تجارب الأخوين، حيث يظهر التوتر بينهما: محمد الأكبر، الذي يرى عبد الله أنه "متسلط إلى درجة لا تطاق"، وعبد الله الأصغر، الذي يشعر أحياناً بحماية أخيه وأحياناً باستغلاله. إنها ديناميكية أخوية مألوفة، لكنها تُعرض هنا بتفاصيل دقيقة تكشف عن بذور التنافس والشعور بالظلم أو المسؤولية المبكرة ("كنت أنا الابن الأكبر المستعد دائماً للعمل والمساعدة، أما هو فلا يهم"). عالم الكبار، من منظور الطفلين، مليء بالأسرار والأماكن المجهولة، كعمل الأب الذي "يغيب عن البيت كل هذا الوقت"، أو غياب الوالدين المفاجئ ليوم كامل، وهي أحداث تبقى معلقة بلا تفسير شافٍ، كما هي الحال غالباً في منظور الطفل المحدود. حتى التفاصيل الصغيرة، كصور أعلام الدول في علب البسكويت التي تتحول إلى خريطة لعالمهما المحدود ("وضعنا صورة علم (عُمان) على باب غرفتنا وصورة علم (باكستان) على باب غرفة أمي")، أو التأريخ الشعبي للأحداث ("سنة عرس فريحة")، تساهم في بناء صورة حية ودقيقة لعالم القرية الذي يمتزج فيه الخاص بالعام، والشخصي بالجماعي. إنها قرية تؤرخ لأحداثها الكبرى فقط، تلك التي "تهم الكبار"، أما سقوط طفل عن دراجة أو لدغة عقرب لصبي، فتلك "أحداث غير مهمة" لا تدخل سجل التاريخ الرسمي، لكنها تشكل النسيج الحقيقي لذاكرة الطفولة. إن قرار "الروائي" النهائي بأن يقدم لنا هذه "الشهادات" كما هي تقريباً، معترفاً بتدخله وتدخل "أبو فهد"، وبـ"الثرثرة والتفلسف" التي قد تصاحب ذلك، هو خيار فني ذكي. إنه يضع عبء التأويل على عاتق القارئ، ويدعوه للمشاركة في عملية بناء المعنى. "جيم" لا تقدم إجابات سهلة أو حبكة مغلقة بإحكام، بل تترك الكثير من الخيوط مفتوحة، والكثير من الأسئلة معلقة. هل غيرت تلك الذكريات مسار الأخوين بشكل حاسم؟ كيف أثر "الخنبش" على حياتهما كرجلين؟ الرواية لا تجيب بشكل مباشر، بل تكتفي بعرض المواد الخام، شظايا الذاكرة، تاركة للقارئ مهمة تجميع الصورة، إن كانت هناك صورة واحدة قابلة للتجميع أصلاً. في النهاية، "جيم" هي رواية عن استحالة القبض على الماضي بشكله النهائي، وعن كون الذاكرة عملية بناء مستمرة وليست مجرد استرجاع سلبي. إنها عمل يتحدى التوقعات التقليدية للسرد، ويجد قوته في تشظيه، وفي صدقه المؤلم أحياناً، وفي إصراره على أن كل صوت، مهما بدا بسيطاً أو طفولياً، يحمل شهادة تستحق أن تُسمع، وأن كل "خنبش" يخفي بين أغراضه المتربة حكايات تنتظر من ينفض عنها الغبار.