تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب الرجع البعيد
مجاني

الرجع البعيد

3.3(٢ تقييم)١٦ قارئ
عدد الصفحات
٤٩١
سنة النشر
1993
ISBN
0
التصنيف
فنون
المطالعات
١٬٨٤٢

عن الكتاب

تنفتح الرواية على عائلة متعبة ذات مساء، وتنتهي في ليلة ماطرة في شارع خال ترقد عليه جثّة صرعها الرصاص. تتشكل الرواية في المسافة الواصلة بين التعب والموت، بين دفء العائلة وبرودة الشارع، بين البيت العتيق الحالم والعاجز والجثّة الهامدة التي صرعها الرَّصاص خطأً في يومٍ دامٍ. ... ترسم "الرَّجع البعيد" أبعاد التراجيديا الكاملة التي تصدر عن عناصر عدّة: اللّقاء الفاجع بين الوعي الفردي والجماعي والتاريخ، مسيرة المأساة التي تتكوَّن وتتشكَّل بدون أن ترى إلاَّ في لحظتها الأخيرة، ثمّ استسلامه في لحظة الانهيار بدون أن يدري مصدر المأساة أو نهايتها. إنَّ ما يجعل "الرَّجع البعيد" رواية كبيرة كاملة التميّز والصَّوت، هو التقاطها صوت التاريخ المحتجب في العلاقات اليوميّة، الذي تعيد الكتابة تركيبه كي تحجبه من جديد، أو الذي لا تظهره الكتابة كاملاً إلاَّ إذا احتجب.

عن المؤلف

فؤاد التكرلي
فؤاد التكرلي

فؤاد التكرلي(22 أغسطس 1927م - 11 فبراير 2008م)، روائي عراقي استطاع أن يحصد أوقات نجاحه بحرية وبلا صخب روايات قليلة، إلا أن مساحة تأثيرها كانت أكبر انها نموذج للروايات الكلاسيكية الحديثة ببنائها. روائي

