
📱 كتاب إلكتروني
نسكافيه مع الشريف الرضي
تأليف ميادة خليل
3.0(٠ تقييم)•٢ قارئ
عدد الصفحات
١١٢
سنة النشر
2016
ISBN
978-91-87373-67-1
المطالعات
٨٨٧
عن الكتاب
تتحدث هذه الرواية عن آمنة التي تجد في دافيد سر حياتها. فهي سيدة عراقية أرملة في الخمسين من عمرها تعيش في هولندا، أما دافيد فهو هولندي في السبعين من عمره يعاني من الوحدة بعد وفاة زوجته العراقية سلمى التي التقاها في لندن، وقد تغيرت حياته كلياً معها، ولم يعد بإمكانه الحياة من دونها. فينهي حياته انتحاراً، وعن طريق بعض أغراضه التي تُرمى في الشارع تتعرف آمنة على قصته، لكنها تتعرف في الوقت ذاته على نفسها. وتكتشف ماضيها من جديد، حتى تتخذ قراراً بالعودة النهائية إلى بلدها.
عن المؤلف
ميادة خليل
كاتبة ومترجمة من العراق مقيمة في هولندامواليد العراق - البصرة 1971بكلوريوس رياضيات تطبيقية \ الجامعة التكنولوجية بغدادترجمت العديد من المقالات الادبية والحوارات وكتبت قراءات ومقالات نشرت في عدة صحف وم
اقتباسات من الكتاب
لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.
سجّل الدخول لإضافة اقتباسيقرأ أيضاً
المراجعات (٣)

المراجع الصحفي
١٣/١٢/٢٠١٧
يعد موضوع العلاقة مع الآخر الغربي من الموضوعات المهمة في التمثيل السردي الروائي العربي، فبعدما شهدت الرواية العربية تمثيلات لهذه العلاقة قائمة على التوتر الثقافي بين الشرق والغرب تعيد للمتلقي ذلك التعارض بين القطبين، كما أشار عبد الله إبراهيم في «موسوعة السرد العربي»، عند تناوله لرواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، نجد الرواية العربية الجديدة تجاوزت ذلك التوتر والتعارض إلى مساحةِ تلاقٍ وانسجامٍ وتعايشٍ، تتأسس على مقولة حوار الحضارات وتقارب الثقافات، ومنطلقاتها إنسانية تفاعلية وتواصلية وتعارفية.
من هذا المبدأ تنطلق رواية «نسكافيه مع الشريف الرضي» للكاتبة العراقية المقيمة في هولندا ميادة خليل الصادرة حديثاً عن منشورات المتوسط، لترفع قواعد بنيانها الروائي على أسس إنسانية، تهدف إلى التعرّف على الآخر وفهمه والكشف عن طبائعه وسلوكياته وأساليب تعامله مع الطرف المقابل.
تمنح الرواية مهمة اكتشاف الآخر لنموذج مختار من ذلك العالم، وهو «دافيد» الذي يقوم بسرد ذكرياته والأحداث المؤثرة في حياته والشخصيات التي لها الحضور الأهم فيها. ومن بينها علاقته بـ «سلمى»، الشابة العراقية التي هاجرت إلى أوروبا لإكمال دراستها، لكن خشية والدتها عليها، بسبب ميولها السياسية المناهضة للسلطة الحاكمة في السبعينيات من القرن الماضي، دفعتها للإلحاح عليها بأن تستقر هناك، وهو ما قامت به فعلاً.
يسرد «دافيد» ظروف لقائه بـ «سلمى»، وتعرفه عليها، ومن ثم بعد مدة زواجه بها واستقرارهما في هولندا. هذه العلاقة تجسد لوناً من ألوان التلاقي الحضاري والثقافي، أساسه أولوية النظرة الإنسانية إلى الآخر، وتقديم المشاعر والروابط الجامعة بين بني البشر، واستبعاد الفوارق والاختلافات التي لا تنبع إلا من نظرة عنصرية ضيقة.
نتعرف على «دافيد» من خلال بطلة الرواية وساردتها الأولى، واسمها «آمنة» وهي سيدة عراقية مهاجرة تبلغ من العمر خمسين عاماً، تقيم وحيدة في هولندا، في البناية نفسها التي يقطنها «دافيد»، الذي تقوم «آمنة» بالكشف عن بعض تفاصيل قصة حياته، لكن بعد انتحاره، فلم تكن تعرف عنه شيئاً قبل ذلك. يثير هذا الوحيد المنعزل فضولها بعدما تعثر على ديوان الشريف الرضي في بعض الأغراض المستخرجة من شقته، فما الذي جاء بديوان شاعر عربي قديم في شقة شخص هولندي؟ تبين الرواية بعد ذلك أن الديوان وصل إليه من خلال زوجته العراقية المتوفاة قبل سنوات. يتخذ ديوان الشريف الرضي، ابتداءً بالعنوان، خلفية نصية لتأثيث عوالم الرواية، خصوصاً ما جاء فيه عن الفراق والفقد والهجر والاشتياق، وهي المعاني المعروفة في قصائده الحجازيات. بعد انتحار «دافيد» تلاحق «آمنة» تفاصيل حياته، التي يقوم بسردها بنفسه في خط سردي موازٍ، وبذلك نجد تعدداً في الأصوات داخل الرواية، كل منهما يعبّر عن عالمه الخاص والمختلف، ويرصد الأحداث من وجهة نظره التي نحتتها ثقافته الشخصية وقيمه الاجتماعية التي نشأ عليها.
نلمس لدى «دافيد» ذات النوازع الذي يدفعه للتعرف على الآخر، فيقول: «أحياناً أظن أن سبب افتتاني بسلمى هو كونها مختلفة تماماً عني، أردت الدخول إلى عالمها الذي لا أعرفه والهروب من كل شيء أعرفه». فمثلما نبحث عن المجهول والغامض والمختلف ونحاول الكشف عنه في الآخر الغريب عنا، يجب ألا نستبعد أن يقوم الآخر بذلك أيضاً بطريقته الخاصة.
تعرض الرواية لموضوعات وقضايا أخرى تخص العالمين الغربي والعربي، ممثلين بهولندا والعراق، لكن بإيجاز وبإشارات مختصرة موظفة بإتقان في غضون السرد، كقضايا النسوية والتعامل الأبوي، والتصفيات السياسية وما تركته من مآسٍ اجتماعية ومخاوف، والحرب وما جرّته على البلاد من ويلات، ومن ثم الحياة في المنفى بعدما تحول الوطن إلى سجن كبير لا خلاص إلا بالهرب منه، فلم يعد يصلح إلا للموت فيه، ولم يعد صالحاً للحياة. «كان يتمنى العودة إلى العراق. أريد أن أموت بين أهلي. كان يقول ذلك كلّما جاءت نتائج العلاج سلبية». هكذا تتمثل الرواية انشطار الإنسان العربي، والعراقي خصوصاً، بين الحنين إلى الوطن والأهل، وبين صعوبة البقاء والعيش معهم، بما لا يقارن بالحياة في الغرب. ففي الوطن يشعر الإنسان بأن حياته مهددة دائماً، وقد تنتهي في أي لحظة، أما بتهمة سياسية، أو في الحروب، أو ما تلاها من إرهاب وفوضى. لكن «آمنة» تقرر أخيراً العودة إلى الوطن نهائياً؛ ربما لأنها لم ترد الموت وحيدة وغريبة مثل «دافيد»، ففي تلك البلاد «كل يوم مثل كل يوم حتى تنتهي السنة» كما تقول، وحتى تنتهي الحياة أيضاً.
ترصد الرواية، أيضاً، وقائع يومية دالة، تتمثل مكانة الفرد والعائلة والعلاقات بين الأقارب والجوار، من خلال سرد حيوي مفعم بالفعل والحركة والمشاهد والأحداث المتنامية، مما يغذي النزعة الدرامية التي تمتاز بها الرواية، بالإضافة إلى لغتها الموجزة والرشيقة والخالية من الإنشاء والفبركات البلاغية المتعالية على القارئ.

