
أوراق العشب
تأليف والت ويتمان
ترجمة سعدي يوسف
عن الكتاب
تعرض" والت ويتمان "إلى تشويهين كبيرين ما يزالان ذوي تأثير ونفوذ: كان التشويه الأول: يأخذ بأفكار ويتمان مركزاً عليها، منطلقاً منها، لمهاجمة الشاعر، دون تأكيد ظاهر على جماليات "أوراق العشب"، الأثر الشعري الوحيد لويتمان. يتبدى التشويه المذكور في كتابات أمريكية وأوروبية حاولت أن تضع الشاعر في منزلة النبي أو المتصوف حيناً، وفي منزلة الشاذ حيناً، مستفيدة من شواهد في شعره ومشاهد من حياته. أما التشويه الثاني: فكان يحاول الاهتمام بجماليات "أوراق العشب"، مستبعداً أفكار ويتمان، ويتبدى هذا واضحاً في نظرة ت س. إليوت إلى شعر ويتمان، فقد رأى أن من غير الخسارة أن نرى أفكار ويتمان تتساقط عن أشعاره. بينما رأى جيمس ميللر أن في أفكار ويتمان التي ضمتها قصائده تأسيساً لعلم النفس الفرويدي...مثلاً. لكن هذين التشويهين لم يكونا سوى بعض مظاهر النفوذ الذي تمتع به ويتمان في الشعر الأمريكي والأوروبي. لقد اعترف إليوت (في مقدمة لكتاب-أزراباوند: قصائد مختارة-) بأنه كان عليه( أن يتغلب على كراهيته لشكل شعره، كراهيته لمضمونه، حتى يستطيع قراءته). إن التدفق هو السمة الرئيسية لقصائد ويتمان، الطويلة بخاصة. حيث القسم الواحد مقاطع، وحيث الأقسام قد تبلغ الخمسين عدّاً .. لكن علينا، من أجل أن نتمثل الجهد الفني للشاعر، أن نتتبع المقاطع، مقطعاً إثر مقطع، لنضع أيدينا -بوضوح- على تفصيلات سوف نفتقدها لو شغلنا بالغابة عن الأشجار. ولغة ويتمان غنية متنوعة، فيها التعبير الدارج، والمفردات الإيطالية والفرنسية، ومفردات الهنود الحمر... وفيها كذلك السمو الإنجيلي للمفردة، والمصطلح الفلسفي والعلمي، والمئات من أسماء الطير والحيوان والأنهار والجبال وظواهر الطبيعة... إنها من السعة والشمول، بحيث يمكن أن نقول عنها إنها لغة متميزة بعدم التميز... لغة الحياة ذاتها... الحياة الضاجة المزدحمة الواسعة...
عن المؤلف

والت ويتمان (31 مايو 1819 - 26 مارس 1892)، شاعر أمريكي. ولد لأبوان ينتميان إلى أصول إنجليزية وهولندية، عاشت عائلته في بروكلين بين عامي 1832 - 1833، حيث تلقى تعليمه الأولي فيها، لكنه لم يكمل تعليمه واش
اقتباسات من الكتاب
الأرض والبحر، الحيوانات والأسماك والطيور، السماء وأجرامها، الغابات والجبال والأنهار. هذه كلّها ليست مواضيع قليلة الشأن... ولكن الناس يتوقعون من الشاعر أن يكشف أكثر جمالاً ووقاراً مما هو مقرون دائماً بالأشياء الحقيقية الصمّاء... إنّهم ينتظرون منه أن يكشف الطريق بين الواقع وبين النفس. الرجال والنساء مدركون للجمال خير إدراك...إدراكاً ربّما لا يقلّ عن إدراكه هو له. الصيّادون بجَلَدهم المندفع، الساكنون في الغابات،المستيقظون في الصباح الباكر، الزارعون للحدائق والبساتين والحقول، والحب الذي يكنّه النسوة الأصحّاء لأجساد الرجال، والراكبون البحار، الممتطون لصهوات خيولهم، الولع بالنور والهواء الطلق كل تلك الأمور دلائل قديمة متنوعة لإدراك الإنسان الذي لا ينضب للجمال ولتوطن الروح الشاعريّة في نفوس أولئك الذين يؤثرون الحياة في الهواء الطلق ولا يمكن قط أن يساعدهم الشعراء على الإدراك... يحاول البعض ولكنّهم لا يفلحون. الخصال