اقتباسات من الكتاب

أنا أدغدغ مواطن الكآبة فيّ كمن يعاود، بلذة، لحس جراحه

— فؤاد التكرلي

يقرأ أيضاً

غلاف عزازيل

عزازيل

يوسف زيدان

غلاف ذاكرة الجسد

ذاكرة الجسد

أحلام مستغانمي

غلاف المسرات والأوجاع

المسرات والأوجاع

فؤاد التكرلي

غلاف حديث الأشجار

حديث الأشجار

فؤاد التكرلي

غلاف موعد النار

موعد النار

فؤاد التكرلي

غلاف بصقة في وجه الحياة

بصقة في وجه الحياة

فؤاد التكرلي

المراجعات (١)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٦‏/٤‏/٢٠١٥
(خلال الزمان الإنساني للفرد لا يليق أن ننسى طبيعة المعايشة بين البشر، إنها الأخذ والعطاء، وليس في الأمر مواقف، إنها السيولة والاشتباك وليس فيها جدران أو حدود، إنها جسور للعبور والعودة ثم العودة والعبور). (الرواية ص222) لا يمكن أن نتجاهل حالة الاضطراب والخراب في الحياة العراقية ما بعد 14 تموز 1958 وعلى جميع المستويات السياسية والاجتماعية. (الرجع البعيد) رواية تدور أحداثها في تلك المرحلة البركانية وبالتحديد الأشهر الستة التي سبقت 8 شباط 1963. شخصيات الرواية لم تنجُ من ذلك العطب العام. نكاد نتلمس إحباطها، مرضها وإرهاقها، غلظتها وساديتها، شخصيات بدون آفاق وبدون أحلام. الرواية غير معنية بإيجاد الحلول ولكن هل ثمة موقف فكري للتكرلي يتعارض أو يتصالح مع هذه الفئة أو تلك؟ اختياره الحياد وإن كان حياداً مراً بين الشخصيات المتصارعة لا يعكس موقفاً توفيقياً. احتفظ بمسافة واضحة بينه وبين عدنان الغليظ، ولكن هذا النفور والاستياء لا يفسر تطبيب وشفاء حسين الشخصية المحورية بمرحلة ما بعد 1963. وهل انقلابيو 8 شباط كانوا ثواراً؟ على الطرف الآخر هناك المرأة (منيرة) توحي بالنهوض الفكري والتقدم الاجتماعي، إنها على الضد من شخصية عدنان محبوبة من الآخرين، ولكن لماذا لطخ (التكرلي) عفافها ووصمها بالعار؟ لم يأت التكرلي على ذكر الشيوعيين حتى ولو لمرة واحدة ولكن الرواية تختتم بالفصل الثالث عشر وثمة بلاغ إذاعي يحمل الرقم (13) والشيوعيون وحدهم يعرفون ذلك البلاغ الذي أباح هدر دمائهم. إذا كان الإبداع الإنساني عموماً خطوة نحو حياة أفضل، فهل هناك مساهمة للرواية بهذا الاتجاه؟ هل هناك عراق متخيل غازلته الرواية؟ أود أن أقول نعم. إن صراعاً خلاقاً بين الأفراد ـ الأخذ والعطاء ـ السيولة والاشتباك ـ جسور التواصل، المعايشة الإيجابية ـ وحده سيعيد للعراق ـ الخرابة المهدمة المخلوعة الأبواب ـ نضارته وحيويته. الأمل هذا يبدو وحتى هذه اللحظة رجعاً بعيداً. (الرجع البعيد) رواية أصيلة متميزة ومتفردة، محكمة في بنائها، ثرية ومتنوعة في شخصياتها، اقتصادية في أحداثها. إنها لا تروي تاريخ عائلة على طريقة (السكا أو الداينستي) إنما تتعرض لحقبة ملتهبة من تاريخ العراق الحديث. أبطالها يتحاورون باللهجة العراقية.. حالة انفرد بها التكرلي وغائب طعمة فرمان في روايته (النخلة والجيران). ما يميز الأعمال الفنية الخالدة دقتها وبراعتها في التعبير عن مضامينها ـ الثيمات ـ في مشاهد انفتاحها. في رواية (ممر إلى الهند) يأتي الكاتب (أي. أم. فوستر) على