المراجع الصحفي
١٣/١٢/٢٠١٧
مرة أخرى تطل علينا حكاية من حكايات الاغتراب والهجرة التي طالما كانت معينًا لا ينضب للكثير من الكتاب والروائيين يستكشفون من خلاله الآخر من جهة، ويبحثون فيه عن أنفسهم وذواتهم من جهة أخرى، ولا شك أن أعمالاً مثل «قنديل أم هاشم» لـيحيى حقي، أو «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، و«الحب في المنفى» لبهاء طاهر تبقى كلها أعمالاً حاضرة في الذهن كلمّا استلهم أحد الروائيين تلك الفكرة أو دار حولها لتقديمها بشكل جديد.
في روايتها الأولى «نسكافيه مع الشريف الرضي» تقدّم المترجمة والروائية العراقية «ميّادة خليل» رؤية جديدة للعالم من خلال أبطال روايتها الذين اختارتهم بعناية لكي يعكسوا تمثيلاً تاريخيًا للعراق ومنه يصورون العالم عبر سلسلة من المآسي المتلاحقة التي لحقت بهذا الشعب حتى غدا المنفى وطنه الاختياري، وأصبحت الهجرة أمرًا مسلمًا به.
هي حكاية أخرى من حكايات المأساة العراقية، ولكن بتحويلها إلى صيغةٍ عامة إن صحت التسمية ـ مجسدة في شخصية «آمنة» العجوز الخمسينية، التي يمضي بها العمر فجأة دون أن تحقق أيًا مما كانت تتمناه أو تحلم به، لتجد نفسها وجهًا لوجهٍ مع ماضيها وذكرياتها وحياتها، بمجرد وفاة جارها الهولندي «ديفيد» الذي تفاجأ بوجود آثارٍ عربية في شقته، لاسيما ديوان «الشريف الرضي» الذي حمل في فترة من الفترات جزءًا من ذكرياتها.
ديفيد أيضًا ذلك الرجل الغربي الذي يقع في غرام «سلمى» العراقية وتغيّر له حياته وتقلبها رأسًا على عقب، ويتزوجها وتحلم بأن تحصل على طفلٍ منه، لكن حلمها لا يتحقق وتصاب بسرطان الرحم الذي يودي بحياتها، فتنتهي حياة ديفيد أيضًا ويقرر أن ينتحر.
بين وفاة «سلمى» وبقاء قبرها في «هولندا» وانتحار «ديفيد»، تفكّر «آمنة» فيما سيكون عليه مصيرها، بعد أن استنفدت كل محاولات الحياة، وبعد أن أصبحت الحياة بالنسبة لها دون أي أمل، إذ بها تقرر أخيرًا العودة لوطنها «العراق» فهو المكان الذي تحب أن تموت فيه رغم كل ما يحدث.
ربما بدا عنوان الرواية مخاتلاً هذه المرة، فنحن لسنا إزاء روايةٍ تستحضر سيرة أو حكاية للشاعر العربي الكبير «الشريف الرضي» المعروف بشعره في الفخر والغزل، وهو شاعرٌ عباسي عراقي، ولكنه يحضر هنا على خلفية الأحداث، ربما أخذت منه «ميّادة» شعره الذي تناول الفراق تحديدًا، ولذا يحضر ديوانه وعددًا من أبيات شعره فقط، فلا تحكي عنه ولا تتشابك معه بأي طريقه، بل تمضي الحكاية بين الشخصيتين الرئيسيتين وما يتعلق بهما واقعية ومعاصرة فحسب.
يبدو في الرواية حرص الكاتبة الشديد على التكثيف، وعلى تقديم مشاهد تحكي نفسيات شخصياتها بأقل قدر ممكن من الكلمات، فعلى الرغم من قصر المساحة السردية الممنوحة لكل بطلٍ من أبطال العمل إلا أن القارئ يخرج وقد تعرّف على كل شخصيّة منهم بالقدر الكافي، بل وتبقى «آمنة» نموذجًا لامرأة عربية قل أن نجد نظيرها في الروايات العربية.
