"هذا الكتاب هو كلٌ متكامل يضم معظم الأشياء المهمة التي عرفتها وتعلمتها عن الرواية"
أورهان باموك
ماذا يجري في عقلنا عندما نقرأ الروايات؟ كيف نحوّل الكلمات إلى صور ذهنية؟ لماذا نقرأ الروايات؟ من هو القارئ الساذج ومن هو القارئ الحساس؟. ومن جانب آخر, بماذا يفكر الروائي أثناء عملية الكتابة؟ ماذا يعتقد حول القارئ؟ كيف يخطط لروايته؟ كيف يختار محور الرواية, موضوع الرواية, فكرة الرواية وعلى أي أساس؟ ما العلاقة بين المتحف والرواية؟ ما العلاقة بين اللوحة والرواية؟ أيّ أجزاء الرواية حقيقية وأيّها خيالية؟ من هو الروائي الساذج ومن هو الروائي الحساس؟ كل هذه الأسئلة يجيب عليها باموك في هذا الكتاب.
الكتاب يضم محاضرات تشارلز إليوت نورتون التي قدمها باموك في جامعة هارفرد 2009. اعتمدت المحاضرات على التمييز الذي وضعه شيلر بين الشاعر الساذج والحساس في مقاله الشهير "عن الشعر الساذج والحساس" (1796-1795), هدف باموك من اختياره لهذا المقال هو: "الوصول إلى مفهوم أعمق لمقال شيلر." أو توضيح أفكاره حول الرواية عن طريق مقال شيلر الذي وصفه توماس مان على أنه "أجمل مقال كُتب في اللغة الألمانية".
يتحدث باموك في هذه المحاضرات عن أسلوبه في كتابة الروايات آخذاً بنظر الاعتبار موضوع المحاضرة (أو الفصل في الكتاب) الذي يناقشه, ولكن لا يطرح أفكاره بشكل شخصي, أو بالأحرى, لم يكن هدفه هنا تقديم تجربته الشخصية مع الراوية, بل أراد تقديم أمثلة واقعية من حياته الشخصية كروائي, بالأضافة إلى ما عرفه وقرأه عن روائيين آخرين. يقدم باموك في هذا الكتاب تجربته كقارئ وروائي, ويؤكد أن تجربته كقارئ وروائي مرتبطة ببعضها.
يصف باموك بدقة مشاعر القارئ الساذج والحساس, ويقارنها بتجربة الكتابة ومشاعر الروائي الساذج والحساس. فالقارئ والروائي الساذج هو, حسب تعريف باموك: الذي لا يشغل نفسه بالجوانب الفنية في كتابة وقراءة الرواية. بينما على العكس من ذلك القارئ والروائي الحساس (أو العاطفي, المتأمل): يولي اهتماماً كبيراً للأساليب الروائية والطريقة التي يعمل بها عقل القارئ. لكن, "سيد باموك, هل أنت روائي ساذج أم حساس؟" هذا السؤال تردد كثيراً على باموك بعد القاءه هذه المحاضرات, وكان جوابه: "الحالة المثالية هي التي يكون فيها الروائي ساذجاً وحساساً في الوقت نفسه." باموك يعتقد أنه يحاول الوصول إلى هذه الحالة, لأنه قد استنتج من خبرته في كتابة الروايات (ثلاثة وخمسين عاماً), أنه يرسم بموهبته, ويكتب بوعيه, هو ساذج عندما يرسم, وحساس عندما يكتب.
"خلط الواقع مع الخيال" أحد أهم الأسباب التي تجعلنا نقرأ الروايات. ومع ذلك, الهدف من قراءة الرواية يختلف من قارئ إلى آخر, فكل قارئ يتخيّل صورهُ الخاصة عن الرواية. ويعتقد غالباً, وخاصة بالنسبة للقارئ الساذج, أن بطل الرواية هو الكاتب نفسه, أو أن الكاتب قد ذكر تجاربه وآراؤه الشخصية في الرواية, المتعة في اكتشاف الخيال والصدق في أحداث الرواية, متعة يشترك بها القرّاء ومحبي الأفلام. وقد تعرض باموك نفسه لهذا الخلط بين شخصيته الحقيقية وشخصية بطل روايته "متحف البراءة" كمال. كثيرون ظنوا أن كمال هو باموك.
قارن باموك أيضاً ووضح عناصر مشتركة بين الرسم ومشاهد وتفاصيل الرواية, بين السينما وخيال القارئ, بين القارئ وزائر المتحف, وبين المتحف والرواية. ووصف بشكل بسيط فكرة الزمان والمكان الفيزيائي والروائي, الشخصيات الروائية, الحبكة, الكلمات, الصور والأشياء, والمحور الذي خصص له باموك فصلاً كاملاً وتوسّع في توضيح أهميته, وكيفية صياغة الروائي (الساذج والحساس) لمحور روايته, وكيف يتغيّر هذا المحور باستمرار مع فصول الرواية. استشهد باموك بأمثلة كثيرة من روايات عالمية معروفة, خاصة رواية "آنا كارنينا" التي يعتبرها باموك: "أعظم رواية كتبت على الأطلاق."
باموك يقدم في هذه المحاضرات نظريات ومصطلحات سردية بشكل سهل وذكي, مدعمة بأمثلة واقعية وروائية, تمنح كل مهتم بالرواية (القارئ أو الكاتب) كل المعلومات التي يرغب في معرفتها عن هذا العالم الجميل. والأهم من ذلك, بالطبع, كيفية تقديم هذه المعلومات. نجح باموك كمدرس تماماً مثلما نجح كروائي. أسلوبه في كتابة الرواية لم يتخلى عنه وهو يقدم محاضراته بتمكن فريد. بحيث لا يمكن أن تجد في أي فصل من فصول الكتاب (وبالتالي المحاضرات) أي خروج عن محور الفصل ولو بعبارة واحدة.
قراءة هذا الكتاب (لعدة مرات) كان متعة حقيقية بالنسبة لي, ورحلة في زمان ومكان الرواية وعالم الروائيين الغامض أحياناً أو المبالغ فيه أحياناً أخرى. اكتسبت من خلال هذا الكتاب معلومات كثيرة جداً عن روائيين, ثقافات, تاريخ الرواية وتطورها وتأثيرها الأجتماعي, الدور الذي لعبته الرواية منذ ظهورها, المصطلحات السردية, ما هي الرواية العظيمة, ومن هو الروائي العظيم, وأخيراً, من هو الروائي الساذج, ومن هو الروائي الحساس.
كنت أسمع صوت باموك يقرأ لي الكتاب باللغة العربية بصوته المتزن الهادئ ــ تماماً مثل قارئ ساذج يندمج مع الرواية, مشاهدها وأبطالها, ويعتقد في النهاية أن الرواية كتبت من أجله هو, وأن الكاتب يهمس له الرواية في أذنه, أو أنه هو من كتب الرواية بالفعل ــ كان يلقنني الكتاب جملة بعد جملة كمدرس محترف ومتمكن من أدواته, وقبل كل شيء, كروائي بارع. كنت أحوّل عباراته إلى صور "باللغة العربية" تماماً مثل قارئة حساسة.