ذكر تلال (مالبار) في السطرين الأولين من الرواية ولاحقاً ستكون تلك التلال مسرح الدراما. والشيء نفسه فعله (وليم فوكز) في روايته (نور في آب) حين عرفنا ببطلته (لينا) التي عكست ثيمات الرواية ـ الحضارة الحديثة ـ عزلة الإنسان وعلاقته بالجماعة. أما شكسبير فلا حد لعبقريته في هذا المضمار ولا أظن على سبيل المثال لمن قرأ أو شاهد مسرحية (ماكبث) ينسى مشهد الساحرات الثلاث يرددن البيت الشعري: Fair is foul and foul is fair الذي يختصر المسرحية كلها. هنا في (الرجع البعيد) لم يحدث في تاريخ الرواية العراقية أن قدم لنا مشهد في هذا التنوع وبهذا الثراء. فما أن ننتهي من قراءة الفصل الأول إلا ونكون على معرفة بجميع شخصيات الرواية المدورة منها أو البسيطة. الزمن بأبعاده الثلاثة. الماضي المطمئن القدري تمثله أم مدحت. الحاضر القلق المتعب تمثله شخصية حسين والمستقبل الغامض ترسمه لنا الطفلة سناء. محلة باب الشيخ وشارع الكفاح والحواري المحيطة به مسرحاً لأحداث الرواية. تبدأ الرواية بعودة أم مدحت بصحبة الطفلة سناء من السوق إلى البيت في محلة باب الشيخ وأثناء عودتها تلمح حسين زوج ابنتها مديحة وقد عاد لتوه من الكويت بعد غياب عامين، إنه لا يعيش مع زوجته وطفلتيه. ومن خلال الحوار بين الجدة والطفلة ـ بين جيلين مختلفين ـ تحاول الجدة تلقين موروثها من التقاليد «لا تخلين اسم الله يوكع من حلكج»… ثم يقدم التكرلي لنا بيت عبد الرزاق اسماعيل ونتبين الصعوبة والمعاناة لأهل الدار حين يهمون بالدخول إلى ذلك البيت ذي الأبواب التي تصر صريراً عالياً حين تفتح، وهناك المجاز المظلم الضيق المليء بالدبيب. إن فكرة المجاز المظلم تتردد في ثنايا الرواية حتى حسين حين يدخل الدار يذكرنا «ليش ما تخلون ضوا كهرباء/ شمعة/ بها المجاز الأكشر». وإن بعض الأحداث الدرامية تقع في مدخل الدار، لقاء عدنان بمنيرة ولقاء والد فؤاد بعبد الكريم. إن البيت ـ هنا ـ رمز للوطن العراق وثمة بيت آخر بيت العجوز عطية لا أرى فيه إلا امتداداً لبيت عبد الرزاق، إنه التواصل مع الرمز الأول ـ الحاج يتحدث عن تاريخ العراق حتى أنه يستخدم مفردات تركية وإنكليزية ـ وهناك أيضاً الخرابة في نهاية الرواية ذات الدلالة المبطنة للعراق ـ لم يقل التكرلي ذلك ـ الذي مازال خرابة مهدمة مخلوعة الأبواب لم يكتمل بناؤه لسبب أو آخر. كيف استطاع التكرلي أن يكتب رواية شيقة وطويلة علماً أن زمن الرواية لا يتجاوز الستة أشهر ـ جاءت منيرة من بعقوبة مع بداية العطلة الصيفية وتنتهي الرواية بمصرع مدحت في شهر شباط، إن التجربة القصصية السابقة للتكرلي لم تأت دون ثمار إذ أن بناء روايته يعتمد على مجموعة قصص ولكن هذه القصص تتقاطع بشكل لا يمكن حذف أي منها، عودة حسين من الكويت، زواج منيرة من مدحت بعد أن لاذت بالفرار من بعقوبة، وقد اعتمد أسلوبين في كتابته، أسلوب السرد حيث يقتضي التدخل المباشر، وأسلوب استخدام ضمير المتكلم للتعرف على النوازع الداخلية للأبطال، إنه يبدأ من نهاية الأحداث معتمداً التلميح ـ عودة حسين من الكويت، موت فؤاد ومصرع مدحت، إنه أسلوب شيق يداهم