أتوقف كثيرًا عند رقم عمري، خمسين عامًا. ليس في حياتي ما يثير الدهشة، لم أفعل شيئًا، لم أكن جيدة في شيء، لم أكن بنتًا جيدة (ما أعرف شنو فايدتك) كانت تردد أمي، ولا طالبة شاطرة (شوفي هدى طلعت الأولى) أبي، لست جميلة حتى أو متوسطة الجمال (هذي الخلقة منو ياخذها) علاء، ولا امرأة ذكية لبقة، ولا زوجة صالحة.. لم أفعل شيئًا في حياتي سوى انتظار أن تحدث صدفة في حياتي، وأحاول أن أبدو مثل الآخرين، وحتى في هذا كنت فاشلة!
في اللحظة التي تحدث الصدفة في حياة «آمنة» تجد نفسها، بعد أن تراجع حياتها، تقرر فجأة العودة لموطنها، لكي تموت هناك.
وهكذا بين حكاية «آمنة» و«ديفيد» يستكشف القارئ أن الأمر ليس متعلقًا بتلك الحكايات التي يمكن أن تكون عابرة ومعتادة، ولكنها تتعلّق أكثر بالإنسان بشكلٍ أعم، ببحثه الدائب عن الحياة، بالحروب التي تغيّر ملامح العالم وتقلب الدنيا رأسًا على عقب، وتضيّع الأحلام، ولعل هذا ما حرصت عليه «ميّادة خليل» طوال الرواية، إذ وجدناها لا تلجأ للسرد التقليدي الذي يأخذ حكاية كل بطلٍ من بدايتها متتبعًا ظروف النشأة والميلاد حتى تصل إلى اللحظة الراهنة، وليست الرواية أيضًا علاقة حبٍ ربطت بين مهاجرةٍ ورجل غربي، كما قد يبدو للقارئ منذ السطور الأولى بل على العكس من ذلك كله بدأت كلتا الحكايتين من النهاية، وتقاطعت بطريقة مختلفة تمامًا ثم جاءت تفاصيل حياة كلٍ منهما تباعًا.
رغم ورود الحرب في الرواية، والمعتقلات التي يموت فيها الأفراد، وهروب العراقيين من الحكم الغاشم ومن قبضة الظلم في بلادهم، إلا أن الكاتبة لم تتوقّف كثيرًا عند هذا كله، ولم تُغرق النص في «ميلودرامية» حكايات عن القهر والتعذيب التي ربما اعتدناها من الروايات التي تتناول هذا الموضوع كثيرًا، ولكنها تعبر من خلالها إلى الفكرة الإنسانية الأعم، وتطرح الموضوع طرحًا مختلفًا، واستطاعت أن توزّع تلك الحكايات بين «آمنة» التي تستعيد ماضيها، وبين «ديفيد» وهو يحكي عن زوجته «سلمى» العراقية التي تعود إليه بحكايات بغداد المؤلمة.
مشاعر الغربة التي تشعر بها «آمنة» أيضًا بعد عودتها للمرة الأولى من هولندا سيطرت عليها أثناء زيارتها للعراق، وطرحتها الرواية هذه المرة طرحًا مختلفًا، فلم تعد «الغربة» مقتصرة على البعد المادي عن الوطن، والحنين الذي يدفعنا للعودة إليه كل مرة، بل ثم غربة أخرى بين الأهل والأقارب تكون هي الأقسى والأشد وطأة، تتغلّب “آمنة” على تلك المشاعر كلها حينما تقرر أنها ستموت في العراق.