الشاعريّة لا يمكن أن تعبأ في نظم مقفّى أو متجانس أو في مناجاة مجردة للأشياء، ولا تكمن في الشكاوي الحزينة أو في أغوار النفس. فائدة القافية أنّها نبذر بذور قافية أعذب وأوفر، وفائدة التجانس أنّه ينقل نفسه في جذوره المتغلغلة في الأرض غير المنظورة. إنّ صياغة القصائد الكاملة ووحدتها تبين قوانين العَروض بنموها الطبيعي وتطلع منها كما يطلع البرعم، دون زوغان أو تسيّب، كما تظهر أزهار الليلاك أو الورد على النبتة، وتتخذ أشكالاً متكاملة كأشكال الكستناء أو البرتقال أو البطيخ أو العرموط، وتنثر عطرها الخفي الذي لا نراه في الشكل. إنّ الطلاقة والزخرفة اللتين تتميزان بهما أبدع القصائد أو الموسيقى أو الخطب أو التلاوات غير مستقلتين وأنّهما خاضعتان. آيات الجمال كلّها تصدر عن جمال في الدم وجمال في الدماغ. إنّْ توافقت مواطن العظمة في رجل أو امرأة، هذا يكفي... هذه الحقيقة ستسود الكون... ولكن التنميق والتزويق لن يسودا الكون لو بقيا ملايين السنين. مَن يشغل نفسه بالزينة والسلاسة فهو ضائع. هذا ما ينبغي أن تفعله: أَحِبّ الأرض والشمس والحيوان، احْتقِر الغنى، امْنَح الصدقة لكلّ من يسألها، ساعد الغبي والأحمق، كرّس دخَلَك وتعبك إلى الآخرين، ازدرد الطغاة، لا تجادل في اللّه، كن صبوراً متسامحاً أمام الناس، لا تخلع قبعتك أمام شيء أو رجل أو عدد من الرجال، كن منطلقاً مع غير المثقفين الأشدّاء ومع الصغار والأمهات، اقرأ هذه الصفحات في الهواء الطلق في كلّ فصل من كلّ سنة من سنين حياتك، أعد النظر في كلّ ما تعلمته في المدرسة أو الكنيسة أو أي كتاب، ابعد كلّ ما يهين روحك فسيكون جسدك نفسه قصيدة عظيمة، وسيكون له أغنى طلاقة ليس فقط بكلماته، وإنما بخطواته الصامتة أيضاً ووجهه وبين أهداب عينيك وفي كلّ حركة ومفصل من جسدك... على الشاعر أن لا ينفق وقته في عمل لا لزوم له. عليه أن يعلم أن الأرض دائماً محروثة مسمّدة له... قد لا يعلم ذلك الآخرون، أمّا هو، فعليه أن يعلم. عليه أن يزّج بنفسه في عملية الخلق مباشرةً. وثقته ستتفوّق على ثقة كلّ ما يلمسه... وتستحوذ على كلّ صلة. البساطة فن الفنون، وجلال التعبير، والنور المضي للأدب. ليس أفضل من البساطة... ولا شيء يمكن أن يعوّض عن التطرّف والمغالاة أو عن الافتقار إلى التحديد. أنْ تنساق لقوّة الدوافع وأن تنفذ إلى أغوار الذهن وتعطي كلّ موضوع تعبيرَه الواضح تلك قابليات ليست عادية وليست غير عادية جداً. ولكن أنْ تتكلّم، عن طريق الأدب بالصحة واللامبالاة كحركة الحيوان، وبالمشاعر التي لا يمكن اتهامها كمشاعر الأشجار في الغاب أو العشب على قارعة الطريق ذلك هو النصر الأكبر في الفن. إذا التقيت بإنسان قد حقق هذا، فقد التقيت بأحد أسياد جميع الشعوب والأزمان. والرضى الذي يصيبك حين تتأمل هذا الإنسان لا يقلّ عن الرضى الذي ينتابك وأنت تتأمل طيران النورس على الخليج أو حصاناً أصيلاً في حركته المتوقدة أو منظر الشمس في رحلتها عبر السماءأو منظر القمر فيما بعد. أعظم الشعراء ليس له أسلوب متميّز، وإنّما هو مجرى للأفكار، لا أكثر ولا أقل، وهو مجرى لمكوّناته هو. إنّه يُقْسِمُ لفنّه: أنا لن أكون متطفلاً، ولن أضع في كتاباتي أي أناقة أو أثر أو أصالة تتعلّق كالستار بيني وبين الآخرين. أنا