القارئ بالحدث تاركاً إياه في نشوة الاكتشاف والفضول، وفي حالات معينة يحاول تكثيف الأحداث لتهيئة القارئ، لنأخذ على سبيل المثال المقطع العاشر حيث مدحت جالس في مقهى المربعة يستمع إلى حوار بين شخصين من شمال العراق نفهم من أحدهما أن له زوجة وله أولاد منها ولكنها هجرته إلى أحضان رجل آخر وفي نفس المقطع نلتقي بسعيد الذي له زوجة «خوش بنية مرتاح وياها»، هذه الأحداث لم تأت اعتباطاً، قصتان متناقضتان ولكنهما تتعلقان بعلاقة الرجل بالمرأة، إن مدحت لا يعلق على هذه الأحداث لأنه هو الآخر في محنة سببها امرأة.   الشخصيات قد يكون من الصعب تحديد الشخصية المحورية في الرواية، ولكن ثمة ميل لترجيح كفة حسين وسناء. إن لهما الحضور الوافر على امتداد الرواية، وكانتا على تماس مع جميع شخصيات الرواية، وإذا كان من السهل أن ننعت هاملت بالشخصية المتمردة، واياكو، في مسرحية عطيل، بالسادية والتسلط، فأي الصفات تقترب من حسين (ذي الوجنتين العظميتين) الذي (لم يكن شخصاً بل صورة للموت)، بدءاً، أقول ليس في حسين ما هو جذاب أو مدهش، لا في سيرته ولا في حواره، فشخصيته عادية ومسطحة، إن أول الصور التي تأتينا عنه تصفه بأنه (طويل بارز الصدر، متعثر الخطوات يئن من السعال وقد عاد لتوه من الكويت)، وعلى ما يبدو ليس لمغامرته في الكويت أية أهداف مالية، ولكننا ندرك لاحقاً أن السبب المباشر وراء مغامرته هو (التعرف على نفسه) الأمر الذي يدفعنا للتساؤل هل كان حسين في حالة صراع نفسي دفعه للتخلي عن وظيفته في المصرف وهجر زوجته وطفلتيه، أم رغبته في التخلي عن المسؤولية؟ لم يحصد من الكويت سوى الخيبة والمرارة «حياتي بالكويت جانت كسيفة، ما جنت مستقر ولا مرتاح» ولكن عن أي استقرار وعن أية راحة يتحدث؟ فذلك يندرج طبعاً ضمن الإبهام العام الذي يلف شخصية حسين، إن حسين واحد من عشرات الذين أسمح لنفسي أن أنعتهم بالمنافقين المصابين بوهم الثقافة، وواحد من أولئك الذين أصيبوا بعاهة الوجودية والضبابية التي كانت شائعة في مرحلة الستينات. يقول حسين عن نفسه «ما أكدر آني، هالإنسان بها الوضع، بها الحالة العقلية، ما أكدر أوصل إلى نتيجة لأن ما أكدر أثبت على شي، ولا دا أعرف منين أبدي». وحين يحاوره مدحت عن الحياة ويتابعه بالأسئلة «عبالي مخلص مع نفسك، عبالي عندك حجايات بيها معنى» «أنت لويش تتظاهر عندك مغامرات فكرية، الله يجرم وأنت تعرف كلش زين شكد دتزيف الأمور ودتغش». وإزاء هجوم مدحت عليه، يجد حسين نفسه عاجزاً عن الرد ويختفي وراء كلمات الإنسان العادي المباشر الذي يطلب الرحمة من خصمه «لويش دتهينّي عيوني مدحت، آني أحبك مثل أخويه». كيف نتوقع العطاء من رجل غير قادر على الحب؟ لم تصدر أية كلمة دافئة من حسين تجاه زوجته ـ صحيح كان يوفر لها في مناسبات معينة راحة جنسية ـ ومديحة تكن له حباً ووداً غير معلنين. وواحد من المشاهد الجميلة في الرواية، زيارة مديحة له حين ألم به المرض. ويصل التكرلي الذروة بتجريده من العاطفة بالمشهد الذي تتبعه فيه سناء ابنته الصغيرة والتي اضطرت أن تمسك بذيل سترته وسحبه برفق لأنه لم يسمع مناداتها له. ـ العفو بابا دا أصيح عليك وأنت ما تسمع ـ أنت منين؟ وشتردين ـ بابا آني سناء ـ «منو... ها، أي سناء» إنه لم يحتضنها أو يقبلها. حسين بين المعطيات والنتائج لم يكن لحسين موقف سياسي واضح، ولكن ثمة إشارات تدلل على أنه كان على اتصال ببعض الحركات السياسية التقدمية والأدبية، وفي عراق ما بعد 1958 ثمة مفهوم عام متداول على مفردة (تقدمي)، أنها الوجه الآخر لمفردة (شيوعي). لقد كتب التكرلي رواية نادرة في الدقة قلما نجد لها مثيلاً في روايات أخرى، ولكن المدهش هو التحول المفاجئ لشخصية حسين في نهاية الرواية. لم يكن حسين على تعاطف مع الشخصية البعثية عدنان، ولنتأمل موقف حسين من (عدنان) «هذا الآخر يعتقد أن بضعة دنانير في جيبه تعطيه الحق في احتقار من يشاء من الناس». وفي مكان آخر، يقول عنه ـ أي عن عدنان ـ «مراهق مستهتر فاير دمه لا شغل ولا عمل... سرسري مدلل». إذا كان حسين صادقاً في شيء، فأكيد بتعاطيه الخمر «الخمرة كانت عزاؤه الوحيد الذي يختلط الفرح بالعالم والانذهال بالحياة» أما أن يستيقظ في 8 شباط ليعلن «هاي هي الثورة الكاعدين ننتظرها كليتنا»، فمن هم كليتنا؟ ثم يقول في مكان آخر «الثوار قد اختاروا يومهم بدقة» والأكثر من ذلك تشخيصه للأحداث اللاحقة «بلاكت راح يرحون ضحايا هواية عامي شامي، إن المسألة مو مسألة انقلاب (ينسى أن يقول ثورة)». لماذا انتمى حسين للبعثيين؟ سؤال يبقى بدون إجابة. إنه يدخل للاستشفاء بعد الانقلاب ويحاول إعادة نشاطه الأدبي وكان سعيداً بهذا الانتماء وبالمهمات الصغيرة التي كان يسرع لإنجازها. لا يشكل حسين حالة استثنائية في الشخصية العراقية، إنه الحالة المألوفة ـ التخبط وعدم وضوح الرؤيا، الشخصية المتناقضة المتقلبة الأفكار والأهواء الجامعة بين الصدق والكذب، بين النخوة والنذالة ومن الخمرة إلى الصلاة. ثمة من ينبري ليقول إن التبدل الذي حصل لحسين قد يكون له صدى في طروحات الكاتب. وهذا يدفعنا لتناول شخصية عدنان وتقييم التكرلي لها. لقد كان عدنان السبب المباشر في مأساة مدحت وتدمير الفرح في قلب منيرة، منيرة التي اغتصبها في أحد بساتين بعقوبة. فعلة نكراء تجاه خالته منيرة، لقد احتفظ التكرلي بمسافة بينه وبين عدنان، فعدنان الشخصية الوحيدة التي لم تعط الفرصة بالتحاور مع نفسها كبقية الشخصيات. بقينا نجهل الحالة الوجدانية لعدنان، في حين تلاحقت الصور عنه، غليظ وخشن، يجيد لغة التهديد والوعيد ويتحدث عن القتل «الدب لازم نكتله، ويقصد عبد الكريم قاسم» ويتوعد أبا ناظم، صديق حسين في جلساته الخمرية «إحنا.. تسألني منو.. إحنا؟» «تسمعون عن عدنان عن قريب» ونعرف عنه احتقاره لأمه وتهميشه لدور أبيه وقسوته مع إخوته، وهو بعد ذلك كان ذا أفكار غير واضحة يريد أن يقلب بها كل شيء، عنف لامحدود، شديد الشراسة مع إخوته وأخواته يضربهم لغير سبب أحياناً. فهل ثمة إيجابية في شخصية عدنان؟ إن من يقرأ الرواية اللاحقة للتكرلي (المسرات والأوجاع) يجد تجسيداً جلياً لهذه الشخصية في الشخص المدعو (ممتاز اللامي).   