رحلتي الشاقة الأخيرة إلى العراق كنت أشعر فيها بألمٍ مضاعف، موت إبراهيم وغربتي بين أهلي، رأيت الجميع من حولي كأنهم أناسٌ آخرون لا أعرفهم، أراهم لأول مرة، لقد تغيّر أهلي كثيرًا، طباعهم، تفكيرهم كلامهم، أو ربما أنا من تغيّرت كما قالت لي سعاد، شعرت بغربةٍ حقيقية بينهم، غربة أكبر من غربتي في هولندا وأنا بعيدةٌ عنهم آلاف الأميال، لم أجرؤ على قول ذلك حتى لسعاد، ولا لأولادي، لأنه شعورٌ غريب جدًا مؤلمٌ ومخجل ..لكن هذه المرة الأمر مختلف، أنا من يريد الذهاب إلى العراق، أنا قررت ذلك، شيء ما دفعني لذلك، ربما حياة ديفيد فتحت لي أبواب الماضي الذي لا أخافه بعد الآن، بل صرت أبحث فيه ..
قسّمت الرواية التي تعد قصيرة نسبيًا (110 صفحات) إلى خمسة وأربعين فصلاً توزّعت بين «آمنة» و«ديفيد»، ربما يؤخذ على الكاتبة أنها لم تحدد في بداية كل فصل من المتحدث فيه، ولكن القارئ يتعرّف عليه بمجرد قراءة بعض التفاصيل الخاصة بكل شخصيةٍ على حدة، واتبعت في سردها تقنية «تيار الوعي» التي تقوم على استخدام ضمير المتكلم والتداعي الحر للأفكار والذكريات لكل شخصية مما يجعل القارئ متماهيًا مع الحكاية وأبطالها، قادرًا على التعاطف معهم والدخول إلى عالمهم، وهو ما نجحت فيه «ميادة خليل» بشكلٍ كبير.
الرواية صادرة عن «منشورات المتوسط» بإيطاليا، وتجدر الإشارة إلى أن «ميادة خليل» مترجمة وروائية عراقية، سبق وترجمت لأورهان باموق كتابه «الروائي الساذج والحسّاس»، كما صدر لها عن دار المتوسط رواية “العميل السري” لجوزيف كونراد، و«امرأة في برلين» وغيرها من الأعمال.

المراجع الصحفي
١٣/١٢/٢٠١٧
حين تمرُّ أمامنا عبارة "امرأة في الخمسين"، عراقية، وتعيش في بلد أوروبي، ما هي الأفكار والمشاهد والأحداث التي قد تحضر في ذاكرتنا؟ لعله ماضٍ من الصعب الخلاص منه. هذا ما نلمسه وندركه أثناء قراءة رواية "نسكافيه مع الشريف الرضي" للكاتبة العراقية ميادة خليل.
"آمنة" سيدة عراقية أرملة، تعيش في هولندا. في اليوم الذي يصبح عمرها خمسين عاماً يتوفى جارها "دافيد" البالغ من العمر سبعين عاماً.
موت "دافيد" منتحراً يثير فضول آمنة، ويدفعها لتفتيش أغراض شقته المرمية أمام البناية، لتقع بين يديها لوحة كبيرة لقِباب، وكنائس، ونهر، وبيوت، موقعة باسم "سلمى"، حزمة رسائل، وكتاب شعر باللغة العربية "ديوان الشريف الرضي".
لعلّ الماضي كفكرة طُرحت في الرواية، شكَّلت اليأس النهائي من الحياة، إذ يبدو أن تاريخ البشرية الغارق في حروب مكررة، هو الحقيقة التي يواجهها بطلا الرواية "آمنة، دافيد" إضافة للشخصية التي تُشكّل أحد أهم خطوط الرواية "سلمى" زوجة دافيد العراقية. كما تحضر هنا أبيات من قصيدة للشريف الرضي كانت تقرأها آمنة:
"أرى الناس يهوون الخلاص من الردى
وتكملة المخلوق طول عناء
ويستقبحون القتل والقتل راحة
وأتعبُ ميت مَن يموت بداء"
تحاول آمنة من خلال النبش في حياة دافيد بعد موته، أن تعيد سرد ماضيها. لعلها محاولة للفهم، أو التصالح، أو مداواة تلك الندوب التي ظلت عالقة في روحها وذاكرتها. هي محاولة للبحث عن أنوثة تفتقدها آمنة، هي التي لم يكن أحد يراها جميلة، ولا حتى امرأة، حتى زوجها، تزوجها لأنها "امرأة شريفة وطاهرة، أنا لا أهتمّ بالشكل، المهم عندي الأخلاق والشرف".