لن أدع شيئاً يتعلّق في طريقي، حتّى لو كان ذلك أثمن الستائر. الشيء الذي أقوله هو هو بالضبط. سأدع لمن يريد أن يمجّد أو يدهش أو يسحر أو يواسي أن يفعل ذلك، أمّا أنا فستكون غاياتي كالغايات الكامنة في الصحة أو الحرارة أو الجليد وسأكون مثلها غير آبه بالملاحظة. الشيء الذي أمرّ بتجربته أو أصوّره سيخرج من تركيبيدون أن يأخذ جزءاً منه. ستقف أنت إلى جانبي لتنظر معي في المرآة. المحك المباشر لمن يريد أن يكون شاعراً أعظم هو الحاضر. فإن لم يغمر نفسه بالزمن المباشر كما لو كان ذلك موجاً بحرياً هائلاً... وإن لم يجتذب وطنه إلى نفسه، قلباً وقالباً، ويتعلّق بجيده بحب لا يدانيه حب ويغمس عضلاته بمحاسنه ومساوئه... وإن لم يكن هو نفسه الزمن متجسداً... وإن لم يتفتح أمامه الأزل الذي يكسب التشابه لجميع الفقرات والأمكنة والعمليات والأشكال الحية والجامدة، والتي هي قيد الزمن، وينهض من غموضها ولا محدوديتها المستعصيين على الإدراك في الشكل الحاضر المتغيّر، وتمسّكه مرامي الحياة المرنة، فيجعل الفترة الحاضرة مما كان إلى ما سيكون، ويكرّس نفسه لتصوير هذه الموجة التي أمدها ساعة، وهذا الابن من أبناء الموجة الوسماء الستين دعه إذن ينضم إلى مجموع الناس وينتظر تطوره... بقي المحك الأخير للقصائد وللأخلاق والأعمال. الشاعر المتكهن هو الذي يمتد نفسه إلى المستقبل ويحكم على العمل ومنجز العمل بعد تغيّر الزمن. هل يعيش العمل خلال القصائد؟ أما زال قائماً دون كلل؟ هل سيكون نفس الأسلوب واتجاه العبقري نحو نقاط شبيهة مرضياً الآن؟ ألم يجمّده اكتشاف علمي جديد إلى الوصول إلى صعيد فكري وحكمي وسلوكي أعلى حتّى صار موضع ازدراء؟ هل انحرفت ذات اليمين وذات الشمال العشرات والمئات الألوف من السنين في مسيرها لأجله؟ هل بقي موضع حب بعد تواري التراب زمناً طويلاً جداً؟ هل يفكّر فيه الشاب مراراً؟ والمرأة الشابة، هل تفكّر فيه مراراً؟ وهل يفكّر فيه متوسطو العمر والكهول؟ القصيدة العظيمة تظل شائعة في كل العصور في كل الدرجات ولكل الألوان البشرات والأقسام والطوائف وللمرأة بقدر ما للرجل وللرجل بقدر ما للمرأة. القصيدة العظيمة ليست نهاية للرجل والمرأة وإنّما هي بداية على نحو ما. هل تخيّل أحد بأنّه يستطيع أن يجلس أخيراً ويخضع لسلطان ما ويستريح راضياً بالشروح، ويدرك، ويحس بالقناعة والإشباع؟ الشاعر العظيم لن يوصل إلى مثل هذه الحالة... إنّه لا يجلب التوقّف أو ستراً للسمنة أو اليسر. إنّ لمسة منه تدفع إلى العمل. أنْ اقتاد أحداً، فقد اقتاده بقبضة ثابتة أكيدة إلى أصقاع حيّة لم يصل إليها قليلاً... وليس ثمّة راحة بعد هذا. أنّهم يرون الفضاء وذلك البريق الذي لا يزول والذي يحوّل البقاع القديمة والأنوار القديمة إلى فراغات ميتة. ومن يرافق ذلك الشاعر يرى مولد وسير النجوم ويتعلّم أحد المعاني. هنا سيكون إنسان انتظم من بين الصخب والفوضى... الأكبر يعلم الأصغر ويدلّه على الوسيلة... وكلاهما سينطلقان دون خوف حتّى يجد العالم الجديد لنفسهمداراً وينظر نظرة غير وجلة إلى مدارات النجوم الأصغر ويكتسح تلك الحلقات المستمرة ولن يستقر ثانية؟ . . ترجمة فاروق محمد يوسف . من مقدمة (أوراق العشب) والت ويتمان
يقرأ أيضاً
المراجعات (٢)