المرأة قدم لنا فؤاد التكرلي ثلاثة نماذج للمرأة. منيرة ومديحة نموذجاً للمرأة المتعلمة، أم مدحت وعطية المرأة الطيبة المباشرة والموزعة بين دائرة البيت ومتطلبات العائلة. وهناك إشارات للمرأة التي تتعاطى البغاء ـ ماري وصديقة فؤاد التي انتهت إلى أحد البيوت المشبوهة. منيرة امرأة نحيلة بيضاء تنتمي إلى عائلة فقيرة وبدون تاريخ، تعمل في سلك التعليم لها أخ مصطفى ضابط في الجيش متزوج وله طفلتان، راتبها الضئيل لم يمنحها فكرة الاستقلال التام فاضطرت للعيش مع أختها مليحة في بعقوبة حيث التقت بعدنان ابن اختها الذي اغتصبها في غفلة منها في أحد بساتين بعقوبة. وكان لتلك الحادثة وقع سوداوي في حياتها دفعها للانكفاء والحزن. كانت لحد ما فرحة، فرحة قبل الحادثة وتعيش حياة عادية وتذهب للسينما ـ وتملكها يأس كبير ولكنها أفلحت بإيجاد نوع من التوازن بفلسفتها للأمور «يهمني ألا أشقى طول الوقت إذ يبدو من التعقل أن لا نأكل لحمنا، يكفيني أن ننجو من بعض الأخطار لا كلها» وتحاول إقناع نفسها «أمسك بيدي على موضع الإصابة وأخفيه فلا يعود له وجود ظاهر ويصير بالإمكان معاودة العيش السوي». إن أملاً لاح لها بالعودة إلى العيش السوي حين تعلق بها مدحت وقرر الزواج منها إلا أن الأخير لم يمنحها الفرصة فجن جنونه حين اكتشف أمرها وهجرها باليوم الثاني من زواجها تاركاً إياها فريسة للهمس المسموع. الأب عبد الرزاق برسالته الشفهية إلى ولده مدحت «ولا تزر وازرة وزر أخرى» يوحي باكتشاف سر منيرة. من المسؤول عن فشل زواج منيرة؟ هل القدر الذي جعلها ضحية لعدنان، أو مدحت لأنه لم يسمع قصتها. إن منيرة مسؤولة بالمقام الأول عن ذلك الفشل لأنها لم تملك جرأة المصارحة علماً أن كل أوراق القضية الرابحة بيدها. حاولت في النهاية أن تشرح الأمور لمدحت المختفي عنها برسالة لم تصل إلى يديه. وجاء مصرعه ليزيدها هماً على هم. وجع في الليل وحبوب منومة ووصلت إلى القناعة أن كل شيء في الحياة ممروض ومشوه.   هل كانت منيرة رمزاً للشيوعيين؟ ثمة هدف مباشر لانقلاب 8 شباط يتمثل بتصفية عبد الكريم قاسم، وهدف غير مباشر بتصفية الحزب الشيوعي. فهل من المعقول لمبدع كفؤاد التكرلي أن يغض الطرف ويتجاهل قوى سياسية بوزن الحزب الشيوعي وهو يتعرض بروايته إلى الأشهر التي سبقت الانقلاب؟ لقد فضل التلميح دون التصريح. فلنتفحص المعطيات عن منيرة. لقد وجدت منيرة نفسها في بيت عبد الرزاق. في العراق. ولقد أثرت على معظم شخصيات الدار. ففي نظر مدحت أنها (عاقلة ومتزنة مثقفة ذات نظرة مختلفة) وعبد الكريم يقول عنها «كنت مذهولاً مبهوراً برؤيتها، كانت دفقة نور في حياتي الضائعة» وحتى حسين يقول عنها «حلوة وعاقلة وممتازة» أما الطفلة سناء فمعجبة بها أيما إعجاب. لقد كانت كدلالة اسمها منيرة. إن زمن كتابة الرواية يمتد من عام 1966 حتى عام 1977، وقد وظف التكرلي بعض هذه الأحداث التاريخية في روايته. بالتأكيد التكرلي ليس مطالباً بإخضاع روايته لمنطق التاريخ، والدليل على ذلك الاغتصاب الذي حدث لمنيرة جاء قبل الانقلاب ولكن هذا لا يلغي الحقيقة، الهجمة التصفوية الدموية لحزب البعث ضد قيادة وكوادر الحزب الشيوعي. لقد سمحت منيرة لعدنان بأكثر من مناسبة أن