أما دافيد الذي قضى طفولته مع جدته، نتيجة انفصال والديه، والذي لم تشف ذاكرته من الحرب (العالمية الثانية)، فيستعيد أيضاً بعضاً من المشاهد التي علقت بذاكرته "انتهت الحرب، ولم تنته. في كل مكان، الجسور، الشوارع وسكة الحديد. بيت جدّتي نالته حصة من القصف الأميركي أيضاً، تضرّر البيت، الحديقة والمكتبة. ذاكرتي ظلّت تحمل مآسي الحرب معها، الخوف، وموت جدّتي".
لكن مأساة دافيد في سنواته الأخيرة هي موت زوجته سلمى، بسبب سرطان الرحم. إنها المرأة التي أحبها ولم يستطع العيش من دونها. وقبل ذلك موت جدته. سلمى وجدّته تظلّان ترافقان دافيد في نهاية حياته، كشبحين لا أحد يراهما سواه.
سنلاحظ أيضاً أن آمنة ودافيد لا يعرفان بعضهما البعض جيداً، ليسا سوى جارين في المبنى، كانا يتبادلان التحية في الصباح.
أما سلمى، وديوان الشريف الرضي، فيأتي حضورهما أشبه بالتناص بين خطَّين سرديين لشخصيتين تلاحقان ماضيهما. فسلمى هي من أوصت دافيد في رسالتها الأخير بالاحتفاظ بديوان الشريف الرضي، والذي كان هدية من والدها. في المقابل ستكون فكرة العثور على ديوان الشريف الرضي عند آمنة، باباً ستفتحه على ذكرياتها مع أخيها "صلاح" المثقف والذي كان يعشق القراءة ويمتلك مكتبة كبيرة ومتنوعة، من ضمنها نسخة من الديوان نفسه عثرت عليها في غرفته: "على الطاولة دخلنا الغرفة، كان هناك كتاب مفتوح، كتاب كبير نوعاً ما، لونه أحمر، لم أشك للحظة أنه كتاب الشريف الرضي. نسخة صلاح".
عمدت الكاتبة في كتابة الرواية على تقنية الأصوات المتعددة في السرد، لنجد الرواية مقسمة لفصول أو مقاطع صغيرة، مرة بصوت آمنة، ومرة بصوت دافيد، كما سيحضر صوت سلمى زوجة دافيد، من خلال رسائلها التي كانت ترسلها من العراق أثناء زياراتها لوالدتها وأصدقائها هناك.
لكن قد يلاحظ قارئ الرواية أن شخصية سلمى غائبة، وحاضرة كسبب أدّى لانتحار دافيد، أيضاً عبر رسائل عابرة، ورسالتها الأخيرة لدافيد. لكن تبقى ملامح هذه الشخصية ضبابية وغير مكتملة في الرواية، خصوصاً أنها تعطي انطباعاً للقارئ طوال الرواية أنها إحدى الشخصيات المحركة لأحداث الرواية.
في المقابل يبقى نص الرواية مفتوحاً على الماضي وغارقاً فيه، خلافاً للكلام الذي كتب على الغلاف الخلفي للرواية، بأن "آمنة التي تجد في دافيد سر حياتها"، كما أن قرار آمنة في العودة نهائياً للعراق، وكبت رغبتها وعواطفها لجارها العراقي الجديد الذي يسكن في شقة دافيد بعد مماته، رغم إعجابها به، وعدم جرأتها بمصارحته بمشاعرها، يظل سؤالاً محيراً للقارئ.
* رواية "نسكافيه مع الشريف الرضي" للكاتبة العراقية ميادة خليل – صادرة عن دار المتوسط إيطاليا 2016.








