
السراج المنير للشيخ فوزى محمد أبوزيد
تأليف فوزي محمد أبو زيد
عن الكتاب
الحمد لله العلى الأعلى، جعل سرَّ الكنز: { كنْتُ كنْزَاً مخَفيَّاً فأحبَبْتُ أنْ أُعْرَف }.وغيَّب الرمز: { فبى عرفونى } (1) لمن جعله لذاته مجلَى، سيدنا محمد صاحب المقام الأعلى : ( فكان قاب قوسين أو أدنى) [النجم:9] والنور الأزهى : ( وسراجاً منيرا) [الأحزاب:46] . صلى الله عليه وعلى آله الذين هم بنوره يتصلون، وأصحابه الذين هم به يقتدون، وكل من انشغل بضياء ذاته وبهىّ صفاته وجَلىّ تشريعاته إلى يوم الدين، وعلينا معهم أجمعين .... آمين يارب العالمين .. وبعد ... فإن الحديث عن الرسول الحبيب له لذَّةٌ ونشوةٌ فى قلب كلِّ عبد من ربه قريب، لا سِيَّما لو كان الحديث حول المعانى القرآنية للآيات التى وصف بها الله عزوجل خير البرية ... فلقد وصف الله عزوجل بذاته حبيبه ومصطفاه لعلمه عزوجل بعجز الخلق جميعاً عن الإحاطة ببعض هباته، أو الإلمام ولو بذَّرة من جميل عطاءاته التى تفضَّل بها على خير مخلوقاته ... ولما كنا نحرص دائماً على إحياء ليالى ذكرى ميلاده r بذكر فضائله وبيان شمائله التى خصه الله عزوجل بها، وكذا تذكير الأُمة بالكمالات والخصوصيات التى منحها لها الله – خصوصية من بين جميع الأمم السابقة – بسبب علو منزلة الحبيب المُجتبى عند مولاه، ورفعة قدره عند حضرة الله، فقد جمعنا فى هذا الكُتيب الصغير الحجم فى مبناه، الغزير المعنى والعظيم القدر فى معناه بعض الدروس الراقية التى منَّ الله بها علينا فى الإحتفال بليالى ذكرى مولد رسول الله r هذا العام 1431 هـ، وأشرنا فيها إلى لمحات من خطاب الله عزوجل فى الآيات القرآنية لأهل المقامات العلية عن الحضرة المحمديَّة حتى تشتاق القلوب إلى جمال حضرته، وتميل الأفئدة إلى شذى عُرف قربه ومودَّته، وتُحلِّق الأرواح راغبة فى الوصول إلى مقام معيته. جعلنا الله U ممن يتعلقون بحضرة ذاته، ويتخلقون بأخلاقه، ويتجملون بجميل صفاته ،ويستمسكون ظاهراً وباطناً بأنوار تشريعاته. وقد سمَّيناه (( السراج المنير )) لأنه الاسم الذى سمَّاه به الله لأهل الخصوصية، ولأن هذه المعانى التى ذكرناها تدور حول بعض هذه الأوصاف الذاتية التى أشار الله U إليها فى كتابه لهؤلاء الخصوص، أسأل الله عز وجل أن ينفع بها من قرأها، وأن يرفع بها من عايشها واستحضرها وتمثَّل بها، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عن المؤلف

- ولد فضيلته بالجميزة بمركز السنطة محافظة الغربية بمصر، فى 18/10/1948م . وحصل على ليسانس دار العلوم بجامعة القاهرة 1970م، ثم عمل بسلك التربية والتعليم حتى أصبح مديراً عاماً بالتعليم بالغربية، وتقاعد ع
اقتباسات من الكتاب
كان العرب يأتون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليسألوه عن أمره وكيف صار رسولا من الله وهم يعلمون بفهمهم وفطرتهم أنه لابد له من تأهيل خاص يجعل بشريته قابلة لهذا الأمر العلى ، واسمعموا لحديث سيد بنى عامر وكبيرهم الذى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستوثق من أمره قبل أن يسلم ، فقال: يا ابن عبد المطلب إني نبئت أنك تزعم أنك رسول اللـه إلى الناس أرسلك بما أرسل به إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء ألا وإنك تفوَّهت بعظيم ، إنما كان الأنبياء والملوك في بيتين من بني إسرائيل ، بيت نبوة وبيت ملك ، ولا أنت من هؤلاء ولا من هؤلاء ، إنما أنت من العرب ممن يعبد الحجارة والأوثان ، فما لك والنبوة؟ ولكل أمر حقيقة فأنبئني بحقيقة قولك وبدء شأنك؟ فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم مسألته ، وقال: {يا أخا بني عامر ، إن حقيقة قولي وبدء شأني دعوة أبي إبراهيم وبشرى أخي عيسى ، إني كنت بكرا لأمي وإنها حملتني كأثقل ما تحمل النساء وإن أمي رأت في المنام أن الذي في بطنها نور ، قالت: فجعلت أتبع بصري النور ، فجعل النور يسبق بصري حتى أضاء لي مشارق الأرض ومغاربها ، ثم إنها ولدتني ، فلما نشأت بغِّض إلي الأوثان والشعر ، فاسترضعت في بني بكر ، فبينما أنا ذات يوم في بطن واد مع أتراب لي ، إذا برهط ثلاث ، معهم طشت من ذهب ملآن نور وثلج فأخذوني من بين أصحابي ، فعمد إلى أحدهم فأضجعني إلى الأرض إضجاعا لطيفا ثم شق ما بين صدري إلى منتهى عانتي وأنا أنظر ، فلم أجد لذلك شيئا ثم أخرج أحشاء بطني فغسلـه بالثلج ، فأنعم غسلـه ثم أعادها في مكانها ثم قام الثاني فأدخل يده في جوفي فأخرج قلبي ، وأنا أنظر فصدعه فأخرج منه مضغة سوداء رمى بها ، ثم إذا بخاتم في يده من نور: نور النبوة والحكمة يخطف أبصار الناظرين دونه ، فختم قلبي فامتلأ نورا وحكمة ثم أعاده مكانه ، فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهراً ، ثم أمرَّ الثالث يده بين ثديي وصدري ومنتهى عانتي فالتأم الشق بإذن اللـه ، ثم أنهضني من مكاني إنهاضا لطيفا ، ثم قال الأول: زنوه بعشرة من أمته ، فوزنوني فرجحتهم ، فقال: زنوه بمائة من أمته ، فوزنوني فرجحتهم ، فقال: زنوه بألف من أمته ، فوزنوني فرجحتهم ، فقال: دعوه فلو وزنتموه بأمته جميعا لرجحهم ، قال:ثم أقبل الحي بحذافيرهم ، فجاءت ظئري حتى أكبت علي فضمتني إلى صدرها وإن يدي لفي يد بعضهم فظننت أن القوم يبصرونهم ، فإذا هم لا يبصرونهم ، فجاء بعض الحي ، فقال: هذا الغلام أصابه لمم أو طائف من الجن ، فانطلقوا به إلى الكاهن ينظر إليه ويداويه فقلت لـه: يا هذا ليس بي شيء مما تذكرون ، فذهبوا بى إلى الكاهن فقصصت عليه أمري فضمني إلى صدره ونادى بأعلى صوته: يا للعرب اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه ، واللات والعزى لئن تركتموه ليبدلن دينكم وليسفهن أحلامكم وليخالفن أمركم وليأتينكم بدين لم تسمعوا بمثلـه ، فقالت ظئري: لأنت أعته منه وأجن ولو علمت أن هذا يكون من قولك ما أتيتك ، ثم ردوني إلى أهلى ، وأصبح أثر الشق ما بين صدري إلى منتهى عانتي كأنه شراك ، فذاك حقيقة قولي وبدء شأني فقال العامري: أشهد أن لا إلـه إلا اللـه ، وأن أمرك حق}{1} فللقصة دلائل كثيرة تدلُّ على أن الله جهَّز بشريته صلى الله عليه وسلم تجهيزا خاصاً لحمل الرسالة فصارت بشريَّةً نورانيَّةً ، ولذا لما سمع سيد بنى عامر القصة من النبى أدرك وفهم ووجد الإجابة عن تساؤله وأسلم فى الحال ، بل لما سمع الكاهن ذلك علم أنه النبى المنتظر الذى يعدُّ لحمل الرسالة فى المستقبل وأنظروا إليه صلى الله عليه وسلم لما وزنوه بعد أن جهزوه وطبعوه بخاتم النور والحكمة ، ماذا كانت النتيجة؟ كان وهو فردٌ وحيدٌ يساوى الأمة كلها ببشريته التى أعدها الله بقدرته فجعلها نورانية فى صورة بشرية ، وإذا كان رجل من أُمته وهو الصديق رضي الله عنه يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم فى تفضيله: {لَوْ وُزِنَ إِيمَانُ أَبـي بَكْرٍ بِإِيمَانِ النَّاسِ لَرَجَحَ إِيمَانُ أَبِـي بَكْر}{2} فما بالكم بمن كان السبب فى إيمان الأمة جميعها وإيمان أبى بكر ، الرحمة المهداة والنعمة المسداة التى خلقها لنا الله روى الإمام أبو المواهب الشاذلى رضي الله عنه أنه كان فى الأزهر الشريف يُدَرِّس ، وإذا برجل معاند جاء إلى مجلسه ، وأخذ الرجل يتحدث فى هذه القضية ويُصر على أن الحبيب صلى الله عليه وسلم بشرٌ كسائر البشر ، قال: فقمت من هذا المجلس مهموماً لأنى لم أدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ينبغى ، قال: فنمت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المنام وقال لى: يا محمد هلا قلت له: "محمد بشر بين البشر كالياقوت وهو حجر بين سائر الحجر" هل يساوى حجر الياقوت بقية الأحجار؟ هل يساوى حجر الذهب بقية الأحجار؟ والنبى صلى الله عليه وسلم يقول فى الخلق والناس أجمعين: {النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ}{3} ولِمَ نذهب بعيداً وهذا الزجاج الذى نضعه فى نوافذنا ، ما أصله؟ أصله رملٌ ولكننا عالجناه حتى صار شفافاً يبين ما وراءه ، فما بالكم بحَبيب الله ومُصطفاه الذى شفَّ الله جسمه ونوَّر الله هيكله حتى صار ظاهره نور وباطنه نور وكله نور ، وقال الله فى شأنه: {نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ} النور35 ولذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا انتهى من الصلاة يلتفت إلى من خلفه ويقول لهم أنت فعلت كذا أو قلت كذا ، قال سيدنا ابو هريرة رضي الله عنه: {صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ الظُّهْرَ ، فَلَمَّا سَلَّمَ نَادَى رَجُلاً كَانَ فِي آخِرِ الصُّفُوفِ ، فَقَالَ: يَا فُلاَنُ ؛ أَلاَ تَتَّقِي اللَّهَ. أَلاَ تَنْظُرُ كَيْفَ تُصَلِّي؟ ، إنَّكُمْ تَرَوْنَ أَنِّي لاَ أَرَاكُمْ ، إنِّي وَاللَّهِ لأَرَى مِنْ خَلْفِ ظَهْرِي كَمَا أَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ}{4} ومَن الذى يرى من خلفه؟ إلا إذا كان جسمه شفافاً نورانياً ، لأنه ليس له عين فى مؤخرة رأسه ولكن له قلب مملوءٌ بالنور يقول فيه مولاه: {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي} يوسف108 بهذه البصيرة النورانية كشف لنا كل ما حدث مع أنبياء الله ورسل الله مع أممهم السابقين ، وحدثنا عن كل شئ سيحدث لنا أو بيننا إلى يوم الدين ، فما من شئ يحدث فى الأكوان إلى الآن وبعد الآن إلا وأنبأ عنه النبى العدنان وحدَّث عنه بأبلغ بيان بل إنه صلى الله عليه وسلم حدَّثنا عن القيامة كأنها رأى العين وحدَّثنا عما يدور فيها وكيف يكون حالنا بينها وكيف حال المؤمنين وكيف حال المنافقين وكيف حال الكافرين ، بل حدَّثنا عن الجنة ودرجاتها وقصورها وحورها وأنهارها وكل شئ فيها ، وكذا النار وكل مافيها من أهوال وأحوال ، ذلك لأن الله كشف له عن بصيرته فرأى ما لم نرَ ، قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً{26} إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} الجن وقد ارتضى هذا الرسول وأعطاه مالم يعط الأولين والآخرين ، فيجب أن نعلم قدر نبينا عند ربه وعظمة نبينا بين أنبياء الله ورسله ونفرح بالنعمة الكبرى التى وهبها الله لنا وهو هذا النبى وهذا الرسول وهذا الحبيب الذى جعله الله نبينا وجعله شفيعنا وجعله إمامنا ، قال صلى الله عليه وسلم: {أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجاً إِذَا بُعِثُوا وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إذَا وَفَدُوا ، وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إذَا أَيِسُوا ، لِوَاءُ الحَمْدِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي ، وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي وَلاَ فَخْرَ}{5} {1} عن شداد بن أوس، المطالب العالية (ابن حجر العسقلاني) مع اختصار الرواية ، وفى كنز العمال ودلائل النبوة وغيرها {2} قال صاحب كشف الخفاء: رواه إسحاق بن راهويه والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن عمر من قوله، وأخرجه ابن عدي والديلمي كلاهما عن ابن عمر مرفوعا بلفظ "لو وضع إيمان أبي بكر على إيمان هذه الأمة لرجح بها"، وفي سنده عيسى بن عبد الله ضعيف لكن يقويه ما أخرجه ابن عدي أيضا من طريق أخرى بلفظ لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجحهم ، وله شاهد أيضا في السنن عن أبي بكرة مرفوعا أن رجلا قال يا رسول الله كأن ميزانا نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت ثم وزن أبو بكر بمن بقي فرجح -الحديث ، وقال ابن تيمية لما سأل عنه هذا جاء معناه في حديث معروف في السنن أن أبا بكر رضي الله عنه وزن هذه الأمة فرجح، مجموع فتاوى ابن تيمية {3} صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وفى الحديث {خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلاَمِ إِذَا فَقُهُوا} {4} الترغيب والترهيب، صحيح ابن خزيمة عن أبى هريرة {5} سنن الترمذى عن أنس
يقرأ أيضاً
المراجعات
💬
لا توجد مراجعات بعد. كن أول من يراجع هذا الكتاب!