يهمس بآذانها وأن يمسك شعرها وحتى أن يعابثها متكئة على حاجز القربى في منع الإثم. كذلك سمح الشيوعيون للبعثيين أن يتمادوا بطلباتهم ـ فجمدت المنظمات، الطلبة، المرأة، الشبيبة، متكئين على فرضية أن ثمة أملاً بتطويرهم، والنتيجة معروفة. إن منيرة أذن حرير بغابة شوك، جنتلمان بدون ربطة عنق، محام ولكن بمرافعة معقدة، إن روعتها تتجلى بامتلاكها فرصة التواصل مع الحياة وهذا ما فعله الشيوعيون أيضاً. مديحة نموذج الزوجة القانعة بقدرها من الحياة وتتمثل سعادتها بتواجد حسين في الدار. تركت الوظيفة وفضلت البقاء أسيرة الدار ولكنها غير تعيسة. في قلبها كثير من الحب والشفقة على حسين. لقد صبرت على هجره وكانت تمتلك اليقين بعودة الحيوان إلى قفصه، لم تطلب الطلاق من زوجها الذي هجرها لعامين إما بسبب ابنتيها أو بسبب تلك اللذة الحسية الفذة التي كان يوفرها لها حسين حتى وإن كانت نادرة. إنها نموذج للمرأة التي لم يتحدد مسارها بعد، ذات نضال وكفاح محدودين، هجرت التعليم لتمكث في البيت. ليس لها أي تأثير يذكر على بقية الشخصيات. مدحت عبد الرزاق، الابن الأكبر للعائلة، موظف عارف بما يدور حوله. لا يبدو أنه على خصام مع الحياة، شخصية بدون تطلعات وبدون أحلام ومشاريع، تذكرني بكثير من الموظفين الذين ما إن يمارسوا المهنة حتى يبدأوا بالتفكير بالعلاوة والترقية والتقاعد، إنها شخصية تتوافق مع النظام الحاكم طالما النظام يشبع حاجاتها الأساسية. إنها لا تستطيع، لدرجة رتابتها بالحياة، أن تتحمل صدمة غير مألوفة. نموذج تقليدي ولكنه ليس عشائرياً، لم تصدر منه حركة قاسية إزاء منيرة حين اكتشف أمرها. فضل الهروب على المواجهة ولكنه لم يستطع التحرر من حب منيرة وبلحظة ضعف تذكرها وقرر العودة إليها ولكن الحياة لم تمنحه فرصة أخرى. تبقى هناك الشخصية الجامعية عبد الكريم الذي يقيّم نفسه بعد فشله بالامتحان «أنا شخص فاشل ماكو مني فائدة، ضعيف داتراجع يوم بعد يوم» يحمل على أكتافه ذنب موت صديقه فؤاد «الذي انطبعت نهايته على حياتي»، عشق منيرة لحد اللعنة، حاول أن يكسب ودها حتى بعد ممات أخيه، ولكنه محكوم بالخيبة دائماً، خائف من العالم ومن فعل الحياة. إنه يطرح كثيراً من الأفكار ويترصد كثيراً من المواقف. ولكن لماذا كل هذا التشاؤم وهل يعود ذلك إلى شك التكرلي بالمؤسسة التربوية؟ كما أنني لم أستطع أن أفهم نوازع السلوك السادي في شخصية عبد الكريم الذي كان يتلذذ حين يرى فؤاد يتعذب. إن الواقع العراقي القائم الذي جسدته تلك الشريحة المتناقضة من الشخصيات يجد نافذته الضوئية في شخصية الطفلة سناء، تلك الطفلة الساحرة المعشوقة من الجميع. إنها الإشارة الوحيدة المتفائلة للمستقبل وإن كان محكوماً بسلسلة من التقاليد إلا أنه حيوي ومتطلع وصادق. في نهاية الرواية ثمة طفلة (جوانا) تحاول بكل إخلاص تقديم العون لمدحت حين كان في تلك المتاهة من الأزقة، وجوانا امتداد لشخصية الطفلة سناء، وسناء يضيرها ما يحدث لأبناء العراق، فلقد ألم بها المرض حين عرفت بمصرع خالها مدحت وتسخر من الانتماء الجديد لأبيها حسين ما بعد 1963 إنها تنتظر عراقاً جديداً.